أبواب قاعة الدراسة مشرعة، ولاحظ زيك أن حفنة من الطلاب قد سبقوه إلى هناك. رفع الصبية الثلاثة أبصارهم عند دخوله لكنهم عادوا إلى حديثهم فوراً. لم يكترث زيك، وقرر أن يجد مقعداً هو الآخر. جلس على بعد صفوف قليلة خلفهم، بعيداً بما يكفي لئلا يبدو فضولياً، وقريباً بما يكفي ليسمع ما تتحدثون عنه.
"—ما الذي حدث إذن يا جيفري؟"
"وما عساه يحدث؟"
أجاب الصبي المسمى جيفري بزهو.
"طلبت منها مرافقتي في الحال."
"لا تصدق."
رد الثالث.
"حتى مع كونها من عائلة كويلينتال؟"
سخر جيفري.
"كان هذا نصف السبب الذي دفعني للتقرب منها فحسب. تحاول عائلتي نسج صلة مع إحدى عائلات المياه الكبرى منذ فترة طويلة. إن نجح الأمر، فقد يسميني البطريرك وريثاً أساسياً."
"وماذا قالت؟"
سأل الصبي الأول. عند هذا، خبا ابتسام جيفري المتعجرف قليلاً.
"قالت إنه عليها التفكير في الأمر."
انكمش صديقاه تعاطفاً، وقبل أن يتسنى لهما التعبير عن مواساتهما، دخل شخصان. بخلاف زيك، بدا أن هذه المجموعة تستدعي تفاعلاً أكبر. تألف القادمون الجدد من فتاة وصبي متبجح يتبعهم من الخلف. لاحظ الاثنان مجموعة جيفري وتوقفا.
"يا له من أمر عجيب،"
قالت الفتاة المتقدمة، وابتسامة تتسع ببطء على وجهها.
"أأنت هناك يا جيفري؟ من كان يتخيل أن محاولة عائلة توتينغرايبر للتسلل إلى إيلميتيوم ستتكرر؟ ألم تفشل بما يكفي؟"
"أغلقي فمك اللعين أيها العاهرة!"
زمجر جيفري.
"كأن عائلتك كانت ستؤدي بشكل أفضل لولا تعلق أختك الكبرى بساق عائلة ويندسبيل. ألا تشعرين بالخجل؟"
"خجل؟ لا. لكن ما نملكه هو ساحر إضافي في عائلتنا وتحالف زواج. وماذا عنك؟"
طحن جيفري على أسنانه وحدق، وبات واضحاً لزيك أن الجزء المتحضر من جدالهم قد انتهى. كان سيحصل على التعبير ذاته على وجه مارتن كلما خسر نقاشاً لفظياً. وكما متوقع، انحدر النقاش إلى معركة طاحنة من الإهانة والسخرية مباشرة بعد ذلك. لمرة، سر زيك لأنه لم يكن جزءاً من أي من المجموعات. مع ذلك، ومع وصول المزيد من الطلاب، بدأ نمط مزعج في الظهور. من بين العشرين طالباً تقريباً في صفه، بدا كل فرد منهم كأنه جزء من مجموعة بالفعل.
والأَسوَأ، من مواضيعهم وألفتهم مع بعضهم البعض، بدا أنهم جميعاً يعرفون بعضهم منذ فترة طويلة. أيعقل أنه لم يكن هناك طالب واحد من عامة الشعب في هذا الصف؟ لكن كيف يعقل ذلك؟ على الرغم من انحراف الاحتمالات، تذكر زيك قبول عدد من العامة. ومن ذاكرته، استطاع تسمية بضع، مع ليلي وبيتر على رأس تلك القائمة. حسناً، امتلك كلاهما تقارب العناصر... ومع شعور متزايد بالاضطراب، تلفت زيك حوله.
توقف تدفق الطلاب الجدد منذ فترة، ووجد الجميع مقاعدهم. وما زال جالساً في منتصف الغرفة، محاطاً بعدة مجموعات تتجادل وتتذاكى. كشر. سيجعل هذا تكوين أي أصدقاء أمراً بالغ الصعوبة. بعد ذلك بقليل، أعلن رنين جرس عن بدء الحصص. وفي التوقيت ذاته تقريباً، دخلت شخصية أخيرة. كانت امرأة طويلة، تبدو في أوائل العشرينيات من عمرها، ذات شعر كستنائي وجه صارم. وعلى عكس العباءات السوداء لطلاب السنة الأولى، كانت ملابساتها صفراء باهتة، تماشياً مع جميع معلمي السنة الأولى الآخرين.
وفور وصولها، سكت الصف بأكمله على الفور.
"جيد،"
قالت المرأة.
"على الأقل تعرفون كيف تتصرفون."
تقدمت خلف المنصة وأخذت لحظة لتتفرس في كل واحد من طلابها في صمت. وعندما استقرت نظراتها على زيك، قطبت حاجبيها قليلاً، لكن نظرتها لم تطل.
"حسناً، أنتم حفنة مثيرة للاهتمام بلا شك،"
قالت في النهاية، وابتسامة طفيفة تلامس شفتيها.
"لكن أتوقع أنكم مضطرون لتكونوا كذلك، إذ تحضرون إيلميتيوم بلا تقارب عنصري."
صدرت بعض الضحكات المهذبة، لكن المرأة لم تبد مهتمة وهي تتابع فوراً.
"اسمي غيرترود بيرغفاخْت، وسأكون معلمتكم لهذا الأسبوع الأول."
رفع شخص يده وأومأت غيرترود للفتاة، سامحة لها بالحديث.
"أليس لدينا معلمون متعددون؟"
"عموماً، نعم، ولكن ليس خلال أسبوعكم الأول،"
أوضحت المرأة الطويلة.
"لا فائدة من تدريس أي مادة أخرى حتى تتعرفوا على الأساسيات. وقبل أن تعلموا كيف تستخدمون نوااتكم، لا يمكن اعتباركم متدربين حقيقيين حتى. وهذا بالتحديد ما سأعلمكم إياه. أي أسئلة أخرى قبل أن نبدأ؟"
لم يكن هناك شيء، ولم طق زيك صبراً للبدء. ملاحظاً أن الطلاب الآخرين لم يبدوا بحماس يضاهي حماسه بتاتاً. بدا منطقياً، فربما عرفوا الأساسيات مسبقاً، نظرياً على الأقل. ومع ذلك، لم تنجح ردود فعلهم الفاترة في خفض ابتهاجه حتى بأقل قدر.
"حسناً جداً،"
قالت غيرترود بعد الانتظار للحظة، "فمن يمكنه إخباري بما تكون النواة السحرية؟"
انطلقت عدة أيدي، وأشارت غيرترود إلى صبي في الصف الأول.
"النواة هي ما يستخدمه السحرة لإلقاء التعاويذ، سيدتي،"
قال.
"هذا ليس خطئاً، لكنه ليس صحيحاً تماماً أيضا،"
قالت.
"من يملك تعريفاً أفضل؟"
انخفضت العديد من الأيدي، لكن قَدراً لا بأس به بقي مرفوعاً. أشارت إلى الفتاة القريبة من زيك.
"النواة السحرية هي ما يستخدمه السحرة للسيطرة على المانا ومواءمتها."
"أفضل،"
قالت غيرترود وهي تومئ.
"مسألة طبيعة نواتنا السحرية هي موضوع يناقشه العلماء حتى يومنا هذا. ومع ذلك، هناك بضع أمور ندركها يقيناً: أولاً، النواة السحرية هي السبيلة الوحيدة للتفاعل مع المانا أو حتى إدراكها. ثانياً، لا تستطيع النواة مواءمة المانا إلا مع تقاربها المعني. وثالثاً، كلما ارتفعت رتبة النواة، تحسن معدل التحويل. أي أسئلة؟"
رفع زيك يده وأومأت له غيرترود على الفور.
"ماذا تقصدين بمواءمة المانا؟"
سأل. على الفور، أنَّ نصف الغرفة، لكن غيرترود أسكَتتهم بسرعة بضرب يدها على المنصة. وبعد إرسال نظرة تحذيرية للطلاب المحيطين، أعادت انتباهها إلى زيك.
"أأنت من عامة الشعب؟"
"نعم،"
رد زيك. لم تكن هناك فائدة من إخفاء أصله. سيتمكن الآخرون من معرفة ذلك بسبب نقص معرفته على أي حال. تنهدت غيرترود.
"مواءمة المانا هي ما نطلقه على عملية تحويل المانا الحيادية أو المحيطية إلى نوع معين: مانا الأرض، مثلاً،"
قالت وهي ترفع يدها. شعر زيك بتغير غريب في الهواء وتلفت باحثاً عن المصدر. في اللحظة التالية، تشكل حجر بحجم قبضة اليد في يد المعلمة.
"هه،"
قالت وهي ترمقه مباشرة.
"أشعرت بهذا أيها الفتى؟"
"لست متأكداً،"
قال زيك.
"شعرت بشيء ما."
تفحصته غيرترود للحظة أطول.
"إن كان [حس المانا] لديك متطوراً إلى هذا الحد في يومك الأول، فلا بد أن نواتك ذات رتبة عالية حقاً."
"أمتلك تقارباً مثالياً،"
صرح زيك بفخر. وللمرة الأولى، استدار كل رأس صوبه. لم يكن معظم هؤلاء الأطفال في التقييم وقد أتوا من مناطق مختلفة، لذا لم تكن لديهم طريقة لمعرفة نتائجه.
"مذهل،"
قالت غيرترود.
"بأي سحر؟"
"الدم..."
قال بثقة أقل بكثير، "...إلى جانب العقل والفضاء،"
أضاف بإحراج أشد. ساد صمت طويل غير مريح قبل أن تتحدث غيرترود مرة أخرى.
"هذا مؤسف. على أي حال، أهذا يجيب عن سؤالك؟"
"نعم، لكن لدي سؤالاً آخر."
تنهدت غيرترود مجدداً.
"تفضل."
"لماذا تسمينها نواة مشوشة؟ أليست المزيد من التقارب أمراً جيداً؟"
"هناك مزايا وعيوب لوجود تقارب أكثر، لكن السلبيات تفوق الإيجابيات في معظم الحالات. لكن لا فائدة من إخبارك الآن، إذ ستكتشف ذلك قريباً بما يكفي. أية أسئلة أخرى؟"
هذه المرة، لم يمتلك أحد شيئاً إضافياً ليقوله. حتى زيك ظل صامتاً. لا زالت لديه أسئلة، بالطبع، لكن لم تكن هناك فائدة من طرحها قبل أن يبدؤوا تدريبهم حتى. الكثير من أسئلته ستحل نفسها بمجرد أن يبدؤوا.
"إذن لنبدأ،"
قالت المرأة.
"أول أمر تحتاجون جميعاً للقدرة عليه هو استشعار نواتكم. لا بد أن البعض بينكم قد نجح في ذلك بلا شك، ولكن بالنسبة لأولئك الذين لم يفعلوا، فسأرشدكم خلال الخطوات خطوة بخطوة. والآن، أغلقوا أعينكم، وخذوا نفساً عميقاً."
اتباع زيك تعليماتها بطاعة. أغمض عينيه واستنشق بعمق لدرجة بدأت رئتاه تتصارعان معها.
"جيد. والآن أخرجوا الزفير ببطء،"
سمع صوت المعلمة.
"حافظوا على إغلاق أعينكم وأنفاسكم عميقة وبطيئة."
استطاع زيك سماع خطواتها وهي تنتقل من طالب لآخر، مقولة بضع كلمات قبل المتابعة. وعندما جاء دوره، وضعت غيرترود يدها برفق على بطنه، مريحة إياه على البقعة الصحيحة.
"هنا تقطن نواتك،"
قالت، بينما استقرت أصابعها فوق سرته تماماً.
"يدعى الضفيرة الشمسية، مكاناً ذا أهمية بالغة."
وبينما تحدثت، استطاع زيك الشعور بدفء لمستها وإرشادها اللطيف. ولأسباب واضحة، قضت وقتاً معه أكثر من أي شخص آخر.
"إنه مركز قوتك الشخصية. استشعرها هنا، فوق سرتك مباشرة وتحت عظم القص. تخيلها مجموعة ثانية من الرئتين تتنفس بالتزامن مع العضو الفعلي."
اتبع زيك توجيهاتها، مصوراً نواته بالطريقة التي تخيل بها شكل رئتيه. لم يحدث شيء لبعض الوقت، ولكن بعد نفس عميق بشكل خاص، شعر بالمانا من حوله تضطرب بشكل طفيف للغاية. مبتهجاً بالتغير، حاول زيك محاكاة أفعاله بالضبط. تحركت المانا مرة أخرى. قريباً، شعر بالمانا تجزر وتمدد كالأمواج المندفعة نحو الشاطئ. وتزامناً مع كل نفس، تدفقت داخل جسده، ومع كل زفير تراجعت مجددا. كان زيك منغمس لدرجة أنه لم يلاحظ حتى اللحظة التي غادرت فيها غيرترود.
وبحلول الآن، لا بد أنها أنهت جولتها بالفعل، إذ تعذر عليه سماع خطواتها مجددا.
"أحسنتم جميعاً،"
سمع من الأمام.
"ما تفعلونه الآن هو ما ندعوه بالامتصاص السلبي. بعد قليل من التمرين، ستستمر نواتكم في سحب المانا مع كل نفس تلقائياً. هذه خطوة مهمة."
"أريد منكم الحفاظ على إغلاق أعينكم ومواصلة ما تفعلونه الآن. ارفعوا أيديكم فور قدراتكم على سحب المانا بعمق كاف داخل أجسادكم لبلوغ النواة. سأرشدكم أكثر في تلك النقطة."
فصل زيك محيطه، مركزاً حصرياً على تنفسه. والآن وقد عرف ما يفترض به استهدافه، بات سحب المانا أعمق داخل جسده أسهل فأسهل. وللحظة التي بلغ فيها أول خيط نواته، شعر بالتغير. ومثل تربة جافة تسقى للمرة الأولى، احتستها نواته بشراهة. على الفور، ارتفعت يده، مسلماً بنجاحه. وبعد لحظات، شعر بلمسة دافئة على وسطه مجددا. وبعد لحظة صمت، تحدثت غيرترود مجدداً.
"أحسنت. والآن، حاول إبقاء المانا محتواة داخل نواتك، بدلاً من إطلاقها فوراً."
أومأ زيك، مباشراً هذه المهمة التالية. هذه المرة، استغرق وقتاً أطول بكثير حتى نجح، لكنه رفع يده مجدداً في النهاية.
"افتحوا أعينكم،"
أمرت غيرترود. بتردد، فعل زيك ما أمر به. في البداية، تعذر عليه رؤية أي شيء، إذ أعمى الضوء الخافت لقاعة الدراسة حواسه غير المعتادة. لكن بعد لحظات من الرمش بغضب، اعتاد الأمر. وجد إزيكييل نفسه وحيداً في قاعة دراسة فارغة.
"أين البقية؟"
سخرت المرأة.
"ذهبوا منذ زمن."
"آسف لإبقائك هنا،"
قال زيك باعتذار. مع ذلك، قدر بقاءها أطول لمجرد مراقبته. ومع ذلك، هزت غيرترود رأسها فوراً.
"الأمر ليس كذلك،"
قالت.
"الوقت المخصص لهذا الصف انقضى لتوّه."
"إذن لم غادروا باكراً؟"
سأل بعبوس. فكرة تفريط البقية في أول يوم لهم لم تلق استحساناً لديه. ألم يُفترض بهذه أن تكون نوعاً من المدارس النخبوية؟ ابتسمت غيرترود، محزرة أفكاره.
"أتظن أنهم لم يبقوا لو كان الخيار بيدهم؟ فعلوا ما بوسعهم، لكن كان علي إرسالهم للمنزل قبل أن يؤذوا أنفسهم. ليس الجميع يمتلك تقارباً مثالياً يا فتى. تذكر ذلك."
تلونت وجنتا إزيكييل قليلاً. لقد نسى أمر ذلك تماماً. بالنسبة له، لم تكن مهمتهم شاقة البتة، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للآخرين على الأرجح.
"امضِ في طريقك،"
أمرت غيرترود، مقاطعة أفكاره.
"في التوقيت ذاته هنا غداً."
"امم،"
تمتم إزيكييل.
"أتستطيعين إخباري بالخطوة التالية قبل أن أرحل؟ أود حقاً التدرب أكثر."
تفحصته المرأة بنقد، لكنها وافقت رغم ذلك بعد لحظة تفكير.
"حسناً، حسناً، على الأرجح ستحتاج لكل ميزة يمكنك نيلها. الخطوة التالية هي مواءمة المانا مع تقاربك فعلياً، أو في حالتك، أحد تقاربك. للأسف، هذه ليست عملية يمكن تعليمها بسهولة، إذ يبدو الإحساس مختلفاً لكل شخص."
"لكنني سأخبرك كيف وصفها معلمي لي، قديماً. مواءمة المانا تشبه نقع المانا في جوهرك. وأثناء إمساكك بها في نواتك، ستحتاج لوسمها بلمستك الشخصية."
نظر إزيكييل إليها بريبة. كان هذا شرحاً مروعاً. كيف يُفترض به تحويل هذا إلى خطوات قابلة للتنفيذ؟
"أعرف كيف يبدو الأمر،"
قالت غيرترود.
"لكنه قدر من التجربة والخطأ للجميع. يبدو الأمر كتعلم استخدام عضلة جديدة. واللحظة التي تنجح فيها لمرة، يصبح سهلاً."
لم يكن إزيكييل متأكداً حيال ذلك بعد، لكنه شكر المرأة مع ذلك. كانت خطواته خفيفة بينما يشق طريقه للمنزل. لقد كان يوماً عظماً.