ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 501 — خاتمة: ألسنة لهب تلتهم كل شيء

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 501 — خاتمة: ألسنة لهب تلتهم كل شيء باللغة العربية على مانجا تايم.

لا تبطئوا! أيقظ الصوت ليو من ذهوله لكن الوضوح دام نبضة واحدة. عاد وهن الجسد ليفرض نفسه فوراً. احترقت رئتاه بشراسة حجبت ألمها كل حس آخر. خدرت ساقاه وصار وزنهما يجره مع كل خطوة. مع ذلك لم يتراجع. التردد موت. الضعف موت. التراخي موت. تلك كانت حقيقة حياته منذ وطئت قدماه هذا المكان الملعون ومنذ اشتبك لأول مرة مع الفيلق الشرفي. عبر عينيه الغائشتين استطاع تمييز الأشكال من حوله: رفاقه القللة الباقون من كوروفان.

عبيد سابقون تحولوا إلى جنود. واجه كل منهم الموت مئة مرة إلى جانبه ودفع كل منهم الثمن. لم يبق من عددهم الأصلي سوى أقل من أصابع اليد الواحدة. جرى حولهم أناس طوال بشعر شاحب. كانوا نحيلين ورشيقين وصاروا الآن مغطين بالتراب والقاذورات إثر أسابيع من المعارك الضارية والانسحابات اليائسة. لم يبق شيء يذكر من تراثهم الجني النبيل. المقاومة. على الأقل هذا ما سموا به أنفسهم. لكن الأمر كان أمنية خيالية لا حقيقة واقعة.

في الحقيقة لم يكونوا سوى الأكفأ بين الضحايا والأسرع في الانسحاب قبل التعرض للقطع. قاتلوا نعم لكن فقط للبقاء. الشيء الوحيد الذي قاوموه حقاً كان إعدامهم الوشيك. أعادها ألم حاد إلى رشده. احترق كتفه كأنه مخترق بإبرة — لا بواحدة بل بخمس. أكدت نظرة خاطفة الأمر: مخالب المخترق مغروزة في لحمه. رفع ليو نظره ليجد وجهها قريباً جداً من وجهه. حدقت به المرأة السنّورية بالجدية المنهكة نفسها التي لازمتها لأسابيع.

لا تبطئوا. كررت الكلمات بهدوء هذه المرة ورغم ذلك أصابته بعنف أكبر من ذي قبل. حينها فقط لاحظ ليو أن خطواته تعثرت وأن رفاقهم كانوا يبتعدون أكثر مع كل لحظة. أغمض عينيه وأجبر نفسه على الهرولة البطيئة. تحركت المخترقة إلى جانبه غير راغبة في الثقة بأنه لن يتخلف مجدداً إن ترك وحده. كان ممتناً لعنايتها. لم يكن يثق بنفسه أيضاً. رغم كل الوقت المقضي معهم لم يكن واحداً من الشيمروي وكان جسده البشري أضعف بكثير من أجسادهم.

وفي حين اعتادوا التراجع المحموم والركض لا ينفك كل يوم يتركه أكثر استنزافاً. وفيما صار يكافح للحفاظ على هذا الإيقاع البطيء كانت المخترقة تهرول إلى الخلف وتفحص عيناه الحادتان السماوات. عرف تماماً ما تخشاه. طائرات الإمبراطورية. إن رصدوا الآن فالراحة مستحيلة — سيمتد هروبهم لأيام. كانت الطائرات مثل كلاب الصيد. حين تلتقط أثرك يصبح التخلص منها شبه مستحيل. وحدها مغادرة نطاقها بالكامل تكفل إجبارها على التراجع.

أسهل قولا منه فعلا. بإرشاد من شبكة خفية لسحرة العقول تحرك الفيلق الشرفي بتنسيق تام. لم يكن هناك احتكاك بين الوحدات ولا سوء إدارة يمكن استغلاله. تباادلوا المعلومات فوراً عبر أي مسافة وشنوا ضربات منسقة دون إعداد أو إنذار. كأن عقلاً واحداً يدير الغزو بأسره ويحرك كل قطعة بدقة متناهية. تلك كانت قوة الفيلق. تلك كانت قوة الإمبراطورية. مع كل يوم يقضيه في هذه المنطقة الحربية الضارية بات ليو يفهم بوضوح أكبر بطش الإمبراطورية القمعي.

لم يكن عجيباً اعتبار الكثيرين التقارب العنصري أعظمها. ليس لأن أياً منها سيطر وحده بل لكونها شكلت معاً قوة مدمرة. حمل الريح جواسيسهم أسرع من أي عدّاء. أمّن التراب مواقعهم بدفاعات منيعة. تحكم الماء الأنهار والبحار والبحيرات. وأحرق النار كل ما وقف في طريقهم. صنع هذا جيشاً بدا عصياً على الهزيمة. ورغم نجاح التحالف في إيقافهم على الجبهة الشرقية تطلب الأمر سنوات من الاستعداد والتضحيات المذهلة.

هنا ظهرت قوة الإمبراطورية المدمرة جلية. كان الفيلق الشرفي نوع القوة القتالية النخبوية التي تحلم كل أمة بامتلاكها. جيش مؤلف بالكامل من سحرة حيث يعادل أضعفهم ليو وطاقمه. رغم اعتباره نفسه بارعاً لم يكن ليو واثقاً من قدرته على مواجهة أكثر من اثنين منهم في آن واحد. حول تنسيقهم ووحدتهم أعدادهم إلى سلاح أكثر فتكاً من أي تعويذة. وللمرة الأولى منذ ذهابه إلى الحرب شعر ليو بالعجز التام.

هنا لم يكن سوى ذرة غبار تحملها قوى الفاعلة الحقيقية وتسحقها. جعله ذلك يدرك مدى عزلتهم على الجبهة الشرقية حيث حارب إلى جانب سلال بيوت النبلاء الشباب. اعتقدوا أنفسهم محاربين عظماء يصطدمون بالإمبراطورية. وحدها اللحظة كشفت له أن تلك المعارك لم تكن سوى معارك أطفال فيما دارت الحرب الحقيقية في مكان آخر. لكنه تخلى عن ذلك الأمان حين اختار المجيء إلى روكيا. اختيار أحمق. اختيار كلفه ورفاقه الكثير.

دفع الكثيرون الثمن الباهظ جراء غروره. أثقلت تلك الفكرة كاهله أكثر مما فعل الإرهاق. أدرك ليو مجدداً أنه لم يكن أهلاً لوزن القيادة. أرسله زيك إلى الجبهة تحت حماية التحالف وفي تلك البيئة ازدهروا. كان المكان المثالي. لكنه لم يكفه. شعر بالاختناق من الرقابة المستمرة. ظن نفسه قادراً على المضي بمفرده. لو أنه فقط… لو أنه ملك نصف دهاء أخيه بالتبني لما قاد رجاله إلى موتهم بهذه العبثية.

لما وقف عاجزاً بينما يحترقون حتى الرماد تحت طوفان من النار. عضّ ليو على شفته وأعاد عقله إلى السيطرة. لم يكن الوقت مناسباً لمثل هذه الأفكار. لتنتظر لائمته لنفسه حتى يأمنوا. فتح عينيه على وسعيهما لامحاً ما تمناه بيأس في الأفق. أخضر. لون الأمان. ارتفعت غابة شاسعة ببطء إلى الرؤية وجلبت كل شجرة قدراً ضئيلاً من الراحة. رغم كل شيء ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه مع حدة الأشكال الأولى أمامه.

حتى كتفا المخترقة المتوترتان استرختا حين اجتازوا ظل المظلة الشجرية. لن يرصدهم أي طيار هنا. كان الملاذ الحقيقي الوحيد المتبقي ضد مطاردة الفيلق الشرفي المستمرة. ربما لهذا حرصت الإمبراطورية على إحراق الغابات حتى الارض. لحسن الحظ استطاع سحرة الطبيعة الكثيرون بين أنصاف الجان إعادتها بالسرعة نفسها التي التهمتها بها النيران. كان ذلك السبب الوحيد لبقاء المقاومة حتى الآن.

دخلوا الغابة بالتزامن مع رفاقهم بعدما لحقوا بهم أخيراً. قادهم زعيمهم إلى العمق متحركاً بيقين عارف بالدرب. قريباً صارت الغابة كثيفة جداً لدرجة استحال معها العبور — لولا الدرب الذي بدا منفسحاً لهم وكأن الغابات ذاتها ترحب بهم. تبع ليو بخطوات حذرة سامحاً لجسده بالاسترخاء أخيراً. كانت هذه اللحظات نادرة وعرف وجوب الاستفادة من كل ثانية. لا أحد يدري متى يجبرون على الهزيمة مجدداً.

أخيراً وصلوا أمام حاجز من الطبيعة الخام وبدا منيعاً كجدار صخري. توقف زعيمهم. أنا راندار زعيم السابعة. تبع ذلك صمت لم يكسره سوى صوت تسلل من مكان ما داخل الجدار الحي. من أين أقبلت يا راندار؟ نأتي من أقصى الغرب. كنا متمركزين مؤخراً في غابة داسكوود. …ما الذي حدث في داسكوود؟ حمل الصوت حافة حادة من القلق. قبل خمسة أيام تعرضت الغابة للهجوم. عجزنا أمام قوتهم. وقف أخرى. …وماذا عن حراس الغابة؟

هز راندار رأسه. آخر عهدي بهم أن كل واحد منهم وقف ضد نيران الفيلق الملتهمة. أفلتت شتيمة من المتحدث الخفي ومع ذلك انفتح درب داخل الجدار. ادخلوا. سريعا. تسللت فرقتهم إلى الداخل وانغلق الحاجز خلفهم بسلاسة افتتاحه. وجد ليو نفسه في مساحة شاسعة. استحالت رؤية الشمس عبر المظلة الكثيفة وتوهج المكان بباقات من الزهور المضيئة حيوياً والطحالب المتشبثة بالأشجار. غمر ضوء تركواز كل شيء تاركاً ظلالاً غريبة عبر كل وجه.

اعتاد ليو الأمر منذ زمن. تشابهت المخابئ جميعها. قف! صدر الأمر من شاب يقود فصيل محاربين أحاطوا بهم سريعاً. امتثلوا بلا تردد. عرف ليو مغزى الأمر مسبقاً. اقتربوا مني فرداً فرداً أمر الرجل ممسكاً بزهرة غريبة في يده. تقدم راندار أولاً. وحين خطى للأمام مد الرجل الزهرة نحوه. وعندما غابت أي ردة فعل أشار له بالمرور. تلو الآخر تبع الباقون وعبر الجميع بلا حوادث. كانت العملية بطيئة ومؤلمة لكنها ضرورية تماماً.

وأخيراً جاء دور ليو. تثبتت عيناه على الزهرة راجياً عدم تفاعلها. مرت لحظة ثم أخرى وبقيت الزهرة ساكنة. أطلق ليو زفرة حين أومئ له بالمرور. تفاعلت زهرة آكلة العقول كما سميت بقوة مع وجود سحر العقول. كانت طريقتهم الموثوقة الوحيدة لاستئصال من وقعوا تحت تأثيره ضمانة ولدت بعد سقوط قواعد كثيرة جداً بيد الخونة. الأسوأ؟ لم يدرك معظم أولئك الأشخاص تعرضهم للاختراق حتى. فكرة مبردة.

إن قُبض على ليو يوماً وتحول إلى دمية جاهلة لما تذكر ذلك. وحدها الزهرة كشفت هذا الفساد. قبل السماح لهم بالتوغل رفع الحارس يداً موقفا المجموعة. أيكم ليو فون هوهنهيم؟ تقدم ليو معتاداً الروتين. وكالمتوقع مد الرجل يده لثوبه وأخرج رسالة مختومة. …حين تراه اشكر أخاك على المعلومات التي قدمها أليس كذلك؟ قال الحارس ناظراً إليه بلمسة احترام. أومأ ليو متقبلاً الرسالة. توقع زيك تحركاته مجدداً وأرسل خبراً مسبقاً.

بلغ الأمر مبلغاً مخيفاً من استشراف المستقبل لكن ليو امتن. وبفضل شبكة حزقيال رحب به أينما حل بشرياً كان أو غير ذلك. فور فضه الرسالة لاحظ ليو اقتراب المحيطين منه. لم يمنعهم. حملت رسائل حزقيال دوماً أخبار الحرب الأوسع وتحديثات العالم وحتى تقارير مفصلة عن تحركات الفيلق الشرفي. مثلت تلك المعلومات الفارق بين الموت والحياة لذا لم يحتفظ ليو بها لنفسه. رغم حكمته تحرك الأمل فيه دوماً كلما تلقى إحدى الرسائل.

ومراراً سحق ذلك الأمل ومع ذلك سمح له بالصعود جديداً حمقاً كان أم صواباً. سبقت عيناه السطور الأولى مستعداً للإحباط لكن… تموجت همهمات حماسية وسط المجموعة. طور التحالف أداة لنقل الرجال والإمدادات خفية عن الإمبراطورية؟ تقدم على الجبهة الغربية؟ تعزيزات محتملة الوصول خلال أسابيع؟ اجتماع الجان لمجلسهم الأعلى لمعالجة محنة روكيا مجدداً؟ كاد ليو يعجز عن تصديق ما يقرأ. أكان حقيقياً؟

بعد أشهر من اليأس المطلق بدأ المد ينقلب أخيراً؟ ماذا تقول؟ سألت المخترقة بجانبه. ورغم عجزها عن القراءة بدا الحماس في الأجواء جلياً. فتح ليو فمه لكن بلا صوت. تشققت شفتاه وجف حلقه. وبجمع ما تبقى له من رطوبة نجح في إطلاق كلمة واحدة متهدجة. أمل.