انتابت ريا إحساساً غريباً. لو أنها لم تكن تعلم حقاً لظنّت أنها توترت. أكان ذلك ممكناً؟ هي؟ توترت؟ في مواجهة حثالة من البشر الضعفاء؟ مع أنها لا تزال في ريعان شبابها إلا أنها تايتان. كيف لتايتان أن تخشى أمثالهم بأجسامهم الواهية وقلوبهم الزائفة؟ ورغم ذلك وخزتها آلام وهمية في مواضع عديدة من جسدها تذكرة قاسية بجراح كثر تكبدتها خلال لقاءاتها السابقة بهم. خطت خطوة ثابتة إلى الأمام واهتزت الأرض تحت قدميها.
سار بجانبها اثنان وعشرون ترينتاً تطلب الواحد منها خطوتين أو ثلاثاً لمجاراة كل خطوة من خطواتها. هؤلاء هن الباقيات الأخيرات ثمرة لعمل كاسيوس الدؤوب طوال الأيام القليلة الماضية. لن تكون أخرُ غيرهن. وعد التنين الشاب. سيحصل كاسيوس على راحة بعد هذه الدفعة. وستنال هي قسطاً من الراحة أيضاً. لا مزيد من الاندفاع نحو صفوف العدو ولا معارك تعلم أنها عاجزة عن الانتصار فيها لمجرد تأخيرهم يوماً واحداً.
بوسعها الوثوق بكلامه. شعرت ريا بالدماء تسري في عروقه. دماء تنين. يستحيل أن تكون كذباً. الأجناس القديمة لا تكذب. كانت تلك هي المعين الوحيد لشجاعتها وهي تشهد الأشجار تصبح فجأة أقل كثافة ومعسكر العدو يلوح في الأفق. طُلب منها الوثوق به. طُلب منها بذل قصارى جهدها. طُلب منها أن تتيقن من وجوده هنا. لم تر ريا أثرًا له. ورغم ذلك لم تبطئ خطاها. كان تنيناً حقاً. لن تكون كلماته باطلة.
تحولت عيناها نحو المعسكر البعيد. العدو ينتظرها. كانوا يعلمون دائماً بطريقة ما وكأن يداً خفية تهديهم. كانت هذه هي المرة الأولى التي تتقدم فيها هذا الحد لكنهم مع ذلك علموا. بطريقة ما. لا مبالاة بالأمر. لم تشغل ريا بملكا به. لا حاجة لاستراتيجية ولا حاجة لتفكير. كل ما احتاجت إليه هو الاندفاع وسيتكفل التنين بالباقي. لقد وعد. بدأت اليد الممسكة بهراوتها ترتجف. أمر غريب. لم تكن ثقيلة إلى هذا الحد.
حاولت إحكام قبضتها لكن الارتجاف ازداد سوءاً. ألن يكون هذا مصرعها يا ترى؟ لا. يستحيل ذلك. التنين لا يمكن أن يكذب. محاولة منها لتنفيس هذا الشعور الخانق في صدرها أطلقت ريا زئيراً من أعماق رئتيها. انحنت الأشجار من شدة العصف ورأت حتى تشكيلة العدو البعيدة تتراجع نصف خطوة. لقد أصابهم الخوف بحق. بناء على إشارتها انطلقت الترينتات هجوماً. سيكون الأمر مختلفاً عن ذي قبل. لا مجال لتراجع البشر لذا سيتعين عليهم بذل قصارى جهدهم لوقف هجوم الترينتات أو التخلي عن معسكرهم.
مع أن هذه الترينتات لم تكن شديدة الذكاء أو السرعة إلا أنها ظلت مفيدة نسبياً في مواقف كهذه. تبعتها بخطى هادئة ومسترخية. من المفارقات أن المعركة كلما اقتربت كلما هدأت أعصابها أكثر. بدأت أفكارها المتشعبة تتبدل لتفسح المجال لتركيز صارم وموحد. كانت هذه معركة. حياة أو موت يُحسمان في ومضة. أدرك جسدها ذلك بالغريزة وطرد كل المشتتات. سمعت ريا الأصوات الآن الصراخ والجلبة والأوامر المدوية.
كان البشر يستعدون لمواجهة هجومها. رأت وجوههم. لم تبدُ خائفة. بل أكثر من ذلك بدت واثقة. لابد أنهم ظنّوا أنها فقدت صوابها أخيراً لتتحدّاهم مباشرة. وربما فعلت. التقطت ريا صخرة مستقرة خلف شجرة كبيرة. استقرت تماماً داخل كفها. جيدة الشكل. استهدفت فجوة بين صفوف الترينتات ورمتها. انطلقت الصخرة شاقّة الهواء لتبلغ هدفها. رأت تراباً يتطاير تلاه أنين وعويل. كانت الصخرة بل الصخرة العظيمة ملطخة بالدماء وهي تتدفق إلى الرؤية مجدداً بعد أن مزقت تشكيلة البشر.
كم سحقت منهم؟ عشرة على الأقل. لامست ابتسامة شفتيها حين رأت التغير في تعابير وجوههم. أفضل بكثير. لقد أزعجتها ثقتهم. لا ينبغي للبشر أن يبدوا واثقين هكذا أبداً عند مواجهتها. حتى لو كان هذا مصرعها فسيكون مصرعهم أيضاً. التقطت ريا ومضة حركة بطرف عينيها. كانت أسرع من أن تُقتفى. لكنها عرفت ما هي سلفاً. أدركت منذ البداية أن مشاغستها الصغيرة ستكلفها ثمناً. لم تستطع قيادة البشر السماح لها بالعبث فأرسلوا ضرباتهم الثقيلة لردعها.
لدغة حادّة أصابت فخذها الأيسر. جرح خاطف على كاحليها. كانت تعرف هذا الألم حق الأمان. إنه الهواء وقد تحول إلى نفر. تلك الذبابة المزعجة تستهدف ساقيها مجدداً. متجاهلة تماماً البشري الضئيل المتطاير حولها التقطت ريا صخرة أخرى وقذفتها باتجاه صفوف البشر. كانوا قد اشتبكوا مع الترينتات بالفعل والتحموا في قتال. هجومها الثاني أصاب تماماً مثل الأول لكن قبل أن تتمكن الصخرة العظيمة من سحق أكثر من بضعهم غاصت فجأة في الأرض وكأنها ماء.
شعرت ريا بالأرض تتحرك من تحتها. ذاك اللعين هنا أيضاً. دست بقدمها متمنية سحقه حتى يصير عجيناً. لا حظّ سعيد. ارتفعت الأرض مجدداً محاصرة إياها. دأب هذان الاثنان على هذا الفعل دائماً. واحد يحاول إيذاء ساقيها والآخر يحاول تقييد حركتها. بدا أنهما لا يرغبان في شيء سوى إبقائها هنا. وللمرة الأولى لم تمانع. لم تكن تنوي الفرار في المقام الأول. كان قلبها يخفق بقوة. ودماؤها تغلي. ستكون هذه معركة حتى الموت.
إما موتهم أو موتها. لوّحت ريا بهراوتها. سَخّرت جسدها بالكامل لهذه الضربة حتى بلغت عضلات ظهرها أقصى حدود تحملها. ذهبت الضربة بعيداً لتخطئ الذبابة الصغيرة بفارق ضئيل لكنها دفعت ريا للدوران في الهواء. أمر محبط. تعذر عليها إصابة أي من خصميها مباشرة. أحدهما كان أسرع من اللازم والآخر اختبأ بعمق. لم تعرف الحل. لكنها لم تضيع وقتها في التفكير في الأمر أيضاً. إن عجزت عن حل مشكلة بقبضتك فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن قبضتك لم تكن بالحجم الكافي.
قفزت ريا عاضّة على ساقيها. ثم قبل أن تهبط سددت ركلة بكلتا قدميها دفعة واحدة. أصابت قدماها الأرض بزخم جبل منهار. انكبّت الأشجار القريبة واُستحيلت جذورها إلى غبار. أدت موجة الصدمة الناجمة عن ذلك إلى تعثر الترينتات نفسها. هدأت الأرض. أأحسنت سحق تلك الحشرة الجبانة أخيراً؟ ظلت الأرض ساكنة. ابتسمت ريا. ثم انفجرت الأرض بضراوة تضاعفت مرتين. وبدل الأيدي لتقييدها تشكلت أوتاد حادة.
بدا الأمر كمن يطأ قنفذاً. سحقت ريا الجميع. وشعرت بها تقطع باطن قدميها وتسيل الدماء. ومع ذلك لم تفارق الابتسامة وجهها. لقد أصيب بالأذى حقاً. قبل أن تتمكن من الاحتفال ضربها قطع جديد. هذه المرة لم تستطع إلا أن تكشر. كان الهجوم مستهدفاً رقبتها. قطع التالي وجهها عرضاً. بدا هذا جديداً تماماً. تبين أن العدو أدرك بوضوح أنها لن تفرّ اليوم. فتحولوا من الهجمات المعيقة إلى ضربات مميتة.
من الأوتاد إلى الشفرات استهدفت كل ضربة الآن منطقة حيوية. أسقطت ريا هراوتها. كانت أبطأ من أن تفيد وأكثر ثقلاً من أن تُحتمل. فلن تلحق بذلك البشري المزعج بها قط. نشرت ذراعيها على مصراعيهما قبل أن تضمهما معاً بكل ما أوتيت من قوة. كان صوت تصادم كفيها ككبش طارق يضرب بوابة حديدية. وحدها موجة الصدمة امتلكت قوة كافية لسحق جندي متوسط. لكنها أخطأت هدفها. هربت تلك الذبابة المزعجة مرة أخرى.
وكان الثمن قطعاً آخر في رقبتها وآخراً في معصمها. أوتاد وعروق. مواضع اختيرت بعناية. بدأت ريا تشعر بوهن قوتها. فتجاهلته. مسددة بدقة أكبر جمعت يديها معاً مرة أخرى. نجا الساحر البشري بفارق أصغر هذه المرة. رأت ريا ذلك بعينيها. وصلت موجة الصدمة إليها. تمزقت رداءات البشر وباتت خيوطاً متدلية. لكن هذا كل شيء. خرجت سليمة. كان ثمن تلك المحاولة قطعاً في كل من عقبيها. باتت عاجزة تقريباً عن الوقوف.
أدت الأوتاد المغروسة في باطن قدميها مهمتها بالفعل. وصارت الأرض زلقة بالدماء الذهبية. أصبحت قدماها غير مستقرتين. حاولت ريا التقاط أنفاسها. كانت قُواها تستنزف. قطع. قطع. قطع. عقب. معصم. رقبة. تحول نظرها إلى القتال البعيد. لم يتبقَ ترينت واحد واقفاً. انتصرت قوات البشر. لم يبلغ المعسكر أحد قط. كانت وحدها. راح جنود البشر يتفرقون لقطع طريق عودتها. غمرها شعور باليأس عند رؤية المنظر.
حتى لو أمكنها الركض لم تعد تجد مكاناً تذهب إليه. طريق مسدود. انتهى الأمر. سيكون هذا ه— زأر زئير صاعق شق عباب الهواء. كان مدوياً إلى حد تبخرت معه كل الأصوات الأخرى. عميقاً ورنّاناً. وحتى بعد خفوطه ظل عويل منخفض حزين يتردد صداه مثل أغنية حوت. اتسعت عينا ريا على مصراعيهما. مر أكثر من قرن على آخر سماعها لذلك الصوت. وبدون استئذان طفت ذكريات من أعمق زوايا عقلها. ذكريات لن تنساه ما حييت.
كيف لها أن تنسى زئير التنين؟ بين الأجناس القديمة كان للتايتان أقوى الأجسام. وللفينيق أقوى العقول. وللتنانين أقوى الكبرياء. وعكس زئيرهم تلك الطبيعة تماماً. صوت لا يخشى شيئاً. جميل ورغم ذلك يلاحقه السحر. متسلط ومع ذلك مُرحّب به للغاية. فتشت عيناها السماء متيقنة من أنها ستعثر على صور ظلية لأجنحة ضد الشمس. لكن ما رأته لم يكن ذلك. في الأفق وفوق معسكر العدو مباشرة حام هيكل ثابت بجرأة في الهواء.
لا رفرفة أجنحة ولا أشرعة ولا شيء على الإطلاق. لقد وجد وحسب ثابتاً كثبات الأرض ذاتها. لم تر ريا اقترابه. وكأنما انبثق إلى الوجود دفعة واحدة. ومع أنه لم يكن تنيناً إلا أن القلعة الطائرة لم تكن أقل هيبة. بدت تهديدية في طريقة تحديها لقوانين الجذب ذاتها. توقف البشر. توقفت القوات التي اندفعت لقطع طريق هروبها وكأنها غير متأكدة أترتجي الاستمرار أم لا. ولم يستمر حتى الساحران العظيمان في هجماتهما.
للحظة خانقة توقفت المعركة تماماً. ابتسمت ريا واسترخى جسدها رغم حالتها المُحطّمة. كان شعوراً غريباً. لم يتغير وضعها. لم تلتئم جراحها ولا تزال محاطة بالأعداء. ورغم ذلك لم تشعر بذرة واحدة من التوتر. في عقلها زال كل خطر. لقد أتى التنين تماماً كما وعد. وعدها بأنه إن قادت الهجوم فسيتكفل بالباقي. وقد قادت الهجوم. والآن... سيتكفل هو بالباقي.