ظلام دامس. هذا كل ما استطاع كايلرين رؤيته. أو أكان أدقّ القول إنه عجز عن رؤيته؟ تنهَّد عمداً. لا ليُعبر عن مشاعره؛ فما من أحد هنا ليسمعه أساساً. بل لكسر الرتابة المبلِّدة للحواس وحسب. كان الأمر شديد الاختلاف عمَّا توقع. حين اعتقلته الإمبراطورية وزوجته، هيَّأ نفسه لمصير قاس. تعذيب ربما. أو إعدام علنيّ. لكن ليس هذا بالتأكيد. هذا الصمت المطبق على العقول. هذا السامّ الذي لا مفر منه.
هذا الوجود الفارغ من أيّ معنى داخل غرفة تكاد تماثل ظلمة أفكاره الأخيرة. كم مضى له هنا حقاً؟ أيام؟ أشهر؟...أسنون؟ لم يكن متأكداً. لقد كان أمراً غريباً. طالما افتخر بحسّه المرهف بالزمن؛ فقد ظلّ ساعته الداخلية دقيقة منذ طفولته. ولم يدرك يوماً كم اعتمد ذلك الإحساس الداخلي على المحيط ليبقى منضبطاً. والآن، بلا شمس ولا قمر، بلا وجبات منتظمة، ولا دورة نوم مستقرة، لم يفقد عدّ الليل والنهار فحسب، بل غدا مفهوم الزمن نفسه غريباً عليه.
لم يبقَ في حياته ثبات سوى واحد. مناسبة وحيدة تكسر رتابة عذابه. مع أنه لم يدرك أأحقاً تكسر معاناته أم تزيدها حدة. وكأنها إشارة، انفتح باب الغرفة، وتدفّق النور معه. احترقت عيناه لشدة الإضاءة المفاجئة. وتوسل إليه كل غريزة أن يطرف، أن يشيح بوجهه. لكنه لم يفعل. بل رمق النور مباشرة، منجذباً إليه. كفراشة تحلق نحو لهيب وهي تعلم أنه سيحرقها. ورغم ذلك، لم يُشِح. ولم يستطع.
قال صوت مألوف: "نهار سعيد يا كايلرين".
أغلق الباب مجدداً، لكن الظلام لم يعد. بل أضاء الغرفة الصغيرة توهّج خافت لشعلة بيضاء حية ترقص داخل وعاء زجاجي. اقترب النور، ثم وُضع برفق أمامه. لم يُشح كايلرين ببصره حتى للحظة. لم يجرؤ. وعجز عن ملاقاة عينيه.
سأل الصوت من خلف النور: "...أيعجبك الفانوس؟".
كان قد جلس مقابله، كالعادة. لكنه رفض الإجابة، أو النطق بكلمة. غير أنه أدرك في قرارة نفسه. أدرك حقاً ماهية هذا: تمرد صبيانيّ. لن يدوم. ولن يدوم هو الآخر. ف الحاجة الجارفة للتحدث إلى شخص ما كانت أقوى بكثير. وحتى لو صمد هذه المرة أيضاً، فأي نصر سيكون ذاك؟ سيغادران بكل بساطة. فهما لا يحتاجان هذا. ولا يحتاجان للكلام. أما هو فيحتاج.
سأل الصوت مجددأ، غير مبالٍ بصمته البتة: "أَنِمْت جيداً؟".
كان صوتاً مرحاً، ودوداً ولطينا. ولمس كايلرين الاهتمام في كل كلمة. أأظهر له أحد هذا القدر من الاهتمام يوماً؟ أاهتم به أحد هكذا؟ لا ظنَّ ذلك. ربما فعلت زوجته. لكنه، بصراحة، لم يكن متأكداً. بالكاد تذكر وجهها. وكان صوتها لغزاً تاماً. أكانت طيبة؟ لا بد أنها كانت كذلك. وإلا، لماذا تزوجها؟ لقد كان فخر قريته منذ صغره....أم أكان كذلك؟
قال الصوت بلطف: "هذا صحيح يا كايلرين. لقد كنت فخر قريتك. إلى أن وقع الحادث..."
حادث؟ أي حادث؟ لم يتذكر أي حوادث. أأصيب أحد؟ من؟
أضاف الصوت، والاهتمام يخترق كل كلمة: "...أنت تتذكر، أليس كذلك؟ الحادث الذي شوّهك".
مشوَّه؟ أأنا مشوَّه؟ لا، استحيل ذلك. لكان تذكر شيئاً كهذا. ألم يكن يفعل؟
تمتم الصوت: "مسكين أنت... أن تقضي أيامك هكذا، وكل هذا بسبب تلك الأذنين..."
أذناه؟ امتدت يداه لتلمسا الجلد الناعم على جانبي رأسه. بدتا عاديتين. لم يبدُ أن شيئاً غير طبيعي حدث. كان الجلد أملس بلا ندوب. وتتبعت أصابعه رسمهما، من الجنب وحتى الطرف الصغير...
تنهد الشخص المقابل له: "لا أدري كيف تحتمل هذا. وحيداً في هذا الظلام".
احتبس نفس كايلرين. تصارع الغضب والامتنان في صدره. لقد مسَّه الاهتمام الصادق بطريقة لم يستطع إنكارها، لكن النفاق فيه أثار سورة غضب داخله. لكن لم يخرج حرف من فمه. بل ظل يحدق في اللهيب، وأحرق اللهيب عينيه من إطالة فتحهما. ظل الشخص المقابل صامتاً هو الآخر. ومضى الوقت هكذا، في سكون تام، ولم يتحرك سوى وميض اللهيب والظلال المتقلبة على الجدران.
"...يبدو أنك لست مهتماً بالكلام كثيراً اليوم..."
كلا. لا. لا. لا.
"لا بأس. سأعود قريباً. وربما تشعر برغبة أكبر في الحديث حينها".
لا، لا، لا، لا، لا، لا. لا تغادر. ليس الآن. ضاعت أفكاره دون صدى. نهض الشخص، وارتفع الفانوس معه. انحدرت دموع ساخنة على وجه كايلرين. إن غادرا الآن، فسيبقى وحيداً. وحيداً في الظلام. ربما لن يعودا أبداً.
"...انتظر".
خرجت الكلمة خشنة، لكنه كان صوته بلا شك. توقف الخيال.
"أغيرت رأيك؟ أنا مسرور".
لكنهما لم يعودا إلى مقعديهما. بل بقيا في مكانهما، في منتصف الطريق نحو المخرج.
"للأسف، أنا مشغول قليلاً اليوم. لذا قد لا أستطيع البقاء..."
شعر كايلرين بظلام يهبط في معدته. لقد تنازل، واستسلم، ونطق. وسوف يغادران على أي حال. شعر بأنه أبله. كطفل انطلقت عليه مزحة قاسية.
"إلا إذا..."
تابع الصوت، نافخاً الحياة في جذوة أمل صغيرة داخله. إلا إذا ماذا؟ إلا إذا ماذا؟ أتكلم؟ سأتكلم. أأرقص؟ سأرقص. أأغني؟ سأغغني؟
"—إلا إن استطعت فعل شيء بخصوص هاتين الأذنين؟"
شعر كايلرين بتمرد غريب يستيقظ داخله. همس شيء في أعماقه أن يحذر، أن يتحرك بحذر. قمع ذلك الشعور. لم يكن وقت للحيطة. الحيطة تعني الظلام. الحيطة تعني العزلة. لم يكن بحاجة للحيطة. بل كان بحاجة للفعل.
"ماذا... تريدني... أن أفعل؟"
كان صوته ما زال خشناً، لكنه استقر مع كل كلمة.
قال الصوت: "لا شيء صعباً. أريد منك فقط إحداث تغيير بسيط في شكل أذنيك. ففي النهاية، لا يليق ببشري أن يملك أذنين مدببتين هكذا، ألا ترى؟"
عبس كايلرين. بشري؟ لم يكن بشرياً. لقد حمل دماء إغدراسيل النبيلة في عروقه، نسب يمنحه عمراً يتجاوز البشر العاديين بكثير. وكانت أذناه دليلاً على ذلك النسب. كيف له أن ينكره؟ بدا أن الشخص يقرأ الرفض على وجهه.
"لن تفعل؟ يا له من مؤسف. كنت أتطلع لقضاء وقت أطول معك..."
وقبل أنكملا حديثهما، تحركا مجدداً، وابتعد النور أكثر.
"انتظر!"
كره كايلرين مدى يأس صوته، حتى لسمع أذنيه. لكن لم يكن أمامه خيار. لقد نقض عهده بالصمت بالفعل. فما المانع من التقدم خطوة أخرى؟
"ماذا... عليَّ أن أفعل؟"
عاد الشخص هذه المرة. غير أنهما لم يجْلسا. بل وقفا أمامه. راقب كايلرين رداءهما المنسدل يتحرك وهما يستلان شيئاً من الطيات. وبعد لحظة، لمع معدن أمام عينيه. نصلان يتقاطعان عند المقبض. ظهر مقص بائس أمام وجهه. بدا الحدان حادين، وبشكل مخيف. وما إن رآهما، حتى شعر كايلرين برغبة في توجيههما لنفسه، ليشق عنقه. فسينزف سباته ما يكفي من الدم ليموت قبل أن يمنعه أحد. كانت الرغبة قوية لدرجة أن يده ارتعشت نحو النصلين قبل أن يعي.
وقبل أن يتصرف، استعاد عقله رشده. يا له من فكر أحمق. لماذا ينهي حياته الآن، وهو قد أحرز تقدماً أخيراً؟
"...خذهما".
ببطء، مدَّ كايلرين يده. وأطبقت كفاه على المعدن البارد. بدا مختلفاً ومريحاً. وحتى هذا اللمس البسيط لأصابعه للصلب غمره بسعادة مفاجئة ولا تفسير لها. لقد كان خيار التكلم اليوم صائباً حقاً. وإلا، لما شعر بهذا قط.
"الآن..."
كان الصوت رقيقاً كعادته، رغم أن كايلرين أقسم بوجود شيء آخر يختبئ تحت تلك الرقة. ولم يستطع تسمية الشعور.
"أريد منك قطع الطرفين".
رفع كايلرين المقص. وحسم أمره. ومع اللحظة التي ضغط فيها الحدان الحادان على جلده، تجمّد.
"أيمكنك..."
تلعثم.
"أيمكنك فعلها عوضاً عني؟"
كانت مناشدة ضعيفة، لكن كايلرين لم يدرك حقاً إن امتلك القوة لفعلها بنفسه.
"لا"، جاء الرفض قاطعاً.
"من المهم أن تفعلها بنفسك".
تردد كايلرين. أيستطيع فعلها؟ يستطيع. سيفعل. لا بد له من ذلك. ومع كل محاولة منه للضغط، كانت قوته تتبدد. وبدا الأمر كأن إرادة أخرى داخل لحمه تقاتله، مقاومة كل أمر.
حثه الصوت: "حاول جاهدة. عليك إيجاد القوة لتحرير نفسك".
أجل. هذا صحيح. كان عليه فعل هذا. كان عليه الخروج. كيف لشيء بهذه البساطة أن يكون صعباً هكذا؟ كل ما احتاجه هو ضغط بسيط. مجرد هذا، وسيكون حراً. وسيكون كل شيء على ما يرام. فلماذا استصعب الأمر إذن؟ شعرت يده بالارتعاش. لماذا؟ لم يكن المقص ثقيلاً لهذه الدرجة. وكان يفترض أن يستطيع إمساكه لساعات دون تعب. فلمَ بدا كثقل هائل حمله يوماً؟
"...لا تفكر كثيراً"، همس الصوت، قريباً من أذنه الآن.
"لا تفكر أبداً".
هذا صحيح. كان يفرط في التفكير. لم يكن الأمر صعباً. كل ما تطلبه هو أن يغلق كفه، وسينتهي هذا برمته. ارتعشت أصابعه، وشعر بعضة المعدن على أذنه، مسيلة للدماء. لقد كان محقاً: النصلان حادتان. وحتى ذلك اللمس الضئيل شق جلده بالفعل. انزلق دم دافئ على أذنه وقطر على عنقه. واستنشق عبقه، وتذوق طعم الحديد في الهواء. لم يكن هناك ألم. بل شعر بالارتجاح فقط لتحقيقه تقدماً. ومع أنه كان حادثاً، فقد قام بالقصة الأولى.
والآن سيكون الباقي سهلاً.
قال الصوت، وكان أشد إلحاحاً الآن: "افعلها".
ومع ذلك الأمر، تهاوت آخر بقايا مقاومته. أخيراً، استطاع التحرك. أخيراً، تحكم بالوضع. أخيراً، استطاع تحرير نفسه. شعر بشفتيه تمتدان بغرابة عند الفكرة. كان تعبيراً مألوفاً. كيف بدا شكله الآن؟ تلاشت الفكرة. لم تهم. بل المهم أنه استطاع فعل ما عجز عنه سابقاً. أطبقت كفه. وضغط المعدن على أذنه من الجانبين. ولم يتوقف هذه المرة. بل رحب بالألم. ورغم لسعة قص المقص للحمه، كان عذاباً أقل بكثير مما كابده قبل لحظات.
إن وجد ألم، فكأنما كان خلاصاً. أخيراً، صار حراً...