الفصل 45: لماذا يؤلمني دماغي؟ جلس ماكسيميليان وزيك في غرفة الدراسة، وتحيط بهما رفوف تعجّ بالكتب المغبرّة واللفائف العتيقة. أسند الساحر العجوز ظهره إلى مقعده، وعقد حاجبيه الأبيضين الكثيفين في تركيز وهو يشرح تفاصيل مشروع الثالوث لتلميذه الشاب.
قال ماكسيميليان بصوته العميق المفعم بالحماس: "يا زيك، يجب أن تفهم أن مشروع الثالوث لا يقتصر على تعلّم تعاويذ جديدة، بل يتعلّق بفهم المبادئ الأساسية للسحر نفسه. تمتلك القدرة على مراقبة جسد الساحر أثناء أداء التعويذة، وتسجيل كل معلومات العملية، وتحليلها باستخدام [التحكم التام بالجسد]. هذا هو مفتاح فتح الإمكانات الحقيقية لسحرك".
أومأ إزيكييل برأسه، وتألق عيناه الذهبيتان بفهم: "أعرف، فباستخدام [الوعي المكاني التام] لمراقبة جسد الساحر و[الاسترجاع الحسي التام] لتسجيل المعلومات، يمكنني حينئذٍ استخدام [التحكم التام بالجسد] لفهم وتحليل عملية إلقاء التعويذة".
قال ماكسيميليان بابتسامة: "بالضبط. وما إن تشهد تعويذةً مُلقاةً ضمن [وعيك المكاني التام]، يمكنك إعادة المشهد في عقلك بالعدد الذي تحتاجه من المرات. سيسمح لك هذا بإتقان التعويذة، وفهم دقائقها، والتحسين عليها".
كان عقل إزيكييل يتسابق مع الاحتمالات.
"هذا حقّاً اختراع رائع يا ماكسيميليان. إنه مذهل بحق. لا أطيق الانتظار للبدء، فقد كنتُ أفتقر إلى تعاويذ سحر الدماء منذ مجيئي إلى الأكاديمية".
ربت ماكسيميليان على كتف تلميذه وقال: "يسعدني أنك متحمس يا زيك. لكن تذكر، القوة العظيمة ترافقها مسؤولية عظيمة".
لم يستطع زيك إلا أن ينظر إلى ماكسيميليان بتعبير غريب على وجهه حين أنهى الساحر العجوز عبارته عن المسؤولية.
قال محاولةً الحفاظ على جمود وجهه: "لكن يا ماكسيميليان. أنت مخترع سحر الانفجار. أعتقد أنك ربما فاتتك مذكرة المسؤولية".
احمرّ وجه ماكسيميليان حرجاً حين أدرك مفارقة كلامه.
قال بابتسامة: "أيها المشاكس. لكنك محق، قد لا يكون سحر الانفجار أكثر أنواع السحر مسؤولية، وهذا بالضبط سبب عدم تعليمه لأحد قط. ومع ذلك، تلك ليست الوظيفة الوحيدة لتضافر تعاويذ مشروع الثالوث".
أومأ زيك، وما زال مرتبكاً بشأن الوجهة التي يسلكها هذا الدرس.
"حسناً، إذن ما هي الوظيفة الأخرى؟"
أشار له ماكسيميليان بأن ينهض.
"تجول في مكتبي لفترة وجيزة، ثم عد إليّ".
فعل زيك ما أمر به، متجولاً في الغرفة ومستوعباً كل تفاصيل مكان عمل معلمه. وبعد دقائق معدودات، دعاه ماكسيميليان للعودة.
قال ماكسيميليان ناظراً إليه بترقب: "والآن، أخبرني بما سجلته عبر [استرجاعك الحسي التام]".
فكّر زيك لبرهة، محاولاً استرجاع كل التفاصيل التي التقطها.
وقال عادّاً إياها على أصابعه: "سجلت الغرفة بأكملها، المكتب، والرفوف، والنوافذ، والبساط، والكراسي، والباب، والكتب".
ابتسم ماكسيميليان وأومأ.
"وهل يمنحك هذا أي أفكار؟"
فكّر زيك لحظة، لكنه لم يستطع التفكير في شيء.
قال هازّاً كتفيه: "ليس حقّاً، لا أعرف إلى ماذا ترمي؟"
اتسعت ابتسامة ماكسيميليان الخبيثة.
"حقا؟ ماذا عن الكتب؟ هل سُجلت ككتلة ورق وحسب، أم يمكنك إلقاء نظرة فاحصة؟"
تغير وجه زيك فجأة حين أدرك دلالات ما يقوله ماكسيميليان. ركّز على ذكرياته المحفوظة ووجد أنه يستطيع بالفعل استرجاع كل الكتب، صفحةً بعد صفحة.
قال زيك بذهول: "يا لها من روعة. يمكنني استرجاع كل كتاب في هذه الغرفة، صفحةً بعد صفحة. هذا مذهل!"
أومأ ماكسيميليان راضياً عن تقدم تلميذه.
"بالضبط، يمكن استخدام تضافر تعاويذ مشروع الثالوث لأكثر بكثير من مجرد إتقان تعاويذ جديدة. يمكن استخدامه لتعزيز ذاكرتك، وتحسين تعلمك، بل وحتى قراءة الكتب دون قراءتها جسدياً".
بعد أن أدرك زيك تبعات القدرة على استرجاع كل كتاب في الغرفة، شرح له ماكسيميليان قيود هذه الوظيفة وشروطها.
قال ماكسيميليان بصوت جاد: "يا زيك، مجرد قدرتك على قراءة جميع الكتب في عقلك لا يعني أنك اكتسبت تلقائياً كل المعرفة التي تحتويهَا. هذه القدرة تمنحك فقط خيار قراءتها في عقلك. ومع ذلك، باستخدام [تحكمك التام بالجسد] لتعزيز دماغك، يمكنك بلوغ سرعات قراءة مذهلة واستيعاب المعرفة الواردة فيها بحق".
أومأ زيك مدركاً الفارق.
"إذن، الأمر يشبه امتلاك مكتبة في عقلي، لكني ما زلت بحاجة لدراسة المعلومات وفهمها".
قال ماكسيميليان مؤمئاً: "تماماً. إنها أداة قوية، لكنها ليست بديلًا عن العمل الجاد والتفاني. ستظل بحاجة إلى دراسة المعلومات وفهمها، ولكن بمساعدة [تحكمك التام بالجسد]، ستتمكن من القيام بذلك بشكل أسرع وأكثر كفاءة".
كان زيك متحمسًا للاحتمالات. بات بإمكانه الآن قراءة الكتب بسرعة فائقة، وبمساعدة [تحكمه التام بالجسد]، صار بإمكانه استيعاب المعرفة أسرع من أي وقت مضى. أخبر ماكسيميليان زيك بأن يبدأ في ممارسة القراءة العقلية بينما يُعدّ شيئاً للمرحلة التالية من التدريب.
وقال: "سأعود في المساء. في هذه الأثناء، ابدأ قراءة الكتب الموجودة في مكتبة عقلك. استغل هذه الفرصة لتحسين سرعة قراءتك واستيعاب المعرفة بكفاءة أكبر".
أومأ زيك متلهفاً للبدء. فشرع في قراءة الكتب الموجودة في مكتبة عقله، مبدئياً بسرعة أعلى قليلاً من سرعته العادية في القراءة. ولكن بعد نحو ساعة من التمرين، بلغ ضعف سرعته المعتادة تقريباً. بيد أنه استقر عند هذا الحد ولم يتحسن كثيراً بعد ذلك، فقرر تسريع دماغه باستخدام [تحكمه التام بالجسد]. عند عودة ماكسيميليان في المساء، وجد زيك جالسًا على الأرض بوجه محمر، ويكاد البخار يتصاعد من رأسه.
قال زيك دالّاً بيديه على صدغيه: "يا ماكسيميليان، لماذا يؤلمني دماغي إلى هذا الحد؟"
ابتسم ماكسيميليان بتهكم.
"لأنك لم تستخدمه قط بهذه الطريقة من قبل".
وأوضح أن الاستخدام المكثف والمطول للدماغ على هذا النحو قد يكون مجهداً، لكن النتائج ستكون جديرة بالثناء.
"ولكن لا تضغط على نفسك بقوة وسرعة مفرطتين. خذ استراحات ودع دماغك يسترخي".
أومأ زيك مدركاً أهمية إيجاد توازن في تدريبه. كان مصمماً على إحراز تقدم بأسرع ما يمكن، لكنه أدرك أنه بحاجة إلى تنظيم وتيرته وعدم الإفراط في إجهاد نفسه.
سأل زيك وقد غالبه الفضول: "يا ماكسيميليان، ماذا فعلت طوال اليوم؟"
ابتسم ماكسيميليان بغموض.
"لقد جهزت المرحلتين التاليتين من تدريبك".
اتسعت عيناك زيك حماسةً.
"ما هما؟"
قال ماكسيميليان: "أول ما جهزته لك هو جولة في المكتبة. معظم أقسام المكتبة محظورة على طلاب السنة الأولى، لكني رتبت لك جولة ارشادية. ستتمكن من استكشاف جميع الأقسام ونسخ كل الكتب في إيليوم".
غمرت السعادة زيك لسماع ذلك. لطالما كان فضولياً بشأن المكتبة وتطلع لاستكشافها.
"هذا مذهل يا ماكسيميليان! شكراً لك!"
لكن ماكسيميليان لم ينتهِ بعد، وكانت المفاجأة الثانية أقل قبولاً لدى زيك. فقد نجح ماكسيميليان في تسجيل زيك في حصص القتال التي تُقام كل صباح. هبط تعبير وجه زيك.
"حصص قتال؟ لكني لست ساحراً مقاتلاً".
هزّ ماكسيميليان رأسه.
"لست ساحراً مقاتلاً بعد يا زيك. لكنك ستكون كذلك. قد لا ترغب في سلوك درب المحاربين، لكنك بحاجة إلى القدرة على الدفاع عن نفسك. وهذا ما ستعلمه لك حصص القتال".
لم يكن زيك متأكداً إن كان مستعداً لهذا، لكنه وثق في حكم ماكسيميليان.
قال بصوت ينضح تصميماً: "حسناً، سأجرب الأمر"، لكنه اعتقد أنه لا بد أن هناك سبباً أعمق لخطة ماكسيميليان سوى تعلم القتال فحسب.
سأل زيك بينما كانا يمشيان نحو غرفته: "يا ماكسيميليان، هل هناك سبب خفي لرغبتي في حضور حصص القتال؟"
أومأ ماكسيميليان.
"نعم، يوجد. السبب الثاني هو أنه وحدها ساحة القتال تمنحك القدرة على الاقتراب بدرجة كافية من مجموعة متنوعة من السحرة الآخرين وتسجيل تعاويذهم".
اتسعت عيناه زيك فهماً.
"إذن، عبر قتال سحرة آخرين كل يوم، سأجمع مجموعة من السيناريوهات القتالية وأتعلم كيفية التفاعل في مواقف مختلفة".
أومأ ماكسيميليان مسروراً لاستيعاب زيك السريع.
"بالضبط. لن يتيح لك هذا تعلم كيفية إلقاء السحرة الآخرين لتعاويذهم فحسب، بل وكيفية استخدامها في مواقف العالم الحقيقي أيضاً. وما من طريقة أفضل لتحقيق ذلك سوى مواجهة سحرة آخرين في القتال".
أومأ زيك، متوقداً حماسةً لوضع تدريبه موضع التطبيق.
"أنا أفهَم يا ماكسيميليان. سأحرص على استغلال هذه الفرصة وتعلّم قدر ما استطيع".
ربت ماكسيميليان على ظهره وقال: "هذا كل ما أطلبه منك يا زيك. والآن، عليك حقاً أن تخلد إلى النوم، فوعليك الاستيقاظ مبكراً في الصباح للقيام برحلة إلى المكتبة وبدء جولتك. مستقبل طائفة السحرة يعتمد على طلاب مثلك".
غمز له ماكسيميليان وغادر. كان الوقت باكراً في الصباح حين كان زيك في طريقه إلى مكتبة إيليوم الكبرى. وحين اقتراب من المبنى المهيب، لم يستطع إلا أن يشعر بالرهبة والذهول. لم يسبق له دخول المكتبة من قبل، ولم يطيق صبراً لاستكشاف قاعاتها ورفوفها الكثيرة. عند دخوله المبنى، استوعب عظمة المكان. كانت الأسقف العالية، والزخارف المتقنة على الجدران، والصفوف تلو الصفوف من الكتب، أشياء تحبس الأنفاس.
تساءل عن عدد الكتب الموجودة هنا وعن حجم المعرفة المحبوسة بين تلك الجدران. أثناء شق طريقه عبر البهو، لاحظ أمراً غريباً بعض الشيء. كان هناك عدد غير معتاد من القطط تتجول في أنحاء المكتبة. بدت وكأنها في كل مكان، تتمدد على ركدات الكتب، وتتمسح بساقي أمناء المكتبة والعلماء. لم يملك زيك إلا أن يبتسم لهذا المنظر. لطالما كان محباً للقطط، وجعل وجود تلك السنوريات المكتبة أكثر ترحيباً.
وبينما كان يشق طريقه نحو القسم الذي ستُبدأ فيه جولته، توقف لمداعبة قطة ودودة بشكل خاص.
قال داعكاً رأسها خلف أذنيها: "صباح الخير أيها القط".
راحت القطة ترخرخ برضى، وشعر زيك بأن توتره وقلقه يذوبان. أخذ نفساً عميقاً وشعر بأنه مستعد لبدء جولته واستكشاف المعرفة الواسعة في المكتبة، فإذا بامرأة غريبة المظهر تخاطبه فجأة. كان شعرها البني المائل للحمرة أشعث، وتزين ثيابها أزرار ودبابيس على شكل قطط. وعلاوة على ذلك، كانت القطط تتسلق عليها من كل جانب، متمسحة بساقيها ومرخرخة برضى.
قالت المرأة بابتسامة عريضة وهي تنقل نظرها بين زيك والقطة التي يلاطفها: "أعجبتني".
نظر زيك إلى المرأة بتعبير غريب على وجهه. لم يكن متأكداً تماماً كيف يتعامل معها.
سأل: "عذراً، هل أعرفك؟"
ضحكت المرأة بخفة.
"ليس بعد، لكنك ستعرف. اسمي أوليفيا كاتسليبير، كبيرة أمناء مكتبة إيليوم الكبرى، وسأكون دليلك".
رفع زيك حاجبَه.
وأعاد: "دليلي؟"
أومأت أوليفيا.
"نعم، دليلك. أتدري، لقد أتى معلمك إلى هنا بالأمس وطالب، نعم طالب، بأن تحصل على جولة شخصية في كل غرفة منفردة في هذه المكتبة. ولهذا السبب تحظى بمتعة صحبتي اليوم".
قال: "حسنأ، أنا ممتن حقاً للمساعدة. شكراً لك يا أوليفيا".
ابتسمت أوليفيا باتساع.
"لا مشكلة يا زيك. والآن، لنبدأ. هناك الكثير لرؤيته وتعلّمه في هذه المكتبة، وأنا أكاد أفتقد الصبر لأريك إياه كله".