أنزل زيك يده. راح يتابع الأشكال المنسحبة. عبر الوفد الجينيّ بوابة عقاره واختفى عن الأنظار. لم يعد يستطيع هذه المرة استشعار سحر الحياة لديهم وهم يشقّون طريقهم في شوارع الدائرة الثالثة. السبب بسيط. أدار رأسه نحو مصدر سحر الحياة القويّ الواقف بجانبه.
— لم أكن أظنّك أنتِ.
أمالت رايلي رأسها بغطرسة.
— ولم لا أكون أنا؟
أم إنّك غيّرت رأيك فجأة أيّها البشريّ؟ هزّ زيك رأسه. لم يزعجه موقفها قطّ. لا شيء يستطيع تعكير صفو مزاجه الآن. هذه نعمة حقيقيّة. لم يجد معلّمة استثنائيّة لمايا فحسب، بل ضمن أيضاً عون رئيسة سحر حياة. تأتي السعادة فرادى وجماعات. أشار زيك إلى خادم وهو يدير قفاه لينصرف. سيتولّون أمر إقرار ضيفته الجديدة. وحالما بدأت العجلة بالدوران، وجد نفسه ضيق الوقت فجأة. ألفت ألف مسألة انتباهه دفعة واحدة.
وقبل أن يبلغ الباب، أوقفه صوت رايلي. حمل صوتها هذه المرة قدراً أقلّ بكثير من التعالي.
— أودّ الحديث إن سمحت.
توقّف زيك. رغم اتّفاقهما على إعانة رايلي له، ظلّت طبيعة علاقتهما غير محدّدة. رئيسة سحر، بغضّ النظر عن عرقها، لا تُعامل معاملة خادم عاديّ. وسيقع على عاتقه وضع الشروط. أومأ برأسه إيماءة خفيفة.
— امشِ معي.
خطوة محسوبة. دلّت على أنّ وقته ثمين، وأنّه إن أرادت شيئاً منه فعليها ملاقاته في المنتصف. خطت رايلي دونه تردد. انتظرت حتى يمنحها الإشارة قبل أن تتكلّم.
— أودّ معرفة واجباتي بالتحديد طوال مدّة بقائي في خدمتك.
فوجئ زيك بعض الشيء، غير أنّه كظم مفاجأته. أدرك أن الجِنّ يعيشون في ظلّ تسلسل هرميّ صارم، لكنّه لم يتوقع أن تنساق حتّى رئيسة سحر بالسهولة هذه. استحضر عقله فوراً قائمة بالواجبات وكأنّها أُعِدّت منذ زمن طويل. سيكون إبقاء الجنيّة تحت السيطرة أيسر بكثير بالتعامل معها كأحد أولئك الرؤساء الصصارم الذين اعتادتهم. وبناءً على ذلك، لم يُمَسْ صياغة أيّ شيء فرع طلب، بل أوامر بحتة.
— حتّى نتوجه إلى روكيا، ستعملين رئيسة للمضمّدين في الدار، وتعالجين أيّ إصابات كيفما كانت.
وثانياً، لكِ التجوّل في أرجاء عقاري، غير مسموح لك بمغادرته. وثالثاً، ستؤدّين دور معلّمة مبدئيّة لأختي إلى أن تلتقي بمعلّمها الرسميّ.
— مفهوم.
خرجت الكلمة بطبيعيّة، وكأنّها تلقت الأوامر على هذا النحو مراراً من قبل. حسن. لقد أثبت نفسه بنجاح رئيساً في مخيلتها. كلّ ما يحتاجه الآن هو الحفاظ على التمثيل حتّى ترسخ الفكرة بعمق. —...أي شيء آخر؟
— سأل بينما استمرا في المشي.
— كنت أتساءل كم سنبقى هنا قبل الارتحال نحو الأراضي المنخفضة.
الأراضي المنخفضة. الاسم الذي يطلقه المختارون من إيغدراسيل على أراضي أبناء عمومتهم البعيدين. أو بمعنى آخر، الاسم الجينيّ لروكيا. هزّ زيك رأسه.
— سأصحب أختي في غضون أيام قليلة لزيارة وطنكم.
إن — وفقط إن — كان كلّ شيء على ما يرام، فسأشرع في ترتيبات الرحيل.
— مفهوم.
ألقى زيك نظرة جانبيّة. ما زالت الجنيّة تحافظ على خطاها بجانبه. بدا أنّ الإصرار صفتها الحقيقيّة، متجاوزاً جمالها الذائع.
— أيّ شيء آخر؟
— سأل مرّة أخرى.
أومأت دون تردد.
— هل يُسمح لي بمرافقَتِك في رحلتك إلى الوطن؟
— لا — قال بلا تردد.
— لا أبتغيضممّداً أثناء زيارتي لقومك.
ولكِ واجباتك الخاصّة، أليس كذلك؟
— مفهوم — قالت للمرة الثالثة.
بدت هذه المرة راضية وتوقّفت أخيراً عن تتبّعه. لم يلتفت زيك، ولم ينظر خلفه. غير أنّه في اللّحظة التي تجاوز فيها المنعطف، اختفى عن الأفق. لم يكن المسير بأسره سوى واجهة ليوحي بالانشغال. في الحقيقة، لم تكن له حاجة لمشّي في أيّ مكان. كان بمقدوره عبور الفضاء بحرية داخل حدود نطاق إدراكه. وكذلك، كانت الأسباب التي ساقها لها لعدم اصطحابها إلى إيغدراسيل أنصاف حقائق فحسب. ورغم أنّه استبعد احتياجه لمضمّد هناك حقّاً، إلا أن السبب الحقيقيّ اختلف: لم يشأ أن يرى قومها وهي تتصرف بخنوع أمام بشريّ.
سيستدعي ذلك السخرية، ويخاطر بتقويض علاقتهما المستقبليّة. لكنّ هذا كلّ ما يستطيع منحه من اهتمام لتلك الجنيّة. طالما عزم على خوض الحرب، تطلبت مسائل لا حصر لها تركيزه. رغم ثقته، لن يلقي زيك بنفسه في أتون الخطر دون إعداد بضعة أوراق رابحة. عمل على بعضها منذ فترة. لكنّ الأفكار وحدها لا تكفّي. حان وقت الفعل. ولحسن الحظ، صار عبء العمل الساحق قابلاً للإدارة إلى حدّ كبير بفضل أكاشا.
فحتى أثناء مشيه مع رايلي، شرعت الروح في تنفيذ خططه مسبقاً. عندما ولج زيك دراسته، وجدها تعجّ بفوضى منضبطة. كانت الرسائل تُخطّ، والأوامر تُصدر، والاستراتيجيات تُصاغ. وفي قلب كلّ ذلك وقفت أكاشا. مثّل حضورها الهادئ والمنعزل تناقضاً صارخاً مع الدوامة الدائرة حولها. بدت — وكانت حقّاً — عين العاصفة، بمنأى عن غضبها. بالطبع، لم تحتاج الروح للظهور في جسد ماديّ لأداء تلك المهام.
فعلت ذلك نيابة عنه، ليبدو حديثه طبيعيّاً حين ينطق بصوت عالٍ.
— كيف هي الأمور؟
— لا عقبات غير متوقّعة.
رغم تحرّك شفتيها وخروج صوتها بطبيعيّة تامة، أدرك زيك أن مظهرها وكلامها لم يكونا سوى أوهام حِيكت مباشرة في ذهنه، خفيّة عن أيّ ناظر سواه. بإيماءة حازمة، خطا خلف مكتبه، متفرّساً ببصره بين نحو دستة من الرسائل التي تُحرر دفعة واحدة. خُصصت هذه الرسائل لمن هم أمسّ بحرص معرفة قراره بإعلان الحرب. تصدّر ديفيد القائمة، وهو من يقود إصلاحات المدينة السفلى. أشارت آخر التقارير إلى سلاسة التقدم، دون تحرّك أيّة قوى خارجيّة لقمع نموّهم.
قد يتغير ذلك بمجرد رحيل ديفيد، بيد أنّه لم يملك خياراً. لم يستطع ترك رئيسة السحر الوحيدة في خدمته خلفه بينما يزحف نحو الحرب. لم يملك سوى الأمل في أن المدينة السفلى قد نضجت بما يكفي للوقوف بلا أيدي ديفيد الخفيّة التي توجه مجريات الأمور وتزيل العقبات. أما الرسائل التالية، فكانت للكيمرويّين الثلاثة الباقين في البراري. سيبقى آش في مكانه، مستمراً في أداء دور حلقة الوصل مع وينتر وقومه.
أمّا غرافيتا، وفولكانوس، وجيشهما الصغير من محاربي الصقيع، فسينضمّون إليه في حملته. شكّلوا القوة القتاليّة الوحيدة القادرة على الحشد حالياً، وسيتوجّب عليه الاعتماد عليهم إن أراد إحداث أيّ أثر ذي بال في ساحة المعركة. وكانت الرسالة الأخيرة ليو، تحثّه على الصمود لفترة أطول قليلاً. أومأ زيك موافقاً بينما تصفّح الرسائل بعينه. العبارات المقتضبة، وإيقاع الكلمات — لو لم يكن يعلم لظنّ أنّه كتبها بنفسه.
باتت أكاشا بارعة بشكل مرعب في محاكاة أساليبه.
— وماذا عن...
قبل أن يتمّ حديثه، رفعت أكاشا يدها مشيرة نحو مكتب آخر. عبر زيك المكان، بينما مسحت عيناه المخططات، وتعليمات البناء، والرسومات البيانية، وقوائم المواد التي تأخذ شكلها. تلك إحدى أوراق رابحه. ستعمل الإسكندرية، سفينته الحربية المجهزة سكناً طافياً، قاعدة متقدّمة متحرّكة. غير أن سفينة المدمرة العتيقة تطلبت عمرة ثقيلة لتلتقي بمعاييره. وباعتباره الرجل في طليعة تكنولوجيا السفن الطائر، تعذّر عليه ركوب تحفة تعود لقرن مضى إلى الحرب.
مثّلت الخطط التي تكمل أكاشا صياغتها هنا ثمرة مشروع ظلّا يطوّرانه منذ ابتكار الطيف. بقيت بعيدة عن الاكتمال، لكن ما أنجزتاه بالفعل كافٍ لإرساء وظائف أساسية. أمّا البقية، فيطورونها على طول الطريق. فرك زيك ذقنه مطالعاً المخططات. ضُمّنت بعض المفاهيم التي ظنّها ما زالت قيد التطوير في التصاميم المبدئية بالفعل. بدا أن أكاشا احتفظت ببعض ما في جعبتها. فاق هذا ما تمناه. مطمئناً إلى استقرار الأمور، التفت مجدداً نحو الروح — وإن لم تكن ثمة حاجة للحديث.
كما توقّع، أشارت أكاشا سلفاً إلى مكتب آخر، ذاك الذي يغصّ بأعظم نشاط. ومن الواضح أنّه حيث تركز الجزء الأكبر من اهتمامها. عندما خطا نحوه، تبين له السبب. عشرات — بل مئات — من الوثائق جرى الرجوع إليها، ومتراكبة في أساس استراتيجيته تجاه روكيا. وكما وعدت، مدّته ليريل بأسماء القوى الأخرى التي وافقت بالفعل على صفقة الجِنّ، وستتوالى التحديثات كلّما ظهر حلفاء جدد. لكنّ الأسماء التي حازها الآن وحدها كفيلة بشغل أكاشا وقتاً طويلاً.
ومما يفوق الأسماء أهمية، القوى التي ستساهم بها كلّ جهة. لن تخاطر أيّ من العائلات الكبرى بنشر قوتها كاملة. سيحدد عدد الجنود ونوعيتهم مدى جدوى نفعهم حقّاً. وثمّة مخاطر خفية. احتمال تلقي إحداها رشوة من الإمبراطورية ضئيل، لكنه ليس صفراً. ولن يترك زيك مثل هذه المخاطر دون تدقيق. كانت أكاشا تنقب سلفاً في خلفيات كلّ عائلة، مسلطة الضوء على من قد يستوجب فحصاً أدقّ. سعى ضخم، يشغل شبكة تجسس بأكملها أسابيع، وربما أشهراً.
مع ذلك لم يشكّ زيك في قدرة أكاشا على إدارتها. فحتى أدنى خيط — شراء الحبوب، شحنة الفولاذ — قد يكفيها لاستخلاص استنتاجات تخفى على أيّ إنسان آخر. قفز اسم واحد من القائمة لحظة رؤيته. قاطع الدماء. عائلة أبيه العريقة. تلك التي طرحته جانباً لفشله في تلبية معاييرهم. حاولوا استمالة زيك منذ ظهوره على المسرح العالميّ. لكنّه علم بعدم تقديرهم له، حقّاً. بصفتها ساحراً ذا توافقات مختلطة، لم يعلّقوا آمالاً تذكر على مستقبله الشخصيّ.
ما ثمّنوه هو سلالته. جعله توافقه المثاليّ لسحر الدم وعاءً مثاليّاً لإنجاب ذرية عالية التوافق حين يُقرن بالشركاء المناسبين. حياة فحل — محكوم بإنجاب أطفال استثنائيّين مع بقائه هو غير استثنائيّ. نادراً ما وُجد قدر مقيت لزيك قدر هذا. طبيعيّاً، قوبلت توسلاتهم بآذان صماء، وفشلت محاولاتهم للنيل منه قانونيّاً أيضاً. وخاصّة الآن، مع ترسيخ مكانته بوصفه أحد أسياد التجارة في تريدسباير — لقباً اعتبره الكثيرون أرفع شأناً من قاطع الدماء، عائلة عادية من عائلات البسالة.
مع ذلك، استطاع زيك رؤيتها مسبقاً. سيستغلّون هذا النزاع فرصة أخرى للاقتراب منه. سواء أثبتت تلك الصلة نفعاً أم لعنة، يبقى الأمر قيد التجليّ، لكنّه سيبقي عينيه مفتوحتين على هؤلاء الأقارب الاسميّين — إلى جانب آخرين كثر. لقد استغرقه الاندماج في قائمة العائلات لدرجة منعه من ملاحظة بروز تجسيد أكاشا أمامه. لم يدرك وجودها إلا حين نطقت.
— ماذا هناك؟
— ثمّة مهمّة أخيرة يجب إنجازها — قالت بنبرتها المستوية.
— مهمّة لا أستطيع القيام بها عوضاً عن المضيف.
تجمد زيك. عرف للتوّ المقصود. الخطوة التي هابها أشدّ رهبة، تلك التي أرجأها بلا وعي حتى الآن. بتنهيدة، انتزع عينيه عن عملها.
— أين هم؟
—...على وشك تناول العشاء. أومأ زيك.
— تواصلي العمل الجيد، أكاشا.
وبهذه الكلمات الفاصلة، اختفى من الدراسة ليظهر في غرفة أشدّ عاديّة، حيث جلس خمسة أشخاص متجمّعين حول طاولة طعام. تجمد المشهد ما إن تجسد خلف الكرسيّ الفارغ الأخير.
— هل صنعتم ما يكفي من أجلي؟
— سأل بابتسامة متكلفة بعض الشيء.
تباين تعبيره تناقضاً حادّاً مع وجه أمّه المتهلل.
— دائماً يا زيك، دائماً.
تعال، اجلس، اجلس! ألقى زيك نظرة حول الطاولة ليجد كلّ زوجين من العيون مثبتاً عليه. أمّه، وأبوه، وأخته — إلى جانب لوي وجدها جيت. جلس ببطء، دافعاً أمّه لملء طبقه بينما تفكّر في أنسب السبل لإعلان الخبر. لن يمرّ هذا بيسر.