دقت ساعة برج تسراسبير الثامنة رصينة متأنية وأنت صداها في الأقواس العالية داخل القاعة الخاصة للمجلس. أطال اللورد ماثيان داسكفيل التملّي في حركة العنبر البطيئة بكأسه وكان الصمت بين أقرانه أعلى من أي جدال. كانوا ينتظرون منه أن يغير رأيه. لم يفعل.
قالت أورلا ثورن بجهارة وأصابعها المرصعة بالجواهر تنقر حافة كأسها: "أنت ترتكب خطأ. مقعد جديد يشغله شخص لا يركع للإمبراطورية؟ هذا ليس أمراً يمكننا التفريط فيه."
رد ماثيان ولا يزال يتابع شرابه: "لم أفترض التفريط في شيء. لقد اخترت فحسب ألا أتدخل في أي من الاتجاهين. هذا أقصى ما كنت لأفعله لأي شخص كان."
تدخل هارل فانتين: "إنه ليس أي شخص. سجلان في قائمة التصنيف الموحدة قبل سن العشرين تباً لك! المدينة بأسرها تهتف باسمه منذ أسابيع. والفتى هنا من أهلها وبلا ولاء لأي أمة ولا أحد يحرك خيوطه على حد علمنا..."
قال ماثيان رافعاً بصره أخيراً: "وهذا ما يزيده سوءاً. لا نعرف من هو. ولا نعرف ما يبتغيه. ثم نرتجي منه العون في هذا المجلس؟ على أي أساس؟ شائعات وهمس؟"
سخر هارل: "بغضه للإمبراطورية أمر معلوم وأبعد أثراً من مجرد شائعة. لقد أنفق ملايين في سبيله. ويقول رجالي إن في باحة داره من أبطال الحرب القتلى ما يكفي لافتتاح متحف."
أومأ ماثيان ولم يحاول قط تفنيد القول. فالجائزة التي رصدها الفتى تحصد أرواح الإمبراطوريين تباعاً وما انفك سيل صائدي الرؤوس ينفد إلى ضيعته. لكن هذا لم يجعله حليفاً.
قال بمقتضى البساطة: "يحمل ضغينة. هذا القدر بائن. تحركه العاطفة والغضب. ولن يدوام. والحقيقة أنا لا نزال نجهل هويته ساعة يخبو هذا الغضب."
خيم صمت طويل. وقف ماثيان وخطا رويداً صوب الشرفة الفسيحة المطلة على الطبقات العليا من قاعة المجلس. أمكنه عبر الألواح البلورية الضخمة معاينة الطاولة الطويلة وهي تجهز والكتبة والمساعدين يتخافتون كالنمل في الأسفل. ستنطلق الجلسة عما قريب.
قال: "سواء تدخلنا أم لا فكلنا ندرك منتهى الأمر. معايير الانضمام إلى المجلس صارمة عمداً. وضعت لإقصاء الناس وللحيلولة دون امتلاء هذا المجلس بمن تقاعسوا عن حمل الإصر. التجارة والصلات والقوة فجلهم لا يستوفي متطلباً واحداً. وهذا إزيكييل ولج الباب بطريقة ما. لا يعنيني كيف أتاها لكن حقيقة وجوده على جدول الأعمال معجزة بحد ذاتها."
واستدركت أورلا: "ومع ذلك تقنع بترك هذه المعجزة تحترق."
رد ماثيان بهدوء: "لا. بل أقنع برؤية ما إذا كان بمقدوره اجتياز النار."
صدرت سخرية من الطرف الآخر للطاولة. مالت أورلا إلى الأمام وأصابعها تنقر بخفة على الخشب المصقول.
"لا تتظاهر بأن الأمر مبدئي. لقد قُدّمت الجلسة بلا إنذار وكلنا نعلم أنه ليس في المدينة. وإن فاته التصويت سقط حقه في المقعد."
واجه ماثيان نظرتها بلا طرفة.
"إن أراد إزيكييل الجلوس بيننا فعليه إثبات استحقاقه. وإن عجز عن مجابهة أمر تافه كموعد جلسة معدل فليس أهلاً لارتداء طوق اللورد."
ارتفع صوت اللورد هارل قليلاً: "تافه؟ لقد عاينّا التقرير جميعاً. لقد غادر إلى البرية منذ عشرة أيام بالكفاح. لقد كان مسعى مدبراً من كلاب الإمبراطورية لقص جناحيه. كيف له أن يوب إلى هنا في الميعاد؟"
أجاب ماثيان ببساطة: "إنه داهية. وإن لم يكن فما كان الأمر لمقدر."
تلا ذلك صمت مشحون. لم ينبس أحد بكلمة لكن ماثيان استشعر الأحكام في الغرفة كثيفة ثقيلة. حسبوه بارداً. قاسياً. خائناً لقضيتهم لتخليه عن مرشح واعد. فليكن. لم يبصروا الأفق البعيد ولم يفهموا مغزى تشكيل حجر واعد إلى جوهرة متألقة قد تهدي تسراسبير ذات يوم عبر عواصف لم تشكل بعد. الفتى موهوب بلا شك. لكن الذكاء وحده لا يكفي. ليس هنا. ليس بين أولئك الذين يبتسمون وهم يحدون الشفرات.
إن أرادوا حقاً نجاة الفتى في هذا المكان وجب عليهم تركه يصارع أولاً. ليونزف. وإن كان أهلاً للمقعد حازه بيديه. وإن لم يفعل فما كان قط جديراً بالوقوف بينهم. حدد دوي الرماح الاحتفالية المتباعد توقيت الساعة. لقد آن الأوان. نهض لوردات التجارة وتسللوا فرادى إلى القاعة الرئيسية. وتعمدهم ماثيان وسيمائه هادئة على حين كانت أفكاره تمور في الباطن كموج عاصفة تتشكل. استهلت الجلسة بالمراسيم المعتادة تقارير إعانة الحبوب نزاعاً حول تعريفات الفضة مستجدات طرق التجارة الخارجية.
أصخى ماثيان السمع في صمت. ثم نهض المتحدث.
وقال وصداه يتردد في القاعة العالية: "قبل أن نرفع الجلسة تبقى مسألة أخيرة."
سرت موجة ترقب بين اللوردات الحاضرين. أدركوا جميعاً ما يشغله جدول أعمال اليوم. لم يكن مصادفة حضور هذا النفر من اللوردات الغائبين عادة سيما أولئك المناصرين للإمبراطورية. لقد أتوا لتأزيم الأمور على الفتى بلا ريب.
"سينظر المجلس الآن في انضمام عضو جديد. ويُطلب من جميع اللوردات البقاء أو التنازل عن أصواتهم في هذا الشأن."
أوصد الخدم الأبواب البرونزية الطويلة بصوت مكتوم رنان. وتوجّه الحراس إلى مواقعهم عند أطراف القاعة.
وأعلن المتحدث: "استدعوا المرشح إزيكييل تسراسبير."
أعقب ذلك صمت ثقيل. لم يتحرك أحد. امتد التوقف وضاعف كل ثانية من حجم الغياب. أدرك الجميع أن الفتى غادر المدينة. وأدرك الجميع ضآلة حظوظ حضوره اليوم.
تمتم أحدهم بصوت كافٍ ليُسمع أرجاء القاعة: "...لعل نابغة تسراسبير الأحدث يعد الالتزام بالمواعيد دونه."
تعرف ماثيان على الصوت فوراً. اللورد جوزيف فيس نظيره المؤيد للإمبراطورية وأفعى بني جلدته. كان يسعى سلفاً لتلطيخ سمعة الفتى قبل استهلال الجلسة. كانت النسور تحوم. أعقبت ذلك قهقهات ضئيلة متهكمة. مال اللوردات أحدهم نحو الآخر يتخافتون بصوت خفيض.
قال أحدهم: "سمعت أنه في البرية."
"لعلّه فرّ لعلمه بأنه لن يجتاز."
"أو لعلّه لم ينوِ الحضور قط."
لم يقاطع ماثيان ذلك التهمس. دَعْهُمْ يتحدثون حسبه. دَعْهُمْ يكشفون أوراقهم قبل بدء اللعبة. ثم انبعث الصوت وقع أبطال على الحجر. بطيء. متأنٍ. أثقل مما ينبغي. جمّدت الغرفة مكانها. التفتت الرؤوس بأسرتها نحو الأبواب البرونزية الكبرى. وكان صدى كل خطوة أعلى سابقتها. ثم طرق. بلا عجلة. بلا قسوة. بل... حازم. تبادل الحراس نظرة عابرة ثم فتحا الأبواب معاً. ظهر ظلّان من الممر المبهر في الخارج.
أحدهما طويل مرتدٍ رداءً والخوجه محجوب. والآخر فتيّ حاد النظر بائن الهيئة. شعر قرمزي هائج زاهٍ كدم طازج في الثلج. مشى بثقة غير متعجلة وجال بصره في القاعة بلا أدنى ذرة خضوع. وحين التقت عيناه بماثيان بدا للحظة وجيزة كأن الفتى يقف فوق الجميع ناظراً إلى اللوردات من الأرض أسفل. يا له من أمر مزعج! لعل مرده إلى حواس ماثيان المرهفة التي صقلتها عقود في قراءة أدنى التغيرات التعبيرية لكنه أدرك.
كان هذا الشاف ضارياً وطبيعته المتوحشة مخفية بعناية تحت طبقات من الحرير والحياد. لكنه نفذ خلف القناع. كان هناك شيء بهيمي لا لبس فيه في نظرته استعلاء متكبر لم يلفه في أي إنسان. ابتلع ماثيان ريقه. أهذا هو الفتى المزعوم بأنه مفاوض أذرع ومهندس بارع ونابغ سحري؟ هو؟ لو أخبره قائل إن إزيكييل سيّدي بين الذئاب في البرية لما استغرب قط. وحين فرغ الشاب من تفحص اللوردات الحاضرين حول بصره إلى المتحدث.
عرّف نفسه قائلاً: "إزيكييل تسراسبير"
وكأنه يرد على عابر سبيل لا يخطب ود متحدث مجلس التجار الشخصية التي تعلو في النفوذ حتى لوردات مخضرمين كـماثيان. سرت همهمة استياء بين الحشد. وقطب ماثيان حاجبيه بدوره. لم يكن الفتى ليكسب أصدقاء بهذا السلوك.
رد المتحدث بلا توقف: "كما أرى. والآن بعد أن تم..."
قاطعه صوت جمّد القاعة بأسرها. حتى أنفاس ماثيان توقفت. أيعقل؟
قال الصوت: "سأحضر هذه الجلسة إن لم يكن للمجلس مانع."
استعاد ماثيان مقدرته على التنفس والتفت سريعاً نحو المقعد الأسمى في القاعة المعزول عن سواه والمرتفع بدرجة كاملة فوق لوردات التجارة. إنه المقعد الخاوي أبداً. آخر مرة نطق فيها شاغله في هذه القاعة تعود لسنوات خلت حين هدد قانون جديد نفوذ المجلس ومستقبل التجارة الحرة بأسرها. لم يتردد ذلك الصوت في هذه الأرجاء إلا في لحظات الجلال الكبرى. وها قد آب. لم تخنه أذناه. خلف الستارة المانعة للمقعد المرتفع استطاع تمييز ثلاثة ظلال.
وقف رسول ملكي على الجانبين وفي الوسط جلس الملك ميداس بنفسه. لقد حضر المؤسس الأسطوري لتسراسبير وأغنى رجل في القارة شخصياً للإشراف على الجلسة. التداعيات... كانت مذهلة. رد ماثيان بصره إلى الفتى الذي كان يشخص ببصره نحو الملك بدوره. والتقطها في الأوان وميض شيء عبر وجه الشاب شعور لا ينتمي هناك. عداء؟ لا. لم يكن ليكون. بيد أن ماثيان لم يستطع تجاهل وشوشات غرائزه. أخذت أفكاره تتسارع.
وبات جلياً جهله بالكثير حول هذا الفتى وملابسات هذه الجلسة. وحضور الملك ذاته أكد ذلك بلا رى. مجدداً أثنى ماثيان في سره على قراره بالنأي بنفسه عما جرى. مهما بلغت موهبة الفتى فإنه لا يساوي مغامرة الخوض في مياه بهذه الخطورة. وحسبما تبين من سحنة إزيكييل فإنه لم يترجَّ عوناً من أحد قط. نظر إليهم جميعاً الوتيرة ذاتها بلا تفرقة. مؤيد للإمبراطورية أو معارض لها سيان. لم يرَ هذا الشاب حلفاء في القاعة بل طرائد.
قال المتحدث بعد هنيهة: "بالتأكيد يا صاحب الجلالة. ولهو شرف لنا أن ترأس هذه الجلسة."
سأل الملك مفاجئاً الجميع: "وما قولك أنت يا إزيكييل تسراسبير؟ أترضى بحضوري؟"
صمت الشاب ملياً وبصره مسمر على الستارة الحاكمة لملامح الملك وكأنه يستحثها على الانزلاق. ثم لاحت ابتسامة خافتة على شفتيه فخففت من صرامة محياه وأبدت لمحة من وسامة فتيّة يترجاها المرء من في عمره.
وأجاب: "بالتأكيد. أفضّل قربك يا صاحب الجلالة."