مرّ أسبوعان. وجد زيك نفسه مجدداً في مواجهة ضباطه. زالت الإصابات كلّها. حتّى الإرهاق الذهنيّ الذي علق بهم بدا كأنّما مُحِيَ تماماً. كان اختيار منحهم الراحة قراراً صائباً. غير أنّ ذلك كله سينتهي اليوم. أكاشا أكّدت أنّ الإسكندرية جاهزة تماماً للعمل مجدداً. وأصابع زيك كانت تحكّ منذ مدّة طويلة. حان الوقت أخيراً للكشف عن الخطة التي كان يعمل عليها.
قال: "هدفنا القادم سيكون..."
تزحلق إصبع زيك عبر الامتدادات الشرقيّة، متجاوزاً ثيلبروك، ومتجاوزاً فورد جويريل، ومتجاوزاً عشرات المستوطنات الأخرى، قبل أن يتوقف في عمق البريّة.
"... هنا."
أشار لينوس بحذر: "هذا... أيّها السيّد الشابّ، لا يبدو أنه... هدف قيّم للغاية."
قال زيك وهو يستند إلى مقعده: "أنا أدرك تماماً."
"ألَم يكن من الأصحّ تأمين طريقنا إلى الأمام؟"
"بلى، لكان كذلك."
"... إذن لماذا لا نفعل ذلك؟"
"لأنها الخطوة البديهيّة. هذا ما يتوقعه العدوّ منّا. لا شكّ عندي في أنّهم حصّنوا كلّ موقع في طريقنا مسبقاً."
أشار إلى موقعين على الخريطة، كُلِّل كلّ منهما بعلامة حمراء.
"هنا شنّ حلفاؤنا الأقربون هجماتهم. قوات سالخ الدماء في الشمال، وآل كيرنويك في الجنوب الغربيّ. لكن انظروا إلى حالهم الآن."
الضربة الشمالية، بقيادة قوات آل سالخ الدماء، ضربت ملاذاً غابيّاً شبيهًا بالملاذ الذي داهمه في معركته الأولى. الهجوم الجنوبيّ الغربيّ كان كميناً استهدف حصناً، حيث تسلّل سحرة اللحم من آل كيرنويك إلى معسكر العدوّ واستأصلوا أهدافاً أساسيّة وهم في نومهم. وكان بين القتلى ساحر عظيم.
"كانت غاراتهما الأوليّتان فعّالتين. غير أن..."
انزلق إصبعُه من الموقع الشماليّ إلى موقعٍ قريب.
"لم تبلغ قوات سالخ الدماء مدىً بعيداً قبل أن تُعطَّل. لا يزالون متورّطين في الوحل حتّى الآن. والأمر سيّان بالنسبة لسحرة اللحم. فشل تسلّلاهما التاليان، وتكبدوا خسائر."
رفَع زيك رأسه عن الخريطة، ملاقياً عيون قائديه.
"سرعة ردّ فعل الإمبراطوريّة أسرع ممّا توقّعنا. في غضون أيام قليلة، تمكّنوا من تحديد موقع القوّتين وتقييمهما والصدّ عنهما، ممّا أدى إلى تحييدهما فعليّاً. أمّا نحن، فأنتم تعلمون ما حدث..."
هزّ رأسه. كان من الصعب التعبير بالكلمات عن مدى إبهار ذلك حقّاً. تحرّكت الإمبراطوريّة كأنّما يقودها روح عقل خاصّ بها، موجّهةً أفعال كلّ كتيبة بتناغم تامّ. إن كانت هذه هي قوّة شبكتهم الذهنية، فلا عجب في أنهم قوّة مهيمنة إلى هذا الحدّ. في الحرب، كانت المعلومات كلّ شيء، ولم تبرع الإمبراطوريّة في توزيعها فحسب، بل في التصرّف بناءً عليها بكفاءة مرعبة. حتى بعد تفاجئهم التامّ بالدخول المفاجئ للكثير من الفصائل الجديدة، لم تستغرق الإمبراطورية سوى معركة واحدة لتتأقلم.
ضدّ سحرة الدماء، استخدموا غارات جويّة سريعة لإبطاء مسيرهم، ممّا أجبرهم على التقدّم بسرعة السلحفاة مع البقاء في حالة تأهب دائم. استنزف ذلك قواتهم وعرقل تقدّمهم بينما عرض الإمبراطوريّة لخطر معدوم تقريباً. كلّ ذلك تحقق ببساطة عبر استغلال المدى الأطول لقواتهم وقدرتهم الفائقة على الحركة. وضدّ سحرة اللحم، طوّروا تدابير مضادّة بين عشية وضحاها تقريباً، مانعين أيّ تسلّل آخر.
كان ردّ سريع كهذا مستحيلاً في الظروف العادية. وحدها عقول متعددة تعمل بتناغم تامّ استطاعت ابتكار وتطبيق حلول بسرعة كهذه.
"... مرعب."
فلتت الكلمة منه قبل أن يتمكّن من إيقافها، لكنه لم يندم على قولها. كانت الحقيقة البسيطة. أشار زيك إلى حصنين آخرين كان بإمكانه مهاجمتهما عوضاً عن سترايتهولد.
"لا أعلم ما ينتظرنا هناك، لكن من الحماقة افتراض أن الإمبراطوريّة لم تجهّز تدابير مضادّة. ولهذا يجب أن نتحرّك بأكبر قدر ممكن من عدم القدرة على التنبّؤ. لقاؤهم وفق شروطهم يعني الموت. السماح لهم بسبر أغوار أفعالنا يعني الموت."
سأل ديفيد مقترباً من الطاولة: "إن كان الفيلق بهذه الرّهبة، ما الذي يجعلك واثقاً إلى هذا الحدّ من أنهم لن يتنبّؤوا بهذه الخطوة أيضاً؟"
كانت حواجبه مق قطبة، وعيناه جادّتين. لم يبقَ شئ من الثقة العابرة التي أظهرها قبل المعركة الأخيرة. خسارتان متتاليتان أمام سحرة الفيلق محتا ثقته. أكثر من اللازم، ربّما.
قال زيك: "لأنه... من المستحيل التنبّؤ بها. هناك ما يقارب مئة موقع متطابق مبعثرة عبر المناطق الخارجيّة. ما من موقع واحد يبرز بوصفه هدفاً مرجّحاً أكثر من غيره. هل يمكنهم الدفاع عنها كلها؟"
اعترف ديفيد: "سيكون ذلك مستحيلاً."
وأومأ الباقون موافقين. إن امتلك الفيلق هذا العدد الكبير من القوات، لما كانت هناك حرب تستحق الذكر. مع ذلك، لم يبدو ديفيد مقتنعاً.
"لكن هذه هي المشكلة بالتحديد، أليس كذلك؟ الفيلق لا يكلف نفسه عناء الدفاع عن هذه المواقع لقلّة قيمتها. ماذا سنربح أساساً من ضربها؟"
أجاب زيك بابتسامة خفيفة تداعب شفتيه: "كلّ شيء. أخبرني يا ديفيد، لماذا تعتقد أن الإمبراطوريّة بنت موقعاً هناك في المقام الأول؟"
تفرّس ديفيد في الخريطة لحظة، ثم أشار نحو المدن القريبة.
"لتمهيد هجوم. هنا، وهنا، وهنا؟"
هزّ زيك رأسه.
"منصة التمّهيد تعني الاستعداد لحصار. أحتات الإمبراطوريّة حقّاً إلى ذلك ضدّ مستوطنات صغيرة كهذه؟ علاوة على ذلك، لم يُبْنَ الموقع إلا بعد سقوط المدن الثلاث بأكملها."
صمت ديفيد وعقد حاجبيه. بدأ يرى الأمر هو الآخر. هناك خطب ما. واحد تلو الآخر، تحوّلت نظرات الضباط حول الطاولة إلى الموقع المحدّد. لم يتركهم زيك ينتظرون طويلاً.
"إنه سجن. سجن يضمّ سكان المستوطنات القريبة."
بشكل مفاجئ، كانت رايلي أول من ربط الخيوط ببعضها.
"أهناك يأتي كلّ أولئك الشفاة؟ هذه... السجون."
أومأ زيك ببطء.
"هذا افتراضي، نعم."
ألقى الإدراك الغرفة في صمت. لم يكن أيٌّ حاضر ساذجاً لدرجة سوء فهم ما يعنيه الاعتقال تحت حكم الإمبراطوريّة، خصوصاً بين يدي سحرة العقول التابعين لها. مهما يكن ما يدور في تلك المعسكرات، فلا بدّ أنه لا إنسانيّ.
سأل ديفيد أخيراً قاطعاً السكون: "إذن تلكم هي خطّتنا، أيّها السيّد الشابّ؟ حرمان الفيلق من هذا المورد؟"
هزّ زيك رأسه.
"ذلك وحده لن يحقق شيئاً يُذكر. كلا. خطّتي هي الاستفادة من السجناء نفسي."
تغيّرت التعبيرات حول الطاولة، وانتشر الانزعاج سريعاً. حامت عدة نظرات نحو رايلي قبل أن تعود إلى زيك. أخيراً، تحدثت المعالجة الإلفيّة عاجزةً عن تجاهلهم أكثر من ذلك.
قالت بحذر: "لا أرى كيف سيساعد ذلك. قواتنا لا تعاني نقصاً في الشفاء أو التعزيز الجسديّ."
أومأ زيك دون تردّد.
"أنا أعلم. أنت وحدك أكثر من كافية."
رمشت رايلي.
"إذن..."
وضّح زيك: "لا أنوي استخدامهم كأصول قتاليّة. أنوي إطعامهم للإسكندرية."
ردّد لينوس: "إطعامهم... للسفينة؟"
كشر زيك. اختيار سيّئ للكلمات. قضاء الكثير من الوقت في الحديث مع أكاشا أمات حسّه تجاه وقع تلك الأمور على الآخرين.
صحّح قوله: "ما أعنيه، هو أنني سأنشرهم كمصادر طاقة."
ألحّ لينوس: "لأيّ غاية؟ لقد دبر شعبنا أموره جيداً حتّى الآن."
هزّ زيك رأسه.
"هناك حيث أنت مخطئ، أيّها القائد. لقد نجحتم في إبقائها تعمل، نعم. لكنّ هذه لم تكن الغاية التي بُنيت من أجلها هذه السفينة. الإسكندرية ليست سفينة نقل."
عبس ديفيد: "أليست كذلك؟"
تطلع نحو قائدي السفينة، لكنّ أياً من لينوس أو موريس لم يقدم جواباً. استدار اثناهما عائدين إلى زيك، وبالقدر ذاته من عدم اليقين.
"أليست كذلك؟"
هزّ زيك رأسه مجدداً: "لم تكن الإسكندرية قطّ معدّة لتكون سفينة نقل. ولا هي سفينة حربيّة تقليديّة."
سأل موريس: "إذن ما هي؟"
استند زيك إلى الوراء، بينما راحت أصابعه تنقر بخفة على مسندي الذراعين وهو يلاقي نظراتهم المنتظرة. ترك الصمت يطول لنبضة قلب أطول ممّا ينبغي.
قال أخيراً: "هي كلّ ما أحتاجه لتكونه. والآن، أحتاج أن تكون حاملة معارك. سفينة بُنيت لحصار الحصون والسيطرة على الأراضي."
ردّد موريس: "حصار؟ لم أُخْبَرْ بأنّها تملك هكذا قدرات، يا سيّدي."
أومأ زيك.
"بالتأكيد لا. لقد عملنا بطاقم هيكلي منذ مغادرتنا. كيف كنّاز سنشغّل الدروع، أو المعترضات، أو مصفوفات الحصار بينما نحتاج إلى مناوبات مضاعفة لمجرد البقاء في الهواء؟"
كانت تلك نصف الحقيقة فقط. بقيت أنظمة كثيرة خامدة عن قصد. والأهمّ من ذلك، نوى زيك توسيع الإسكندرية كلّما تقدّمنا، لترقى قدراتها إلى مستوى قوة شاغليها. حتّى خلال أسبوعي الإصلاح الفائتين، كانت أكاشا قد بدأت بالفعل فتح وظائف جديدة.
بدأ ديفيد ثم تردد: "لكن... كيف..."
ثمّ أردف: "السجناء؟"
أومأ زيك: "سيكون هناك سحرة بينهم. حتى ناتج سجن واحد سيوضاعف الطاقة المتاحة لدينا بأكثر من الضعف."
حلّ الصمت على الغرفة بينما استوعب الجميع الكشف.
قال زيك بعد لحظة: "أخبروني، أَتَعتقدون أن الفيلق قادر على التنبؤ بهذا؟"
أجاب ديفيد: "هذا مستحيل، أيّها السيّد الشابّ. كيف لهم أن يتنبّؤوا بما لا نعلمه نحن أنفسنا؟"
أومأ زيك ببطء، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه.
"هذا هو صلب الموضوع. أكبر نقاط قوّة الإمبراطوريّة هي أكبر نقاط ضعفها أيضاً."
"بأيّ طريقة؟"
قال زيك: "التنبّؤ قمار."
التقط خنجراً قصيراً كان يستخدم كثقالة ورق ومرّر أصابعه على إحدى حوافه.
"مثل النصل تماماً. إن تنبّأت بصواب، تؤذي عدوّك."
ومرّر اصبحه على الحافة المقابلة، "لكن إن خاب ظنّك، فلن تؤذي إلا نفسك."
بحركة حادّة، هوى بالخنجر في الطاولة، لتخترق نصلته الموضع ذاته الذي حدده كهدفه القادم. معسكر السجن رقم 73 كان هدفه القادم محسوماً بالفعل. ليس فقط لأن الإمبراطوريّة لن توقع أبداً هكذا خطوة جريئة، بل لأنه ما من موقع آخر يحمل إمكانات أعظم. من يُسجن بدلاً من أن يُعدم؟ السحرة. ستقضي الإمبراطوريّة وقتها في التنبّؤ بتحركاته بناءً على ما تعتقد أنه قادر على فعله. ولكن ماذا لو أصبحت تلك المعلومات بالذات فخّاً؟
ماذا لو صاغ استراتيجيّته حول افتراضاتهم؟ حين يواجهون الإسكندرية مجدداً، ستكون غير قابلة للتعرف. معزّزة بدماء جديدة، ومتوسّعة إلى ما هو أبعد بكثير من حدودها الحاليّة. القيد الحقيقيّ الوحيد كان مدى سرعة زيك في ترقية أنظمتها. ومع عمل أكاشا بلا كلل لتلبية كلّ مطلب، فلن يتقيده ذلك الحدّ قريباً. ضدّ شبكة الإمبراطوريّة الذهنية، امتلك زيك ميزة حاسمة واحدة. كانت قوته الإدراكية مركزيّة.
كانت أكاشا مقيدة به وحده. بوسعه تطبيق المدى الكامل لمعالجتها ليس فقط على التحليل، بل على التنفيذ المباشر. بوسعها إعادة تشكيل السفينة في الوقت الفعليّ. بوسعها التأقلم مع أيّ متطلب. بالنظر إلى وفرة المانا، بوسعها تحويل الإسكندرية إلى حصن لا يشبه أيّ شيء عرفه العالم من قبل. ظلّت الموارد هي الشاغل الوحيد، وحتى ذلك تم التعامل معه بالفعل. كان مرساة العالم مفعماً عن آخره بموادّ ثمينة، بملايين الذهب من كلّ ما يلزم لتوسيع السفينة في أيّ اتجاه.
وشكّلت الموارد الدنيويّة مشكلة أقلّ شأناً؛ كان بمکان المرساة إنتاج أيّ شيء لا يتطلب المانا بكميات بلا حدود. لا. لقد تبلورت الغاية الحقيقيّة لهذه الحملة المبكرة. سيجمع زيك الناجين. بأكبر قدر ممكن. حين تدرك الإمبراطوريّة ما يفعله، فسيخوت الأوان. سيكون قد امتلك بالفعل القوة البشريّة اللازمة ليصبح لا يقهر. دَعْهُم يحاولون التنبّؤ بخطوته التالية بينما يحطّم كلّ توقع. ما من عدوّ أعظم لعقل تحليليّ من ما لا يُبرر.
شيء يتغير مع كلّ لقاء. شيء ينمو في القوة والقدرة بلا نمط أو حدّ. ولكن لكي يصبح ذلك العدوّ، كان عليه التحرك سريعاً. مع كلّ لحظة تمرّ، تتضاءل فرص إيجاد ناجين إلفيّين. لم يكن يعلم بدقة ما تفعله الإمبراطوريّة داخل تلك السجون، لكن الإجابة أسهل من أن تُستنتج. كان هدفهم كسر السحرة الأسرى وتحويلهم إلى دمى. انتهاك عميق للعقل كهذا لا يمكن إتمامه في يوم أو يومين، لكنّ ذلك لم يقدم عزاءً يذكر.
التآكل المستمرّ لنفسية السجناء سيفرغهم في النهاية، تاركاً وراءه طيعاً طائعاً فحسب. وما إن يُبلغ تلك النقطة، فلن يكون هناك إنقاذ لهم. في نواحٍ عديدة، كان ذلك مصيراً أسوأ من الموت. أن تظلّ محبوساً داخل جسدك بينما تحرّك إرادة غريبة الخيوط... ارتعش عند هذه الفكرة. تصلّبت نظرته. حتى بعد كلّ ما شهده، كانت الفظائع التي ارتكبها فيلق الشرف كفيلة بقلب معدته. قبل وقت قصير، تخيّل نفسه بطلَ النوع الذي سيوفر أنصاف الإلف المستضعفين من مصيرهم القاسي.
لكن الحياة نادراً ما كانت بهذه الطيبة. نادراً ما كانت بمثل هذه البساطة. تَجُوَّلت عيناه عبر الوجوه المتحمسة أمامه. أتباع. حلفاء. أشخاص وضعوا حياتهم بين يديه. سيقوم بما بوسعه. ينقذ أكبر عدد ممكن. وما تبقي فعلى الأقدار.
قال: "أيها الجميع، استعدّوا. الليلة، نرحل."