ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 528 — النشر الأول

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 528 — النشر الأول باللغة العربية على مانجا تايم.

فرحة حقيقية. لم يجد ليو سوي هذه الكلمات ليصف بها تعبير وجه زيك في تلك اللحظة. نظرة ارتياح تام لرؤية فرد من العائلة على قيد الحياة وبخير.

نهض ليو. قبل أن يعي ذلك حتى، كان يقف على بعد ذراع واحدة من أخيه. ثم، وكأن مغناطيسا جذبه، دفن وجهه في كتف زيك. هزت شهقة صامتة جسده كله.

ارتدى القناع أمام الجميع: تظاهر بامتلاك الإجابات حين لم يكن يملك شيئا، وتظاهر بالشجاعة حين كان مرعوبا. حمل آمالهم ومخاوفهم، وخذلهم في أكثر الأحيان، ومع ذلك أجبر نفسه على النهوض في كل مرة، ثابتا في المظهر إن لم يكن في القلب. انتهى ذلك. قبل أن يدري، بللت دموع حارة رداء أخيه. لم يقل زيك شيئا، بينما استقرت إحدى يديه برفق على مؤخرة رأسه. سمح ليو لنفسه بهذا الضعف لحظة واحدة فقط قبل أن يتراجع.

فرك عينيه بسرعة وعصبية ليزيل الدموع والمخاط، مع أنه لطخ وجهه بالسخام والرماد. لم يكن ذلك مهما. لقد اعتاد الاتساخ أكثر بكثير من النظافة. فحصه زيك بنظرة، وفي عينيه بريق خافت.

"تبدو كالجيفة".

أطلق ليو ضحكة خافتة من أنفه، عاجزا عن كبح ابتسامة كاملة.

"...صدق أو لا تصدق، لا يسمحون للاستحمام المنتظم أثناء الحرب".

ارتسمت على وجه زيك نظرة رعب.

"فجيعة!"

ابتسم ليو، لكن لقلب نبضة واحد فقط قبل أن تضغط الواقعية من جديد.

"علينا التحرك يا زيك. لقد جاء الفيلق بقوة هذه المرة، وهناك طائرات تحوم في الأعلى. إنها مسألة وقت فقط قبل أن نُكتشف إن بقينا في العراء".

هز زيك رأسه متجاهلا تماما إلحاح الموقف.

"دعهما يجداننا إذا".

"...دعهما؟"

أردف ليو مكررا، وهو يلتفت ليطالع أفراد الفيلق الشرفي الواقفين كالتماثيل. أهذا ما منح أخاه هذه الثقة كلها؟

"أولئك الذين تحكمهم ليسوا سوى جنود عاديين يا زيك. لا فرصة لهم أمام الطائرات أو مستخدمي اللهب".

بدا زيك حائرا للحظة قبل أن تستقر نظراته على الجنود من حولهم.

"أه"، قال بعد توقف.

"نسيت أمرهم تماما".

رفع يدا ونقر بإصبعه. كان الصوت حادا يتردد صداه في الهواء الساكن. ثم، وكأنهم ينتظرون الأمر، تحركوا. كان منظرا أدرك ليو أنه لن ينساه أبدا. أسقط كل جندي رمحه، وسحب خنجره، رفعه عاليا، ودون تردد أو تعبير، شق حنجرته بنفسه. انفجرت العشرات من النوافير القرمزية بينما قُطعت الأوراج بمهارة. في تلك اللحظة، بدا كأنهم استيقظوا من غفوتهم، يلهثون ويخمشون جروحهم في محاولة باءت بالفشل للبقاء على قيد الحياة.

بعد لحظات، ساد الصمت الغابة مرة أخرى.

ملأ الهواء نتن معدني كثيف، طوفان غامر من الحديد والموت. كانت مجزرة لا تشبه أي شيء شهده ليو من قبل. أما زيك، فأخذ نفسا عميقا متعمدأ، وكأنما يستنشق رائحة الورود.

"جميل".

دون أن ينتظر ردا، واصل حديث تعليقه.

"لقد آن أوان وصول تعزيزاتنا. حينها يمكننا تنظيف هذه الفوضى".

قطب ليو حاجبيه.

"لا أعرف إلى حد نمت العائلة منذ مغادرتي، لكن أتعتقد حقا أن بإمكانك مواجهة الفيلق يا زيك؟ إنهم ليسوا عصابة قطاع طرق..."

ابتسم زيك.

"...ولا نحن كذلك".

"لقد جلبوا مئات الجنود النخبويين إلى هذه المعركة وحدها".

"...وأنا أيضا".

هز ليو رأسه والإحباط يتسرب إلى صوته.

"يا زيك! لقد أحضروا ساحرا فذا!"

اتسعت ابتسامة زيك أكثر.

"وأنا أيضا".

قبل أن يستوعب ليو الكلمات حتى، شق صوت صاعق الهواء. كان عاليا لدرجة أن كل ضوضاء أخرى تلاشت. عميقا وذو رنين، كبوق حرب، لكنه لم يكن كذلك تماما. كان الأمر كأن نداء بوق قد مُزج بصرخة كابوسية لمرعب عتيق. حتى بعد أن خفت، بقي أنين منخفض ومحزون في أعقابه، يتردد صداه كغناء حوت.

دفعه حدس خالص ليو إلى خفض قامته وتأمل السماء، كأن صوتاً خفياً في قاعه يهمس بأن أي فعل آخر يعني الموت يقيناً.

"أخيراً"، سمع صوتاً من الجانب.

كان زيك ما زال واقفاً، مكتوف اليدين وراء ظهره، ونظراته تزيغ بكسل نحو الأعلى.

"زيك، ما... ما اللعنة التي تحدث هنا؟"

التفت إليه أخوه، وابتسامة خافتة ترتسم على شفتيه.

"سترى".

أظلمت سماء المساء الملبدة أصلاً بالدخان والرماد تماماً فجأة، كأن سحابة حلت مكان الشمس وحجبتها. ارتد بصر ليو إلى الأعلى، وحبس أنفاسه. ملأت السماء كتلة عملاقة، هائلة لدرجة أنها حجبت النور. بدت كجبل تعلم الطيران بطريقة ما. لا، بل اقتربت، وأدرك الحقيقة. لم تكن جبلاً. بل قلعة. مدينة تحوم. وكانت تحوم فوقهم مباشرة. قبل أن يعي ليو ما يراه، انفتح مدخل في أسفل القلعة، وبرز شخص بما يكفي ليميّز ليو شكل رجل.

قفز الرجل من الحافة بلا تردد، منطلقاً في سقوط حر. شعر ليو بخطر غير مسبوق من هذا القادم الجديد. كانت طاقته السحرية كبحيرة، مما جعل ساحر العقل قبل قليل يبدو طفلاً. سيطرت غرائز ليو. اندفع جانباً، باحثاً بعينيه عن سيفه الذي فقده. ظهر ريبر إلى جانبه، بارز المخالب، ومستعداً للضرب. هبط الرجل بخفة. تطلب الأمر ثنية طفيفة في الركبتين لامتصاص الصدمة. وبدل أن ينهض، انحنى بانحناءة أنيقة.

"مضى وقت طويل، أيها اللورد الشيق ليو".

"أ... ديفيد؟"

"أنا هو حقاً".

"أنت... ساحر كبير؟"

"شكراً لملاحظتك"، قال ديفيد بابتسامة.

"لقد بلغت هذه الرتبة مؤخراً".

اتسعت عيناه. كم فاته يا ترى؟

"حسبنا ثرثرة"، قاطعه زيك.

استقام ديفيد فوراً، وتلاشى كل مزاح.

"أوامرك؟"

"هناك ساحر كبير ذو تقارب ناري قادم إلى هنا، غالباً من الفويركرانز. أوقفه".

"أوقفه؟ ألا أقتله؟"

هز زيك رأسه.

"اقتله إن استطعت، لكن لا تخاطر بلا داعٍ".

اومأ ديفيد دون تردد. غاص جسده في الأرض، مندمجاً مع الظلال حتى اختفى تماماً. قبل أن يسأل ليو شيئاً، هبط شخص آخر من السماء، امرأة مذهلة ذات شعر أبيض شاحب ومعطف فرو ضخم. لم تهبط على قدميها. بل سقطت على ركبة واحدة، وراسها منحنى للأسفل. بعد نبضة قلب، لامس شكل آخر الأرض بجانبها، شخص عرفه ليو.

"آش؟"

ابتسم الشيميروي بخفة نحوه، مؤمئاً لريبر.

"زيلكاراس"، قال زيك بصوت متجهم.

"أرض محروقة. لا تبقِ جندياً واقداً. أي شيء بلا أذنين مدببتين يسقط. مفهوم؟"

نهضت المرأة، وبدت على وجهها نظرة تصميم شرس.

"كما تأمر، السلف".

بإشارة من يدها، استدعت قوى خفية لتتحرك، ثم انطلقت راكضة. بعد لحظة، تلتها الارتطامات، واحداً تلو الآخر، ثم العشرات. لم تكن خطوات أقدام، بل شيئاً أثقل. حين استقر الرماد، رآهم ليو بوضوح: عشرات، بل مئات من الكائنات البشرية ذات الأجزاء السفلية الأفعوانية تتسابق خلفها. كان تشكيلهم محكماً، وحركاتهم منضبطة ومدرّبة.

"...آش"، تابع زيك، متجهاً إلى الشيميروي.

"عليك إنقاذ أكبر عدد ممكن من أعضاء المقاومة".

ناولها مخطوطة.

"هذه خريطة لكل جيب وجدته في طريقي إلى هنا. استعجل".

أومأ آش، وبإشارة مشابهة، استدعى العشرات من الأشكال من القلعة الطائرة، كائنات تشبه الذئاب، يحمل كل منها الحضور الشرس ذاته الذي يحمله آش نفسه.

"...من هؤلاء؟"

سأل ليو، وتتبعت عيناه المجموعتين وهما تختفيان في أعماق الغابة.

"قوات الصدمة"، قال زيك، كأن ذلك يفسر شيئاً.

التفت ليو ليطلب توضيحاً، لكن الكلمات ماتت في حلقه. ظهر شخص آخر من القلعة الطائرة. لم تسقط بقدر ما انزلقت، وبدا أن الهواء نفسه يحضن هبوطها. هبطت بلطف، كأن ورقة شجر تقبّل سطح بحيرة ساكنة. أول ما لاحظه ليو كان أذنيها الطويلتين الأنيقتين، أشد حدة بكثير من آذان نصف الإلف الذين قاتل إلى جانبهم لأشهر. الشيء التالي كان جمالها. جمال يتحدى الكلمات، وخال لدرجة جعلت كل امرأة أخرى تبدو ناقصة بالمقارنة.

إن كان هذا هو مظهر كل الإلف، فلا عجب في أنهم يحملون هذا الشعور بالتفوق الذي لا يزعزع. لكن مظهرها لم يكن ما حبس أنفاسه. بل كان الحجم الهائل لطاقتها السحرية. كانت تتدفق منها كالأمداد القادمة من محيط لا نهائي، وكل نبضة أقوى من أي شيء استطاع ليو استدعاؤه بأقوى تعويذاته. كانت هذه المرأة أقوى من ديفيد. وأقوى من أي شخص تقريبا قابله في حياته.

ما إن لامست قدماها الأرض حتى بدا أن التراب نفسه يتحرّك. انتفض العشب الذابل وعادت الألوان إلى الأوراق الباهتة. حتى أن تنفّس الخيمروي المصاب الخشن قد هدأ كأن العالم تذكّر كيف يعيش. مسحت الغابة بنظرة خالية من أي شعور. ما إن رأت هيئات رفاق ليو التي حفظها سحر زيك حتى قطبت حاجبين قليلاً. أغمضت عينيها وبسطت ذراعيها. بعد لحظة شعر ليو بالمانا تتدفق منها كسيول لا تنقطع. غاصت في المصابين كمطر في صحراء.

ومثل تلك الصحراء شربت أجسادهم بنهم. شهد ليو التغيرات في الحال. استعادت الوجوه الشاحبة الميتة ألوانها. التئمت الجروح المتمزقة. صار التنفس الصعب سهلاً. في لحظات معدودة صار رفاقه جميعاً الواقفين على حافة الموت أصحّاء كأنهم ينعمون بنوم هادئ. لم يقت الأمر على ليو بل كاد ريبر خلفه يسقط فكّه من الإذهال. من تكون هذه المرأة؟

قال زيك بالصبر الآمر نفسه الذي استعمله مع البقية: "رايلي. أجعلك مسؤولة شخصياً عن حياة الجميع".

فتحت المرأة عينيه والتفتت إليه. توقع ليو أن تقطب وأن تعترض أو تغضب من نبرته على الأقل لكنها لم تفعل. بقيت واقفة هناك صامتة ومنصتة.

"بدون إذن مني لا يموت أحد في هذه الغابة. ولا حياة واحدة. أفهِمت؟"

أجابت الجنية بصوت ناعم وشجي: "فهمت".

أطال زيك النظر في عينيها.

"سيّد نمور وسيّد تنانين يتولان حمايتك ولك الحرية في إمرتهما كما تشائين".

"فهمت".

"جيد".

التفت زيك إلى ليو وتبدلت نبرته.

"هيا بنا".

"...إ إلى أين؟"

من بين مئة سؤال تزاحم في عقله كان هذا وحده ما استطاع ليو نطقه. ابتسم زيك وزالت القسوة عن وجهه.

"إلى أين غير الإسكندرية؟ سأريك المكان".

رفع ليو نظره يبحث عن شكل سفينة هوهينهايم المألوفة لكنه لم يَر سوى الجبل العملاق العائم يحجب السماء. لاحظ زيك النظرة فضحك.

"أتتساءل أين هي؟"

أومأ ليو بصمت فاتسعت ابتسامة أخيه.

"أنت تنظر إليها يا أخي الصغير".

أشار نحو القلعة الضخمة في الأعلى.

"الإسكندرية تقابل ليو. وليو يقابل الإسكندرية الجديدة".

فرغ وجه ليو من التعبير. هذا... هذا أكثر مما يحتمل. كون ديفيد ساحراً عظيماً؟ أمر معقول. قيادة زيك لمئات الجنود النخبويين؟ متصوّرة. معالجة جنية تعمل لديه؟ لا تزال في حدود الممكن. لكن هذه المدينة العائمة التي تبدو وكأنها تتحدى كل قوانين الطيران المعروفة تخص عائلتهم؟ ليست إعارة من التحالف ولا أصلاً استراتيجياً لمهمة خاصة بل ملكهم؟ وحقيقة أن زيك سماها الإسكندرية تعني على الأرجح أنه بناها بنفسه.

"...حسناً لنذهب".

خرجت الكلمات جافة وبصوت خالٍ من أي شعور. بدا أن عقل ليو الذي أثقله طوفان المستحيلات قد قرر التوقف عن مساءلة الواقع تماماً والانقياد وحسب.

ابتسم زيك ورفع يده. التفت طبقة خفيفة من المانا حول جسد ليو كجلد ثانٍ. ثم حدث طقطقة خفيفة واختفى العالم عن الأنظار.