نهض زيك مع الفجر ليتوق إلى اختبار ما استجد له من علم بسحر الدماء. أمضى الليلة الفارطة منكباً على الكتب المحرمة يدوّن الملاحظات ويرسم التخطيطات وهو يغوص أكثر في أسرار هذا الفن السحري القوي والمذموم غالباً. وحين خطا خارجاً إلى الهواء الصباحي المنعش، لم يستطع إلا أن يشعر بنبضة حماس وترقب للتقدم الذي سيحرزه اليوم. أخذ زيك نفساً عميقاً وبدأ يركز سحره مستدعياً طاقة دمائه لتسري في عروقه.
استهل الأمر بتمارين بسيطة، مجرباً طرائق مختلفة لتوجيه السحر والتلاعب به بما يخدم حاجاته. ومع استمراره في العمل، وجد نفسه يزداد ثقة في بعض السبل حديثة العهد وأكثر سيطرة على طاقته. وفي اللحظة التي كان يحاول فيها الشروع في تدريبه بجدية، سمع أحدهم يناديه.
قال ماكسيميليان مقترباً منه في ساحة التدريب خلف القصر: "يا بني زيك، سيكون من الحكمة أن توفر طاقتك لما بعد عودتك من المدرسة اليوم. تذكر أن اليوم هو اليوم الأول لحصص القتال. ستحتاج إلى كل تركيزك وطاقتك لتقدم أفضل ما لديك".
توقف زيك متدبراً كلمات معلمه. لقد كان مشتاقاً لتجربة بعض الأفكار الجديدة التي استنباطها لسحر الدماء بعد مطالعته للكتب المحرمة طوال الليلة الماضية. لكن ماكسيميليان كان محقاً؛ فاليوم يوم مهم.
أجاب زيك متنهداً بعمق: "أنا أفهم يا ماكسيميليان. لكني واثق من مقدرتي. لقد حظيت بخبرة وافرة في صيد الوحوش الفصل الدراسي المنصرم، والآن بعد أن ترقيت لتوّي إلى رتبة ساحر حقيقي، فأنا على يقين من أنني سأهيمن على حصة القتال حتى وإن لم أكن بكامل قوتي".
ابتسم ماكسيميليان وتألق الفخر في عينيه، غير أن زيك لمح أيضاً طيفاً من العبث.
"ليس لدي شك في أنك ستبلي بلاء حسناً يا زيك. لكن تذكر هذا، من الحكمة دائماً ادخار قوتك وعدم الاستهانة بخصمك. خذ الأمور بروية قبل الحصة لتضمن تقديم أداء في قمة مستواك".
أومأ زيك برأسه مقتضباً وأذعن لتعنته، فانطلق باتجاه المدرسة بخطى سريعة. غير أن أفكاره ظلت متمركزة حول اليوم الوشيك والإمكانات الكامنة في سحر الدماء. وما إن بلغ ساحة التدريب حتى غمره شعور بالاضطراب. ورغم كل جهوده، ظل دائماً غريباً في المدرسة، وبدا أن هذه الحصة بالذات لن تكون استثناءً. وقف زيك وحيداً في ساحة التدريب بينما ألقت شمس الصباح الباكر وهجاً دافئاً على حشد الطلاب الصاخب.
استرق السمع لقطوف من أحاديث مجموعات زملائه المحيطة به لتتداخل كلماتهم في جلبة من الأصوات. تحدث بعضهم بحماس عن دروس اليوم، بينما تبادل آخرون النميمة حول أحدث شائعات المدرسة. وأثناء إصغائه، أدرك زيك أن بعض الحديث كان يدور حوله. استطاع التقاط مقاطع يُذكر فيها اسمه، فدفعته حشرية الفضول إلى إرهيف السمع بانتباه أكبر. دهش حين سمع أن الحديث لم يكن برمته سلبياً. بل إن معظم الطلاب الآخرين كانوا مرتبكين فحسب لوجوده، متسائلين عن سبب تغيبه عن حصص القتال حتى الآن.
وبينما كان واقفاً هناك غارقاً في أفكاره، وصل المعلم أخيراً. رمق زيك الرجل وهو يخطو بثقة عبر ساحة التدريب مطلقاً الهتافات والأوامر الزاجرة. انتظم الطلاب بسرعة، ووجد زيك نفسه مسحوباً إلى وسط الجموع يلفه تدافع الأجسام وضجيج الثرثرة من جديد. تفقد المعلم —وهو رجل طويل قامة ذو نظرة صارمة وندبة تشق وجنته— الطلاب المحتشدين أمامه. أومأ برأسه باقتضاب للمجموعة قبل أن تقع عيناه على زيك.
ضاق طرفا عيني المعلم وهو يدرسه لحظة قبل أن يتكلم.
قال بصوت عميق ومهيب: "لا بد أنك الطالب الجديد، إزيكييل. أنا المعلم داريان وسأكون معلمكم طوال هذا الفصل. لا أترقب سوى الأفضل من جميع تلامذي ولن أتهاون مع أي تقاعس".
لم ينتظر المعلم داريان رد زيك بل استأنف طوافه. طاف بأنحاء ساحة التدريب بينما تصدر درعه المهتراء جراء المعارك صريراً مع كل خطوة. سكت الطلاب فوراً ووقفوا بانتباه بينما تفقد المعلم الحصّة.
استهلالاً بدأ المعلم بصوته العميق والمهيب: "حسناً، أنصتوا جيداً. سنبدأ اليوم مجدداً ببعض التدريبات البدنية. أريد منكم جميعاً بذل قصارى جهدكم ودفع طاقاتكم حتى أقصى الحدود. تذكروا، الجسم السليم أساس العقل السليم".
بدأ الطلاب في تمارين الإحماء والاستطالة، ولم يستطع زيك إلا أن يشعر بالطمأنينة. فبصفته ساحر دماء، كان جسده أقوى وأكثر صلابة بطبيعته من ساحر العناصر. أضف إلى ذلك سلاحه السري؛ قدرته على التحكم التام بجسده بفضل مهارة [التحكم التام بالجسد]. تنقل بين التمارين بيسر مؤدياً كل حركة برشاقة ودقة. ومع تقدم الحصة، راود زيك شعور بأن الأمر سيكون نزهة بالنسبة إليه. لقد تفوق دوماً في الأنشطة البدنية ولم تكن هذه الحصة استثناءً.
لكن بعد نصف ساعة من التدريب، استدعى المعلم الطلاب مجدداً وبدت على محياه صرامة أشد من أي وقت مضى.
صاح المعلم مردداً صداه في ساحة التدريب: "حسناً، يكفي هذا القدر. حان وقت النزال. ليصطف كل اثنين معاً وابدؤوا".
وبينما أخذ الطلاب بالتفرق بحثاً عن شركاء، اخترق صوت المعلم الثرثرة مجدداً: "تمهلوا، تمهلوا. قبل أن تشرعوا جميعاً، لدي فرصة لأحدكم. فرصة للقتال ضد طالبنا المصنف أولاً في الامتحانات، الساحر الوحيد ذو الانتماء الثلاثي في الأكاديمية حالياً".
تخفق قلب زيك حين أدرك أن المعلم يتحدث عنه. لم يستطع الجزم إن كان الأستاذ يتعمد إيقاعه في المتاعب، لكن الأمر بدا وكأنّه استرعى انتباه بعض الطلاب الأشد شكيمة. وقبل أن يتسنى لأحد الرد، تقدم شاب طويل القامة. علت وجهه ابتسامة متوحشة وهو يتطلع إلى الطلاب المحتشدين.
قال: "سأخوض هذا التحدي. اسمي ليونارد، لكن يمكنكم مناداتي ليو".
قاس زيك خصمه متفحصاً العضلات المفتولة التي تتماوج تحت بشرة ليو. لم يكن الشاب قوياً فحسب بل اتسم بالرشاقة والسرعة أيضاً. وومضة افتراس في عيني ليو جعلت نبضات زيك تتسارع. لم يكن متأكداً من انتماءات الشاب، لكنه أدرك أنه بحاجة ليكون مستعداً لأي طارئ. عمد ليو بمهارة إلى جدل شعره الأشقر الباهت في ضفيرة مرخية خلف رأسه استعداداً للقتال، دون أن يحول عينيه عن زيك ولا حتى للحظة واحدة أثناء ذلك.
وما إن انتهى بعد لحظات حتى منح زيك إيماءة معلناً استعداده.
قال زيك بصوت ثابت: "حسناً، لنفعلها".
ابتسم ليو كاشفاً عن وميض أسنان أقرب إلى الحيوان منه إلى البشر.
وقال بصوت منخفض ومهدد: "لنر ما يمكنك فعله يا صاحب الانتماء الثلاثي".
لم يتردد زيك. أدرك أن ليو يحاول إرهابه لكنه لن يسمح بذلك. ركز على جوهره مستدعياً طاقة سحر الدماء. شعر بتدفّق الطاقة المألوف يتخلله بينما بدأ جسده بالتغير، فحده حواسه وتبارزت عضلاته. كان زيك مستعداً لأي شيء قد يرميه به ليو. ومع إشارة المعلم ببدء النزال، ظل كل من زيك وليو ساكنين يتقاسمان النظرات لتقييم بعضهما. أيقن زيك أن ليو أحد أشرس المقاتلين في هذه الحصة، ودل على ذلك التبجيل في عيون الطلاب الآخرين والبريق المفترس في نظراته.
عرف زيك أنه لا يملك ترف انتظار ليو ليبادر بالحركة إن أراد انتزاع الأفضلية. وبدفع من تدفق مفاجئ للأدرينالين، اندفع زيك إلى الأمام مشهراً عصاه استعداداً للقتال. غير أن ليو بدا وكأنه يتوقع كل ضرباته. فقد قوبلت كل ضربة من عصا زيك بتفادٍ مرن، وما هي إلا عُجالة حتى وجد زيك إحباطه يتصاعد. كان يرى حركات ليو بوضوح لكنه عجز عن تسديد ضربة واحدة. وكأنه كان يقاتل ظلاً أو ريحاً.
قال ليو بابتسامة ماكرة بينما يتفادى إلى اليسار منزلقاً بسهولة من هجوم زيك: "لديك نمط محدد. قطع طريق هروبي المرجح استراتيجية لا باس بها، لكن حين تصبح حركتك الوحيدة، تصبح متوقعة للغاية".
أربكت مجريات الأمور زيك. فقد توقع أن يحافظ سحرة العناصر على مسافة بينهم مستخدمين التعاويذ لإبقائه بعيداً. بيد أن الواقع جاء مغايراً لتوقعاته تماماً. كان ليو يداعبه في قتال ملتحم متجاهلاً السحر بأكمله. شعر زيك بالحرج وهو يكافح لمواكبة ليو في القتال اليدوي. وبدا اللجوء إلى السحر بمثابة هزيمة. فكيف له أن يدّعي النصر عاجزاً حتى عن الصمود في قتال ملتحم؟ بعد هنيهة، كفّ زيك عن هجماته لاهثاً بحثاً عن الهواء.
لم تكن هذه الطريقة لتجدي نفعاً. كان بحاجة إلى استراتيجية جديدة. وأثناء استغراقه في التفكير، شعـر بثقل نظرات المعلم عليه يراقبه وينتظر ما سيقدمه تالياً.
تابع ليو تعليمه محاكياً على ما يبدو كلمات شخص آخر: "حتى لو غيرت نهجك، فلا جدوى إن خانتك نيتك في نظراتك. سأعرف دائماً وجهة ضربتك القادمة إن ثبّتّ نظرك في نقطة واحدة كالبقرة. القتال البشري يختلف عن قتال الوحوش، كما يدل على ذلك فائض القوة خلف كل ضربة تسددها. فحين تتنازل بشرياً، تفقد القوة البدنية المحضة بعض تأثيرها لعدم وجود جلود لتخترقها ولا حراشف لتكسرها".
صرّ زيك على أنيابه مندفعاً نحو ليو مجدداً، عازماً على تسديد ضربة بقوة الإرادة وحدها. لكن مهما اشتدت ضرباته، بدا ليو دائماً متقدماً بخطوة. وكأنه قادر على توقع كل حركة ليزحف وينسج مبتعداً بيسر. أخيراً، اضطر زيك للتوقف عن الهجوم نهائياً. كان يلهث بغزارة والعرق يتصبب من وجهه مدركاً أن هذا النهج لا يجدي. رفع نظره إلى ليو الواقف بقامة ممشوقة وثقة كاملة وابتسامة خفيفة تداعب شفتيه.
قال زيك لاهثاً: "أنت بارع. لكنك لست قديراً لا يُقهر. سأكتشف طريقة لهزيمتك".
اتسعت ابتسامة ليو أكثر.
وأردف بصوت عميق أشبه بالهدير: "أنا أترقب ذلك".
صرّ زيك على أسنانه متصاعداً داخله شعور بالإحباط. لقد اعتاد الافتخار بقدرته على قراءة خصومه وتوقع حركاتهم، لكن ما فعله ليو كان مختلفاً. كان في دوري مختلف تماماً. وكأنه قادر على النفاذ عبر تكتيكات زيك وتوقع كل حركة يقوم بها.
حذّر زيك بأسنان مصكوكة: "استعد! لنر كيف ستتعامل مع هذا".
ومع دفعة من العزم، وجّه زيك سحر الدم متركاً إياه يسري في عروقه. سدّد ضربات بحيوية متجددة لتغدو كل ضربة أسرع وأكثر دقة. تراجعت ابتسامة ليو قليلاً وهو يكافح لمواكبة دفعة زيك المفاجئة من القوة والسرعة. وتطير قطرات العرق على جبينه بينما يتفادى الحركات التي باتت محمومة أكثر فأكثر. أخيراً، وبصرخة ظفر، سدّد زيك ضربة خاطفة لصدر ليو أطاحت به مطوحاً به إلى الوراء. تمدد ليو على الأرض لاهثاً بينما رمقه الطلاب الآخرون بذهول.
قال زيك: "ربما لم أملك أي حظ ضدك من حيث التقنية حين كنا على قدم المساواة، لكنك لا تملك وسيلة للتعويض عن الفارق في قدراتنا البدنية".
رد ليو مستعيداً أنفاسه وممدداً تشنجات جسده: "أنت محق يا زيك. حدسي وحركاتي جيدة، لكن إن عجزت حتى عن تتبعك فلا فائدة من كل ذلك. غير أنك نسيت شيئاً أيضاً".
ضاق طرفا عيني زيك ارتباكاً.
"ما الذي نسيته؟"
أجاب ليو بابتسامة مفترسة قبل أن ينقضّ باتجاه زيك: "أنك لست الساحر الوحيد في هذه المعركة".
وبهذا، انتقل ليو إلى الهجوم للمرة الأولى عوضاً عن الاكتفاء بالتفادى. لم يكن قد سلّ بعد السيف المعلق على جنبيه وبدو أنه يندفع مستخدماً قبضتيه العاريتين فحسب. وما إن بلغ ليو مكانه حتى حاول زيك صد هجومه، لكن أحداً دفعه من الخلف فهوى إلى الأمام. استخدم فورا مهارة [الوعي المكاني التام] لتحديد هوية المهاجم الخفي. وقد تمثل المهاجم الخفي في بروز شوكة ترابية من الأرض مباشرة.
وقبل أن يتسنى لزيك فعل أو تفكير بأكثر من ذلك، اصطدمت ركبة بجانب وجهه لتكاد تفقده وعيه بضربة واحدة. استلقى زيك على الأرض مذهولاً ومختل التوازن بينما وقف ليو منتصراً.
أرشده ليو ماداً يده لمساعدته على النهوض: "لا يمكنك الانتصار في معركة بأسلوب هجوم واحد. عليك الاستعداد لأي طارئ وتقدم الخطوة دائماً".
حاتل زيك بكل قوته لكنه لم يكن بندٍ لمهارة ليو في سحر الأرض. بدت الأشواك الترابية التي استدعاها ليو كأنها حية، ظاهرة في اللحظة المناسبة لإفساد كل حركة لزيك. فاقت قدرة ليو على قراءة مسار القتال كل حد، وحركاته الرشيقة تركته يعاني لتسديد ضربة واحدة. ورغم جهده الباسل، وجد زيك نفسه مبرحاً ضرباً بأشواك ليو الأرضية وضرباته القوية بقبضته العارية. تركت ضراوة الهجوم الهائلة مساحة ضئيلة لزيك لإطلاق تعاويذه الخاصة، ليشعر كطفل يواجه خصماً منيعاً.
ومع استمرار الهجوم الضاري، أدرك زيك أنه استخف ببراعة ليو تماماً وتيقن أن الهزيمة باتت حتمية. بالكاد بدأ القتال، لكن زيك استشعر مسبقاً أن النتيجة قد حسمت. وقبل أن يشير المعلم إيذاناً بتبديل الشركاء، وجد زيك نفسه مطوحاً في الهواء عبر تعويذة [شوكة أرضية] أخرى من ليو. التفت ليرى أن بقية الطلاب قد بدلوا شركاءهم مرتين على الأقل. اقترب ليو منه عارضاً مصافحة باليد بينما ينهض من الأرض.
قال مبتسماً: "قتال جيد. لنعقدها ثانية حين تتطور قليلاً".
ورغم الكلمات، لم يستطع زيك إلا أن يشعر بالحماس. بدا ليو شخصاً صريحاً لا يحترم سوى القوة ولا شيء سواها. كانت عيناه تلمعان حماسة كلما تحدثا عن استراتيجيات القتال. لم يعد زيك يطيق انتظار نزالهما القادم. وبينما جلس زيك على الدكة الجانبية، أخذ يتدبر أهدافه في الأكاديمية. فقد غدا شغفه بالبحوث السحرية غايته الكبرى، لكنه عجز عن تجاهل حقيقة أن كون المرء باحثاً يعني كونه هدفاً أيضاً.
كان بحاجة إلى القدرة على الدفاع عن نفسه وعدم ترك نفسه عرضة لمن يسعون لاستغلال علمه. راح يراقب الطلاب الآخرين يتنازلون عارضين قدراتهم وقواهم الفريدة. ورغم إدراكه عجزه عن مجاراة حدس ليو وحسه بانسيابية المعركة، إلا أنه تيقن أيضاً من وجود طرق أخرى ليغدو مقاتلاً مهاباً. دوّن زيك ملاحظة ذهنية لاستكشاف أشكال مختلفة من السحر بغية إيجاد سبل تكامل أبحاثه مع مهارات القتال العملية.
لن يسمح لنفسه بالتخلف عن الركب.