ارتجفت ساقا لوي وهي تتقدم. راقبتها مايا من الخلف ببضع خطوات وكان قلبها يخفق بقوة. شعرت بالتوتر ينبعث من جسد لوي النحيل. بدت الفتاة كأن نفساً واحداً يكفي لكسرها. لكنها تحركت مع ذلك. خطوة. ثم أخرى. حتى وقفت أمام البلورة. لفت فوقها كحارس، ضخمة وساكنة، تتوهج بخفوت مع نبض يشبه خفاقان القلب الهادئ. ترددت لوي. عرفت مايا السبب. تساءل الجميع في أعماقهم عما سيحدث لو فشل أحدهم. كيف سيكون شعور الوقوف هناك وعدم العثور على شيء.
لا ضوء. لا شرارة. مجرد صمْت. ظلت لوي دائماً صاحبة المزاح الأعلى والضحكة الأسطع، لكن مايا رأت خلسة نظراتها الخاطفة للآخرين في غفلتهم. عجزت مايا الآن حتى عن التنفس. ارتفعت يدا لوي. حامتا. لمستا البلورة. لفترة طويلة لم يحدث شيء. ثم... الضوء. انطلق شعاعان نحو الأعلى، أحدهما رمادي والآخر أزرق. التفا معا مشكلين حلزونا متلويا فوقها. ترددت الشهقات وسط المجموعة. سقط فم مايا منفتِحا.
تعرفت إلى هذين اللونين. انتفضت كتفا لوي كأن شيئاً خفياً ضربها، لكنها لم تتراجع. اتسعت عيناها بدلاً من ذلك، ممتلئتين بنوع من الدهشة البعيدة. لم تدر مايا ما تراه، لكنه بدا جميلاً حتماً. تقدم إزكيل وحبسَت مايا أنفاسها.
قالت: "توافق معدن عالٍ، وتوافق عقلي عالٍ".
لم تنطق لوي بشيء. للحظة لم تبدو حتى كأنها تتحرك. ثم أفلت صوت منها: شهقة متقطعة تحولت بشكل ما إلى ضحكة. ضغطت يديها على فمها ترتجف بعدم تصديق. شعرت مايا بابتسامتها تتسع. كان هذا مثالياً. تماماً ما نتمنته لوي طوال الوقت. تذكرت كيف كانت لوي تثرثر بلا توقف عن الاختراعات والرموز متربعة في الورشة بسخام على وجنتيها والحماس في صوتها. أرادت البناء مثل جديها. أرادت صنع أشياء تجعل حياة الناس أفضل.
والآن... تستطيع.
لان صوت إزكيل: "لوي".
خفضت الفتاة يديها ترمش بسرعة.
قال: "لا تحتاجين إلى أداء أي قسم لي، لك مكان هنا بالفعل".
اضطربت شفتا لوي.
تابع إزكيل: "وعدتُ بدعمك مهما كانت نتيجتك، وهذا الوعد باقٍ".
راقبت مايا لوي تركع على ركبتيها يدها فوق قلبها.
اهتز صوتها: "أقسم أن..."
قاطعها إزكيل برفق: "ليس الآن، تحدثي إلى جدك أولاً ثم قرري".
تجمدت لوي وفمها نصف مفتوح. ثم أومأت بحماس كأنها تخشى ضياع الفرصة.
قالت: "ح-حسنا!"
قفزت واقفة وعادت هرولة نحو المجموعة بعينين تلمعان. لم تعبأ بمدى سخافة مظهرها. ولم تظن أن مايا لاحظت ذلك حتى. فاض الفجو منها كالحرارة. صار الجميع يقلبون أبصارهم نحو مايا الآن. دورها. وقفت البلورة بانتظارها. أخذت نفساً وتقدمت. بدا الأمر كأنه مائة خطوة مع أنها لم تكن سوى عشرة. لامست قدماها الحجر الأملس ورفرف الثوب الناعم حول ساقيها. عاد السوداء لحظة وصولها إلى البلورة. كاملاً ومتوقعاً.
رفعت مايا يديها. حاولت تثبيتهما لكنهما كانتا ترتجفان. كان زيك يراقبها. بدا تعبيره غامضاً لكن عينيه فضحتاه. كان قلقاً هو الآخر لكنه آمن بها. بلا قيد أو شرط. ضغطت أصابعها على البلورة. وتغير العالم. تدفقت الحرارة في جسدها. لم تكن حدة النار ولا صفاء الماء البارد بل شيئاً أقدم. أبطأ. أثبت. كالجذور الممتدة في التراب. تصاعدت ذكرى. البلوطة العجوز خارج فيلدشتات. تلك التي اعتادت هي وزيك اللعب حولها.
رأت تفاصيلها بوضوح تام: كل عقدة وكل شق في لحائها. امتمدت أغصانها على عاتقها لتؤوي الطيور والسناجب وحتى العابر العرضي الذي استرح يوماً في ظلها. ملأها حضورها. شعرت بنبض الحياة تحت جذورها وبنفث الريح يعبث بأوراقها. تباطأ خفقان قلبها متوافقاً مع إيقاعها. غاصت في ذلك المكان. لم تكن مجرد ذكرى. كانت حقيقة. ظلت الشجرة ملاذها دوماً. والآن يمكنها استشعار ذلك الملاذ في دواخلها.
أعادها صوت زيك.
"توافقات حياة وطبيعة كبرى".
انفتحت عيناها بفجأة. وقف أمام مباشرة بابتسامة ساطعة. لم تفكر. اندفعت إلى الأمام وارتمت في ذراعيه. اختفى الحشد. تلاشى العالم. لم يبق سوى شقيقها. التقطها بيسر والتف رداؤه حولها كأنه وطن ثانٍ. ربتت يده على ظهرها تماماً كما اعتاد فعله صغرها. كان صوته خافتاً وضاع تقريباً في شعرها.
همس: "أحسنتِ. فخورة بك جداً، جداً".
التصقت به أكثر محبوسة الأنفاس. لم تدرِ كم احتجت تلك الكلمات بشدة حتى اللحظة. استقرت الحقيقة أخيراً: توافقات كبرى واثنان منها. كانت نتيجة استثنائية الأفضل عدا كيران والأعلى تقريباً مما يمكن بلوغه دون توافق تام. برهاناً على جهدها ووسام شرف. لم تمتلك الموهبة الفطرية التي حازها كيران أو شقيقها لكنها ثابرت رغم ذلك. توافقان كبريان. تماماً مثل ماكسيميليان. تماماً مثل ليو...
ابعدت نفسها أخيراً ووجنتاها تشتعلان.
تمتمت: "أ-آسفة".
ضحك شقيقها وبعثر شعرها.
"لا تعتذري أبداً عن الاحتفال بإنجازاتك".
مع ذلك عجزت مايا عن مواجهته للتو. تراجعت داخل المجموعة محمرة وتائهة. تركها إزكيل ورفع صواته مخاطباً الجناح بأسره.
"تم الأمر".
ترددت الكلمات كجرس عبر المنصة واضحة وحاسمة. هدأ الأطفال. توقفت الضحكات. تلاشت فرحة الاحتفال إلى صمت اكتسحهم كالضباب فوق الأحجار.
"لقد فعلتموها".
خطا خطوة إلى الأمام ومعطفه الداكن يخشخش خلفه وخصلاته القرمزية تلتقط الضوء الأثيري.
"لقد أثبتم صواب ماكسيميليان".
سكن الهواء. حتى الغيوم في الأسفل بدت كأنها تجمدت في مكانها وكأن السماء نفسها حبست أنفاسها. خفق قلب مايا مرة في صدرها. بقسوة.
"آمن بإمكانية عالم جديد. عالم يمكن اكتساب السحر فيه لا وراثته. حيث يهم الانضباط أكثر من الدم. حيث يقف مولودو القامة كتفاً بكتف مع أبناء الملوك".
اجتاحت نظراته المجموعة لا ليراهم فحسب بل ليستوعبهم تماماً. ثومين بيديه الملطختين بالسخام. مارزيل الذي ما زال يعانق نفسه بعدم تصديق. لوي المحمرة فرحاً والتي تثب على أطراف أصابعها. التوأمان الواقفان بقامة ممشوقة تحت ثقل التوقعات المستحيلة. وهي. عضت مايا شفتها. ترددت كلمات خطابه السابق في أذنيها كقرع طبول من الماضي. بسط إزكيل يديه كأنه يعرض عليهما شيئاً غير مرئي. بدا صوته أكثر ليونة الآن وأكثر حميمية ومع ذلك أكثر قوة من أي وقت مضى.
"...لقد فعلتم ذلك. كل واحد منكم. أخذتم هديته الأخيرة وأثبتم أنها لم تكن خيالاً. أريتم العالم أن ماكسيميليان بومباستوس فون هوهينهايم لم يكن أحمق بل صاحب رؤية".
توقف. ثم وبتعمد وببطء وبتأني، خطا إلى الأمام. متجاوزاً البلورة والعمود واسمه الخاص ليخفض نفسه على ركبة واحدة. ثم الأخرى. انحنى. ليس رأسه فحسب. تقوس عموده الفقري إلى الأمام وانخفضت كتفاه واستقرت ذراعاه إلى جانبيه. إزكيل فون هوهينهايم، تنين الدم وكابوس الإمبراطورية وتجسيد الكبرياء، ركع بخشوع أمام جمع من الأطفال.
قال: "لهذا أشكركم".
تعلق نفس مايا في حلقها. ولم تكن الوحيدة. ترددت الشهقات حولها. راح بعض الأطفال الأصغر سناً يحدقون فحسب بأفواه فاغرة عاجزين عن إدراك ما يرونه. حتى كالين التي بدت منيعة ضد الصدمة منذ قبولها قطعت نصف خطوة كأنها تود إيقافه ثم تجمدت وقد انبلاج الفهم عبر ملامحها. أرادت مايا البكاء والهتاف معاً. ركع شقيقها، هذه الشخصية القوية بشكل مستحيل والتي وقفت بلا هزات عبر قاعات المحاكم والمجالس وإراقة الدفاع لسبب واحد لا شريك له.
لأن حلم معلمه لم يمت سدى. لأنهما جعلوه حقيقة. وفي تلك اللحظة رأت مايا الحب والخشوع اللذين حملهما شقيقها لمعلمه حتى اليوم بعد سنوات من رحيله. رأت صفياً وقف وحيداً مكسوراً ويائساً فرفعته يد شخص آخر. رأت رجلاً يمد تلك اليد بالمقابل الآن. عندما نهض لمعت الدموع في أكثر من عين واحدة. لكن إزكيل ابتسم بخفوت و نفض قماش معطفه ليستقيم مرة أخرى.
قال بهدوء: "لا يقل أحد إنكم مُنِحتم مكانتكم".
نظر إلى كل منهم بدوره.
"لقد استحققتموه".
لم يكن الصمت الذي تلا فارغاً. بل ممتلئاً بالكبرياء ممتلئاً بالمعنى ممتلئاً بمائة أمل تجسد أخيرز. ثم، ببطء في البداية، بدأ الأطفال يتحركون مجدداً. لم ينفجروا في هتافات. لم يرقصوا ولم يصيحوا. بل التفتوا إلى الداخل. مدوا أيديهم لبعضهم. يداً على كتف. عناقاً هادئاً. نظرة متبادلة. لم يكن انتصاراً ما شعروا به فحسب. بل انتماء. ومايا، وقفت هناك ترمش بسرعة محاولة حفظ اللحظة عن ظهر قلب.
لأنها عرفت بيقين أعمق من السحر أن هذه ستكون إحدى اللحظات التي تحملها طوال ما تبقى من حياتها. كان ذلك يوم صحوتهم. ليس سحرهم فحسب. بل شيئاً أعظم بكثير. بدا خروجهم عبر الباب الشبيه بالبوابة حلماً. لم تكن هناك دعوات للمغادرة ولا صرخات للرحيل. ومع ذلك شعروا جميعا بطريقة ما أن الأوان قد آن. وجدوا أنفسهم قريباً وقد عادوا إلى ذات الممر المتواضع الذي جاؤوا منه. واصلوا السير كأنهم أسروا بغشية.
لكن مايا تلكأت. شدها شيء ما. التفتت إلى الوراء. إلى تلك الباب السحري المؤدي إلى العالم المستحيل الذي تركوه للتو. مدفوعة بنزوة عابرة فتحت الباب مجدداً خاطفة أنظار بعض الآخرين. مع ذلك لم يكن بانتظارها ذات المكان الذي غادروه للتو. بل كان مستودعاً. معتماً ومغبراً برفوف معوجة ومفصلات صدئة. لا جناح براق. لا سحب برقية. لا بلورة شاهقة تنبض بأسرار خفية. مجرد حجر متشقق وصناديق قديمة وخيوط عنكبوت تتأرجح في التيار.
حدقت مايا. رائحة الخشب الجاف والعفن تملأ الهواء في الداخل. بدا صوت خفقان قلبها أعلى من الصمت خارج العتبة. لتأمين لفترة قصيرة توقعت نصف التوقع أن يتغير ويتوقع تلاشي الوهم وعودة البهاء كأنها التقطت العالم منتصف طرفة عين. لكنه لم يفعل. تسللت الحقيقة ببطء. ذلك المكان، أياً ما كان، قد زوال. أغلقت الباب بلا صوت. لم يطق أحد بكلمة. لم يحتاجوا لذلك. نظر إليها البعض حين استدارت نحوهم بعينين واسعتين وحائرتين.
منحتها كالين إيماءة خفيفة قبل اللحاق بشقيقها. أدار ثومين وجهه وقد طبقت شفتاه بإحكام بعدم تصديق أو دهشة أو ربما بكليهما. مشوا بقية الممر في صمت كموكب يغادر معبداً. حين برزوا مجدداً إلى قاعات الإقطاعية بدا الهواء أثقل بطريقة ما. الجدران أكثر صلابة. الضوء أقل ذهبية. كأن العالم الحقيقي تذكر نفسه واستأنف وزنه. لكن شيئاً ما قد تغير. فيها. فيهم جميعاً. استطاعت استشعاره في طريقة تحركهم: أكثر استقامة وثقة.
ليسوا أطفالاً ينتظرون التقييم. لقد تم الحكم عليهم بالفعل. واختيروا بالفعل. رفعت يدها ولمست صدرها فوق قلبها مباشرة. لازالت تلك الحرارة الغريبة عالقة كبذرة زرعت في عمق روحها. فكرت في الشجرة مجدداً، تلك التي خارج فيلدشتات. ضربت جذورها عميقاً. وكان ظلها ملاذاً. والأهم من هذا كله أنها صمدت في وجه العاصفة والشمس على حد سواء. لم ترها تتردد أبداً.
وبينما عبروا القوس الأخير عائدين إلى العالم اليقظ تمتم أحدهم خلفها: "أكل هذا حقيقياً؟"
لم تجب مايا. سواء أكان وهماً أم سحراً أم شيئاً أغرب، فلم يهم الأمر. في أعماق قلبها وفي ذلك المكان الهادئ الذي بلا أنفاس حيث لامس السحر جسدها لأول مرة قطعت وعداً صامتاً: أن تنمو. أن تثبت. أن تؤوي. وألا تنسى أبداً.