ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 565 — تدابير فوقيّة

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 565 — تدابير فوقيّة باللغة العربية على مانجا تايم.

تصلَّبت ملامح زيك الحيادية لتتحوَّل إلى عبوس خفيف وهو ينظر إلى المدينة الخاوية في الأسفل. المفترض أن تكون هذه إحدى معاقل الفيلق الحصينة لكنها بدت صامتة ومهجورة. كانت هذه هي الحالة الرابعة في غضون أربعة أيام. تجاوز هذا كل ما توقعه بمسافات. كان ينتظر من الفيلق تفادي الاشتباكات غير المضمونة. بفضل شبكة استخباراتهم يمكنهم توقع تحركاته وإخلاء قواتهم مبكراً. لكن الأمر بدا مختلفاً هذه المرة بالكامل.

أينما ضرب لم يجد شيئاً. لا مقاومة تذكر. لم تكن مجرد نقاط مراقبة صغيرة بل إن ركائز الدفاعات الخارجية قد أُخليت بلا تردد وكأن خسارتها لا تساوي شيئاً. بدأ إدراك مزعج يتشكل في عقده حاجَبيه. رغم هذا رفض زيك التحرك بناءً على الظنون وحدها. لم يستسلم لما بدأ يشك فيه فعلاً إلا بعد أن اجتاز المناطق الشرقية برمّتها ووجد معقلين رئيسيين آخرين مهجورين بالقدر نفسه. لقد تخلَّى الفيلق عن الشرق.

وما هذا إلا ما استطاع تأكيده بيقين. كانت التداعيات تمتد أبعد بكثير من منطقة واحدة. إن التخلي عن الشرق سيترك الأراضي المتبقية مكشوفة بلا دفاعات كافية. سيفتح الباب أمام مناورات الالتفاف وتجميع القوات في مكان آخر. يعني هذا إما أن الفيلق قد جهَّز خططاً بديلة واسعة النطاق مسبقاً وهو أمر مستبعد أو أنهم قرروا التخلي عن الحلقة الخارجية بأكملها. بعد يومين عبر زيك إلى التخوم الجنوبية لروكيا.

رسمت سلسلة جبال وعرة ونهر عريض الحدود بين الشرق والجنوب مع أن مثل هذه العقبات كانت بلا معنى بالنسبة للإسكندرية. وهناك عثر على إجابته. هُجر الجنوب أيضاً. من تلك اللحظة صار الاستنتاج حتمياً. انسحبت الإمبراطورية من المناطق الخارجية بالكامل. في ضربة واحدة ومبرمجة تنازلوا عن أكثر من نصف البلاد. بالنسبة لنصف الإلف تعني هذه حرية حقيقية. تستطيع العائلات مغادرة مخابئها وتسترد الحقول عافيتها وتتنفس المدن الصعداء من جديد.

أما بالنسبة لزيك فلم يكن هناك أي شعور بالرضا. عبر التخلي عن الأرض بدل الأرواح حافظ الفيلق على كامل قوته. العدد نفسه من الجنود صار يدافع عن مساحة تقل عن النصف. كانت حقيقة تدعو للتجهم. تعني أن المقاومة التي سيواجهها في أي معقل ستتضاعف إن لم تكن أكثر. مهما نمت قوته مؤخراً فلن يجرؤ زيك على مواجهة أربعة سحرة كبار دفعة واحدة. لم يتمكن من طرد ساحرين كبيرين في معركته الأخيرة إلا عبر كمين ذكي وبعد تصفية قائد أولاً.

لكن ماذا لو واجه قائدين أو أكثر في قرازه القادم؟ الفكرة وحدها أصابته بصداع حاد. كل الزخم الذي كسبه من ذلك الانتصار سيضيع إن أُجبر على التراجع مرة تلو الأخرى. لكن ما الذي يفترض به فعله حيال ذلك؟ لقد رحل الفيلق بالفعل. لقد بتروا ذيلهم بحسم لدرجة لم يعد هناك ثمن لجبايته. بدت مدن بأكملها ومنشآت دفاعية مهجورة. تُركت الحصون ومستودعات الإمداد خلفهم وكأن الفيلق لم يهتم لأمرها قط.

حتى معسكرات الاعتقال أُفرغت عن آخرها. اشتد فكا زيك. سكنت أصابعه على ساقه للمرة الأولى منذ وصوله. نُقل السجناء المحولون إلى مكان مجهول. وأُعدم العناد منهم داخل زنزاناتهم. للحظة خاطفة التوى شيء بارد وحاد في صدره. ليس حزناً. وليس غضباً. بل اليقين المرّ بأن هذا أيضاً قد حُسب بدقة. لقد توقعوا غاراته. قطعوا طريقه ليزداد قوة قبل أن يتسنى له ذلك. بعد تنفس بطيء هدأت تعابير وجهه من جديد.

واصل زيك النقر على ساقه بإيقاع منتظم وهو يتأمل مستوطنة مهجورة في علامة على التركيز العميق. في لحظات كهذه كان تحليل الوقائع كما يعرفها أفضل من الهوس بما يجهله. لسبب واحد يمكنه تخمين الدوافع وراء انسحاب الفيلق المفاجئ. غالباً ما أثارته تحركاته هو نفسه. عبر هزيمة أحد أقوى مواقعهم الخارجية أثبت لهم عجزهم عن الاحتفاظ بأرضهم. فبدل السماح له باستنزاف دمائهم قطعوا ذراعاً لينقذوا الجسد.

لكن الأمر لا يمكن أن يقتصر على ذلك. حسب ما يعرفه عن الفيلق فهم لا يتحركون لهدف واحد أبدا. خطوة بهذا الحجم لابد أن تخفي خلفها دافعاً أعمق وهدفاً لا يراه بعد. هل كان المراد منها استجابة محددة منه؟ أم أنها استهدفت إحدى القوى الأخرى؟ أم شيئاً آخر تماماً؟ بالمعلومات التي يمتلكها يستحيل الجزم وترك هذا زيك في حالة اضطراب عميق. لا شعور أسوأ من الرقص على لحن لا يمكنك سماعه.

قبل أن يستخلص أي نتائج أخرى شعر زيك باهتزاز خفيف يصدر عن صدره. حين نظر إلى الأسفل وجد المصدر دبوساً صغيراً مثبتاً هناك. كان مشبكاً ذهبياً على شكل ورقة نفل رباعية. هذا هو الدبوس الذي منحته إياه راعية الإلف ليميزه كأحد أبطالهم المختارين. لملحت الليدي غولدفليف إلى غرض أعمق وراء الهدية ونصرفته بحمله معه طوال الوقت. لكن حتى اللحظة لم يلحظ زيك أي شيء غير معتاد فيه سوى المعدن الغريب المصنوع منه.

تغير هذا في اللحظة التالية. خرج صوت خافت من الدبوس. لم يكن اتصالاً عقلياً بل صوتاً حقيقياً يحمله الزخرف الصغير نفسه.

"أتسمعني يا إزيكييل؟"

تعرّف زيك على الصوت فوراً.

"أأنت ليريل؟"

ساد صمت قصير قبل أن يتحدث الصوت مجدداً.

"نعم. أنا هي. أحدثك عبر إثبات ولائك."

أومأ زيك ببطء. كان قد تخمن ذلك بالفعل. السؤال الحقيقي هو لماذا لم يتواصلوا معه مبكراً أو بشكل متكرر إن كانت للدبوس هكذا وظيفة. أداة كمضي هذه ستكون لا تُقدر بثمن لتنسيق الخطوات مع الحلفاء. جاء الجواب بعد لحظة.

"هذا الاتصال لا يتيحه إلا فضل يغدرايسيل لذا لن أهدر الكلمة. لقد تغير الموقف."

"...أتعنين تحركات الفيلق الأخيرة؟"

تلا ذلك توقف قصير آخر. بدا أن الاتصال لم يكن فورياً.

"أتعلم ذلك مسبقاً؟ هذا يسهل الأمر. نعم هذا ما أعنيه. علمنا من تقارير متعددة أن الفيلق انسحب من المناطق الخارجية."

كان زيك قد أكد ذلك بنفسه. صار ينتظر الآن سماع السبب الحقيقي وراء الاتصال المفاجئ. إن كانت البطريركية تستخدم وسيلة كهذه للوصول إليه فلن يكون الأمر مجرد نقل معلومات كان بوسعه اكتشافها بنفسه. وكما توقع كشفت ليريل الغرض الحقيقي بعد لحظة.

"لقد خلصنا إلى استحالة استمرار أي من قواتنا الاثنتين عشرة المختارة في التصرف بشكل مستقل. لذا نخطط لدمجها ضمن جبهات أوسع لتناسب تركيز العدو الكثيف للقوة..."

عبس زيك فوراً. لم يكن اختيار كلمة واحدة ما أزعجه بل الفكرة برمّتها والمنطق الكامن خلفها. ما الذي جعل البطريركية تظن بحقها في إصدار أمر كهذا؟ أظنوه دمية تُحرك وقتما شاءوا؟ أتوقعون أن يسلم قواته ويخضع لقائد آخر بلا أسئلة؟ لقد فهم المغزى بوضوح كافٍ. الرفض سيصمه بكونه غير متعاون في أفضل الأحوال ومعادياً في أسوئها. أما الانصاع فيعني التخلي عن السقة في جنوده والثقة بأناس غرباء على أرواحهم.

لم يستسغ أي الخيارين. وإن كان هو الذي يمتلك أسباباً للقتال أكثر من غيره يشعر هكذا فما بالك بالقوى الأخرى؟ لقد سحبوا إلى هذه الحرب بوعود الثروة لا الواجب أو الشرف. كيف يُنتظر منهم قبول ترتيبات متعجرفة كهذه؟ واصلت ليريل حديثها ظانة أن صمته موافقة.

"لقد رتبنا لقاءً لجميع زعماء الفصائل. سيُعقد في الشمال الشرقي داخل المدينة الحدودية السابقة الأقرب للغابة الكبرى: إلفنغراد."

استمع زيك بصمت.

"سيُعقد الاجتماع بعد ستة أيام من الآن. سيكفي هذا الوقت ليرسل كل فصيل ممثلاً عنه. تتوقع الليدي وصولك في الموعد أو إرسال ممثل على الأقل."

عاود زيك النقر على ساقه بينما عمل عقله بصمت.

"...أسمعتني؟"

سأل الدبوس حين لم يجب. حينها فقط تكلم زيك.

"سمعتك. لا تقلق سأكون هناك."

صمت الدبوس لبرهة قبل أن يصدح صوت ليريل للمرة الأخيرة.

"جيد جداً. أتمنى لك التوفيق في الدرب القادم."

لم يتحرك زيك حتى بعد أن صمت الدبوس. بقي مسماراً في مكانه لفترة طويلة وعقله ينقب في تداعيات ما سمع للتو. فجأة انجلى الغموض عن أجندة الإمبراطورية الخفية. عبر توحيد قواتهم كانوا يجبرون القوى المتحالفة على فعل الشيء نفسه. لكن أيمكنهم ذلك؟ بغض النظر عن تعجرف البطريركية وحتى لو تُرِكوا وشأنهم يشك زيك في سهولة مواجهة الفيلق الموحد الآن من قبل قوى متفرقة سابقاً. لم يكونوا جيشاً.

الربح هو الشيء الوحيد الذي جمع شملهم أساساً. خليط قوات كهذا كيف يثق أحدهم بظهر الآخر؟ كانت حركة عبقرية فعلاً. بالمقارنة عمل الفيلق كآلة مزيتة جيداً. ضعف الجنود يحقق ثلاثة أضعاف النتيجة. لكن ماذا عنهم؟ حتى مع العمل المشترك ستكون معجزة إن لم يعيقوا بعضهم بعضاً. لا تنسيق لديهم. ولا ثقة. ولا وحدة. ومع ذلك لا خيار. كان زيك أول المعترفين. أمام معقل للفيلق أقوى بمرتين أو ثلاث من أي شيء واجهه لم تكن لديه فرصة نصر مع قواته الحالية.

لم يترك ذلك سوى درب واحد مفتوح. إنه بحاجة لحلفاء. ثقل الإدراك كاهله بقوة. ظن أن جهل خطط الفيلق الحقيقية هو أسوأ شعور ممكن. والآن بعد أن خمن نواياهم لم يشعر بتحسن. الفخاخ الأكثر خبثاً هي التي يستحيل تفاديها حتى عند معرفتها مسبقاً. أمله الوحيد أن تملك البطريركية خطة ما لاجتماع الأيام الستة. وإلا فإنه يرى مستقبلاً حالماً لمرحلة الحرب التالية. بعد أن حسم أمره أمر زيك الإسكندرية بتغيير وجهتها.

اختار سرعة تتيح له بلوغ نقطة اللقاء قبل يومين من موعدها. كانت السرعة بطيئة بما يكفي لحفظ المانا لكنها كافية لاستطلاع الموقع مبكراً. ولن يذهب وحده. سيصحب قواته بأكملها معه. للحيطة فقط.