قال زيك وخفّض صوته: "أما عن هذا... أتدرين ما مصيره؟"
لان عبوس أيريسين أولاً بالدهشة، ثم تلوّاه القلق. طال أسرها قبله حتماً، ولم تبلغ قط خبر زوجها.
قالت: "أتصدقني؟"
هزّ زيك رأسه بثبات.
"على علمي، أُقسم بذلك."
لم يكن الأمر هَيّناً عليها، ولن يزيد طينها بِلّة بالألاعيب.
تابع: "أُسر كايلرين. لا أدري التاريخ الدقيق، لكنه قبل أسبوع تقريباً."
هزت المرأة رأسها باستواء في ملامحها. بدت كأنها انتظرت ذلك طويلاً. مضت سنون في منظورها. سنون قضتها وحدها مع هواجسها، تقلّب كل مخرج ممكن. هيّأت نفسها لأجوبة كهذه بلا شك.
أوضح: "سيق إلى معسكر اعتقال ووُضع في زنزانة عزل."
إن تحرينا الإنصاف، لم يلمّ زيك بقصة كايلرين كاملة، غير أن طبيعة ذلك السجن يسّرت عليه تخيل ججلها. وعرف زيك بطبيعة كايلرين كيف مضى سجنه.
أعادت أيريسين: "عزل..."
وسرت فيها رجفة خفيفة. ويُحسب لها أنها ثبتت نبرتها، ولم يطش بصرها. مع ذلك، وضحت آثار سجن الزمان على محياها.
سأل زيك برغبة في المعرفة إن عُرضت عليها الشروط ذاتها: "أتدرين شروط إطلاق سراحه؟"
سخرت أيريسين: "قطع أذنيه، لا شك. تشويه صميم ذاته نظير فرصة للنجاة."
أبانت قرفتها عن تلك السومة رأيها الصريح فيها. أومأ زيك بصمت.
سألت أيريسين بنبرة عجلى: "إلى أي سجن سيق؟ أريد انتشاله من تلك الظلمة عاجلاً."
"لا داعي للعجلة. ما عاد محبوساً."
"أنقذته أنت؟ لك من الشك—"
قاطعها زيك ليطفئ الدفء الذي سرى في صوتها: "ما أنقذته أنا، ولا أنقذه سواه..."
انتظر زيك، ولاقى نظرتها بلا تفصيل زائد. حيرة. صدمة. شكّ. ذهول. غضب. تقلّبت ملامحها في لحظات بين مشاعر فاقت ما رآه طوال محادثتهما. استقرت وجهتها أخيراً على قناع الحياد ذاته، وإن أظلمت عيناهما أكثر.
قالت بصوت صلب: "أنت تكذب. ما كان ليفعل."
لم يحول زيك بصره، وثبت في عينيها من غير وجل. طال صمتهما حتى لمح وهناً طفيفاً في ثقتها، وإن بعُدت عن تصديقه كل البعد. تمدّد التوتر، والغرفة مطبق عليها الصمت.
قال: "لم ينتهِ الأمر بعد. أتودّع سماع البقية؟"
ترددت أيريسين، ثم أومأت ببطء. لم تثق في كلام زيك بتاتاً، لكن بقية من الريب أبقتها مستمعة.
تابع زيك: "بعد أن دبّر خلاص نفسه، عاش عبداً. يخدم داخل هرم السجن الزائف كأدنى رعاياه."
كزّت أيريسين على أسنانها.
"لم يكن الحاكمون فوقه سجّانيه من البشر، بل إخوته وأخواته، ممن سيقوا للتصارع في لعبة نفوذ عابثة. لعبة مريضة، رُسمت بهوى عقل فاسد."
تحول بصره نحو الساحر الميت الملقى في ركن الغرفة.
أردف زيك: "لعاش كايلرين هكذا حتى اليوم، لولا أمر واحد."
ثم رفع إبْهامه وأشار إليها: "عُرف. عُرف زوجاً لك. وأنت الساحرة العظمى أيريسين."
انحنت قليلاً للأمام، تشبثت بكل لفظ مع دنو الحكاية من نهايتها.
"أُتي به إلى هنا، إلى هذه القاعة ذاتها. على بعد خطوات منك. وهُناك، مُنح خياراً آخر."
"...أي خيار؟"
خرج صوتها أجشّ. توقف زيك، مستذكراً عباراتها السابقة عن عرض غايسترايش. سمت تشويهاً لصميم ذاتها. وكان ذلك عين الخيار الذي أُعطيه كايلرين. ول للمرة الثانية، أخفق.
"طُلب منه خيانتك."
"أكاذيب... ما كان ليفعل..."
ضعف احتجاجها الآن، وخرج واجباً لا تصديقاً. بدت مستشعرة ما هو آت. ترك زيك الصمت يطول. أراد منحها مهلة لتثبيت نفسها. ما يلي ليهزّ زواجها، وما بقي في صدرها من ودّ للرجل.
قال مترقباً الرعب يسري في وجهها: "أختك تختبئ في ملاذ شمال الشرق."
تجمدت أيريسين، وامتصّ اللون وجهها. بدت كأنها لا تتنفس، صلبة كتمثال.
"كيف... أمكنك معرفة هذا؟"
كلمات كادت لا تُسمع، استجداءً لا سؤالاً. استرحمت عيناها أن يكون الأمر كذبة. اختباراً. مزحة سمجة. أي شيء. وما أراد زيك سوى منحها تلك الراحة. لكنه أبى. ولم يستطع. فبعث الأمل الزائف يزيد وعثاء الحقيقة.
قال بهدوء: "عرفت مكانها لأنه أخبرني بنفسه. بل عرض تعليمي كيفية تجنب الوحش الحارس لها."
خبا النور في عيني أيريسين، لا كلياً.
قالت بضعف: "لا بد أنه عرفك حليفاً... لا بد أنه حاول حمايتها."
هزّ زيك رأسه. لم يستطع منحها حتى هذا الملاذ الأخير.
"أخبرته أني سأستخدمها لتهديدك. لأجعلك تخدمينني. أخبرته أني سأقتل كل من في ذلك الملاذ."
ومع كل كلمة، بدت أيريسين متداعية، كأن كل جملة هوت على روحها. ألمّ به مشهد تغيرها هذا. ورغم الوجع الذي سببه، بقيت حقيقة أخيرة عليه الإفصاح عنها.
"...أظن أنه وشى بمكانها إلى الفيلق أيضاً."
تهدمت أيريسين، كحصن عجز عن صدّ الحصار. سقطت أسوارها، واقتحمت أبوابها، وباد الأمل. فقدت المرأة الجبارة، الأميرة النبيلة، بريقها، وثقتها، وسمتها.
"كيف... فعل هذا...؟"
كلمات بالكاد تُسمع.
"أهلكت...؟ لمَ كابدت... داليا... داليا..."
ترك زيك لها هنيهة تواجه بها واقع الحال. لكنه حين سمعها تكرر الاسم ذاته، أدرك أوان كبح هذا الانهيار. ما وجب فعله تمّ. وانقطع حبل الزوجية. انفصال باتمّ معنى، كبتر ورم خبيث. لكن ما إن انفتح الجرح، حان داؤه. لا عيش للبشر بلا أمل. يحتاجونه أكثر من الزاد والماء. سلبه زيك من أيريسين لترضخ للحقيقة. والآن، آن أوان إشعال جذوة جديدة.
قال زيك: "ليس ذلك مؤكداً. قد تنجو أختك."
لم تتحرك أيريسين إلا نزراً. وهذا متوقع. فلو كفى الكلام لبعث الأمل، لما وجد اليأس. ولحسن الحظ، امتلك ما هو أثمن من الكلام الفارغ.
"ثمة أمر آخر يخص خيانة زوجك."
لا ردّ فعل.
وأضاف بهدوء: "التوقيت..."
بلا حراك أيضاً.
"ما وقعت خيانته قبل سنين، ولا أشهر أو أسابيع."
انتزع هذا استجابة، ولو برعشة خفيفة من أذنيها الطويلتين. يعني هذا أنها تسمع.
"أفشى مكانها منذ أقل من ساعة. بل في أمد أقرب."
رفعت أيريسين رأسها أخيراً، لتلتقي عيناها الميتتان بعينيه.
"أما اكتفيت؟ أتلذذ بمنحي أملاً زائفاً لتسلبه مني مجدداً؟"
رغم يأسها، بقيت فيها صلابة. ابتسم زيك برفق.
"لمَ تظنينه أملاً زائفاً؟"
بقي وجهها بارداً.
"الغزاة يتواصلون عبر الفيافي، وتطير أفكارهم لمحة بصر. ويستحيل أن أدركها في الوقت المناسب."
أومأ زيك، بلا جدال في قولها.
"حقّ ما قلتِ. لن تبلغيها في الميقات. لا للبعد فحسب، بل لإحاطتكم قبل بلوغ المنتصف."
لم تتبدل سياستها. لقد درت ذلك.
"...أمّا أنا؟"
تابع زيك مشيراً لنفسه.
"أستطيع بلوغها في الميقات. يمكنني سوق جيشي. ويمكنني إحضارك."
تجلّت الاستجابة أخيراً. ضئيلة، لا تعدو وميضاً. بارقة أمل.
سألت: "...ماذا تطلب كي تبلغني إياه؟"
اتسعت ابتسامة زيك.
"كما قلت، أبتغي تجنيدك..."
لم تنتظر أيريسين حتى يتمّه. تطلبت لحظة لوزن خياراتها والبتّ. فحسمت أمرها فعلاً وقولاً. هوت على ركبة واحدة.
"أنا، أيريسين، زهرة الشرق، أقسم أن..."
"لا!"
رفعت وجهها إليه، والذهول يملؤه.
ردد زيك برفق أشد: "لا. أسأت الفهم."
انفجرت: "ما عساك تبتغي مني إذن؟"
بانت حدّتها. رضيت بالركوع، وأداء القسم، وطرح الكبرياء جانباً لأجل أختها. ورغم هذا، رُفضت. وما كان لزيك بدّ من ردعها. قسَمها هو ما أراد. لكن لا بهذه الكيفية.
خطا زيك خطوة إلى الأمام متحرّكاً للمرة الأولى منذ أن مهّد لها طريق الخروج. اقترب بخطى بطيئة ومحسوبة من نصف القزمية الراكعة. كان ثوبها الأبيض الممزّق ملطّخاً بالغبار والأنقاض من جراء الركوع في السجن الجوفي. أطال الوقوف فوقها، ولاحظ للمرة الأولى، وهو يقف بهذا القرب، كم كانت كتفاها ضيقين وكم كانت ذراعاها نحيلتين. على الرغم من كل القوة والجرأة اللتين تملكهما إيريسين، كان جسدها لا يزال جسد فتاة شابة.
نظر زيك إليها مليّاً والتقى عيناها. استطاع أن يرى الغضب داخلها، وهو يغلي على الأرجح تحت السطح. ورغم ذلك، حافظت على ضبطه بإحكام. كان عرضاً مثيراً للإعجاب للتحكم. كانت هذه امرأة خطيرة، شخصاً قادراً على كبح غضبه في سبيل غاية أعظم. زاده ذلك رغبةً فيها.
قال: "لا أريد قسمك".
"إذن أخبرني بما تريد. إن كان شيئاً أستطيع منحه، فسأفعل".
"...لا شيء".
استطاع أن يرى صبرها يتلاشى.
"ماذا. تريد؟"
خفّت حدة ابتسامة زيك.
"كان ذلك خطئي. كان يجب أن أكون أكثر وضوحاً. قصدت أنني لا أريد شيئاً بالمقابل لقاء مساعدتك".
تجمدت إيريسين، وفسح غضبها المجال للارتباك.
"سأساعدك. أقسم باسمي".
بقيت صامتة برهة، وهي تحدّق إليه بذهول تام.
سألت أخيراً: "...لماذا؟"
أجاب زيك: "لأنني أريد ضمّك. أريد منك أن تحمي ظهري، وأن تدعم طموحاتي، وأن تواجهي أعدائي كأنهم أعداؤك".
استمعت إيريسين دون أن تقاطعه.
"لكن كيف يمكنني أن أطلب منك القتال من أجل أحلامي إن لم أكن مستعداً للقتال من أجل أحلامك؟"
قال وهو يمدّ يده ببطء: "لا أريد منك أن تركعي أمامي. أريد منك أن تقفي إلى جانبي".
نظرت إيريسين من وجه زيك إلى اليد الممدودة، ثم عادت بنظرها إليه مجدداً. رفعت يدها ببطء، كأنها حيوان خَجول، متوقعةً أن يسحب يده في أي لحظة. انتظر زيك بصبر. بدا الأمر كأنه دهر وهي تقترب تدريجياً، لكن بشرتها الباردة لمست بشرته في النهاية. أغلقت كفه الكبيرة على كفها ورفعها برفق. وقفت إيريسين أمامه بعد لحظة. ظهرت نظرة جديدة في عينيها الآن، امتزج فيها التردد بلمسة من الترقب.
لم تكن تثق بكلامه تماماً بعد. لكنها كانت تعطه الفرصة ليثبت أنه الشخص الذي يدّعيه، ولن يضيّع زيك هذه الفرصة.