تأمّل العجوز وهو يُملّس لحيته ومقْلتاه تذودان في الأفق عبر النافذة الكبيرة وقال: "هذا مختلف تماماً عمّا أذكره. يبدو أن هذا المجلس الجديد كفء حقّاً".
قاطعَه صوتٌ أجشّ: "أتلكم بما يعتمل في صدرك حقّاً أيّها العجوز؟ أم إنّك تهزّ ذيلك على نغمَة سادتِك الجدد؟"
التفت موهان ناير —الذي كان أول المتحدثين— ليواجه الرجل الذي قاطعه بفظاظة وقال: "لساني لي وحدي كعقده دائماً يا سيد باندحي".
وبغضّ النظر عن الإهانة ظلّت ملامحه هادئة تماماً ولم يرفّ له جفنٌ وأضاف: "ولكن إن كنت تعتقد أن بمقدورك إنجاز شيء مماثل فأتساءل لمَ لمْ تكلف عائلة باندحي نفسها عناء المحاولة".
سخر الرجل الثاني: "ولماذا نفعل؟ ليس من مسؤوليتنا إصلاح العادات البشعة لهذه الماشية. صدقني لدينا ما يكفينا من الشواغل لمجرد ترويض من يأتون إلينا".
تحوّلت ملامح موهان إلى مزيج بين السخرية والاشمئزاز وأعاد بتهكّم: "يأتون إليكم؟ آه نعم. أفترض أن كل تلك الشائعات حول عمليات اصطياد العبيد غير القانونية عبر العالم يمكن صياغتها بهذه الطريقة أليس كذلك؟"
أجاب الرجل بسلاسة: "لهذا السبب هي مجرد شائعات. لم يُدَنّا قطّ في أيّ من هذه القضايا لذا أكون ممتناً لو لم تنفخ حياةً إضافيةً في مثل هذا الافتراء. وإلا فسأضطر إلى—"
قاطعها صوت ثالث حازم ونافذ: "حسبكما أنتما الاثنين. أيها السيد ناير ويا سيد باندحي دعونا لا ننسى سبب وجودنا هنا... ولا من نمثل".
صمت الرجلان فوراً. كان المتحدث ممثل عائلة فيركار جنرالاً شهيراً وأحد أبرز محاربي كوروفان الأكفاء. والأهم من ذلك أنه كان ساحراً عظيماً يتمتع بخبرة واسعة في ساحات المعركة. وبكلماته حلّ السُّكون على قاعة المؤتمرات الكبرى في قمة البرج الأسود. وقفت الفصائل المجتمعة في تكتّلات متميزة يحافظ كل منها على مسافة احترام عن الآخرين. كان الحاضرون عائلة ناير للتجارة ومتجر فيرما للأقمشة وشركة جيمكار للتعدين وعائلة فيركار ممثلةً للجيش الملكي وتجار العبيد من عائلة باندحي ودار فارون للمزادات.
ومن بين كل المدعوين وحدها العائلة المالكة —عشيرة راجا— لم تظهر بعد. ولم يكن هذا الغياب ليمر دون ملاحظة.
قالت شابّة بصوت واضح كأنه رنين جرس: "سمعت أن العائلة المالكة كان من المفترض أن تحضر أيضاً. أتعلم شيئاً عن هذا يا خال رانجيت؟"
عند سؤالها سكنت الغرفة. كان الأمر يهم الجميع ومع ذلك كانت هي على الأرجح الوحيدة التي تجرأت على مخاطبة محارب عائلة فيركار العجوز بهذا القدر من الألفة.
ألقى العجوز نظرةً إليها فلانت الخطوط الحادة في وجهه قليلاً وقال: "كل ما أعرفه هو أنهم يرسلون أحداً ما".
ضحكت الفتاة: "هذا شأنك دائماً. لا تبالي بشيء سوى بأوامرك أليس كذلك؟"
اكتفى رانجيت بهزّ كتفيه منتهياً بذلك عن مواصلة الحديث. واستعاد وقفته اليقظة بجسد مشدود كأنه يرتقب كميناً في أي لحظة. وبدا جلياً أن الأحاديث الجانبية والنميمة لا تعنيه في شيء حتى وإن صدرت عمّن تبدو على معرفة وثيقة به. غير أن الشابة لم تكترث. بل بدا كأنها توقعت رده المقتضب. واستدارت بخفة لتوجيه اهتمامها نحو الأطراف الأخرى المجتمعة تمليها بتممع كمن يُقيّم سلعاً في سوق.
وبقيت ابتسامتها اللطيفة على محياها وهي تخاطب موهان ناير بنبرة من المجاملة المألوفة وقالت: "لقد مضى وقت طويل منذ أن حظينا بشرف استضافتك في جناحنا يا سيد ناير. لكني سررت لسماع أن عائلتك تزدهر مجدداً".
بادلها موهان الابتسامة رغم بريق السخرية في عينيه وقال: "لن يمضي وقت طويل حتى نعود قادرين على حضور مزاداتكم يا آنسة فارون الصغيرة. إنه لأمر مخزٍ حقاً ما حدث في المرة الأخيرة التي أرسل فيها أحدنا..."
وعند ذكر تلك الواقعة ظهر شرع صغير على قناع الفتاة المصقول. لقد أصبح اليوم الذي دبرت فيه عائلتها الاستحواذ على ما تبقى من ممتلكات عائلة فايربراند —من خلال اعتراض سبيل غريب ثري لكنه نكرة— وصمةً لا تُمحى على سمعتهم. من كان يتوقع أن الشاب الذي عارضوه باستهتار سيتبدى نابغةً ذائع الصير يملك ثروةً ونفوذاً طائلين؟ ومع كل تقرير جديد عن إنجازات إزيكييال أوف تريدسباير كانت تلك الومة تزداد عمقاً لتغدو تذكرةً دائمَةً لحساباتهم الخاطئة والمكلفة.
أومأت بريا برأسها بتجهم طفيف معترفةً بالتوبيخ المبطن وانتقلت بسلاسة إلى الطرف التالي وقالت: "لقد مضى وقت طويل يا آنسة فيرما. كيف هي التجارة هذه الأيام؟"
كانت المرأة التي خاطبتها لافتة للنظر؛ طويلة وبقامة ممشوقة بلا تكلف. وتدلى شعرها الأسود الفاحم على كتفيها في تموجات حريرية مؤطرةً وجهاً يحمل سحر النضج الراقي. ورغم أن وقفتها أوحت بانضباط صارم فإن هندامها روى قصةً مغايرةً تماماً. فقد ارتدت تحفةً قماشيةً مزخرفةً ونابضةً بالحياة مزينةً بكشكشات معقدة وثنيات متقنة. ولم تكن تلك الملابس عمليةً بقدر ما تكون ملعقةً معوجّةً لكن الغاية منها لم تكن تخفى على أحد.
لقد صُممت لتُرى. ورُئيت حقاً.
التوت شفتا المرأة في ابتسامة أمومية حين التقت عيناها بنظرة بريا وقالت: "انظري إليكِ أيتها الصبيّة. بات بإمكانك ملاقاة عينيّ الآن".
ورغم أن كلماتها حملت نبرة تهكم واضحة إلا أن دفئاً سرى في صوتها كشف عن أنها لم تكن سوى ممازحة مرحة —تلك التي تُدّخر لمن عرفوا بريا لسنوات.
احمرّ وجه بريا قليلاً ورفعت يداً معترضةً وقالت: "أرجوكِ يا خالة توقفي عن هذا. لقد مضى على ذلك سنوات".
دوى ضحك المرأة في أرجاء القاعة مرتدّاً بقهقهة عميقة لا رادّ لها. وبعيداً عن القهقهات الرقيقة التي قد يتوقع المرء صدورها من سيدة راقية كانت ضحكتها جريئةً وصريحةً. واملأ صوتها العميق والمخمليّ القاعة مسكتاً كل ما حولها مؤقتاً. وفقط بعد أن روت غلتها من المرح استعاد وجهها مسحةً من الجدية.
قالت ونبرتها تستقر على وتيرتها الثديّة المعتادة: "التجارَة بخير يا صغيرتي. كما كانت دائماً. فالناس بحاجة إلى الملابس دائماً بعد كل شيء".
هزت بريا رأسها بعدم تصديق وقالت: "مما أسمعه لا علاقة لتجارتك المزدهرة بآخر صيحات السراويل الداخلية بل بتلك الصفقة الضخمة التي ظفرتِ بها لتوفير أشرعة السفن الحربية".
رفعت المرأة الناضجة يداً أنيقةً تروح بها عن وجهها بلا مبالاة كأنها لا تدري شيئاً عمّا تعنيه بريا وقالت بنبرة استهتار عفوية: "القماش متعدد الاستخدامات للغاية عندما يُستخدم بالطريقة الصحيحة".
ابتسمت بريا لهذا الرد الدبلوماسي تماماً وقررت ألا تضغط في الأمر أكثر. وبدلاً من ذلك وجهت بصرها نحو المشارك الأخير في الاجتماع ممثل عائلة جيمكار. وقبل أن يتسنى لها مخاطبته انفتح الباب الكبير لقاعة المؤتمرات على مصراعيه وولج عدد من الأشخاص. سرت موجة من اللاهثين عبر الحاشية المجتمعة حين لامس الضوء الوافدين الجدد.
وكان مصدر دهشتهم جلياً فوراً —فلم يكونوا "بشراً"
تماماً. فقد طبعت الحراشف والفرو والمخالب والقرون والجلود الملامح المميزة للداخلين. ورغم أن الكيميروي لم يكونوا شائعي النزوح في كوروفان إلا أن أولئك الوافدين اختلفوا عن أيّ ممن يُشاهدون عادةً حتى هنا. فمعظم الكيميروي اتخذوا مظهراً بشرياً بينما حمل من عبروا الباب سمات حيوانيةً أكثر بروزاً. ومثل هؤلاء غالباً ما قوبلوا بالازدراء حتى على السطح ونادراً ما رُحب بهم في المجتمعات المختلطة.
وبالنسبة للكثيرين في الغرفة كانت تلك هي المرة الأولى التي يرون فيها كائنات كهذه. جذب انتباه أغلب الحاضرين كائن سامق —زحف ذو قرون وُفق بطريقة ما بين التوازن على ساقين. وحدها هيبته كفت لإرسال موجة من التوجس عبر الحشد المتجمع.
هسّ ممثل باندحي بصوت يقطر ازدراء ودون أي محاولة لإخفاء تقززه من المنظر: "ما الذي تفعله هذه المخلوقات هنا...؟"
ثبت الكائن الزاحفي نظرة مفترسةً عليه وأرسل حِدة عينيه تحذيراً لا لبس فيه. وتدحرج هدير منخفض في حلقه بصوت بدائي ومُهدد. ورغم التهديد لم يرتجف تاجر العبيد. بل تدفقت المانا خاصته رداً على ذلك متوهجةً في تحدٍ سافر.
سخر الرجل: "ألتجرؤ على الهدير في وجهي أيها الوحش!؟ أأحتاج لتذكيرك بمكانتك أمام من هم أرفع منك قدراً؟"
لم تكن كلماته عابرةً إذ تموجت مانا ساحر عظيم منه ثقيلةً وقامعةً في الهواء. ورغم أنه بدا أضعف ملحوظةً من المحارب العجوز إلا أن حتى الساحر العظيم الضعيف يظل قوةً يُحسب لها حساب.
زمجر الرجل الزاحف رغم أن كلماته وُجهت جلياً لرفاقه لا للحاضرين: "أخبرتكَ أن دعوة هؤلاء الطفيليات إلى مدينتنا كانت خطأً".
تحدث شخص آخر متقدماً للأمام: "هذا بالكاد سلوك يليق بمضيف أيها التنين العجوز".
كان وجهه نحيلاً ومغطىً بشعر كثيف وتبدت ملامحه أقرب إلى القردة منها إلى البشر.
بدأ التنين العجوز قائلًا: "لم أبدأ أنا—"
لكن كلماته تعثرت تحت وطأة النظرة الموبخة.
وبّخه العجوز الأشعث بنبرة لينة لكن حازمة: "لا يهم من بدأ. فسلوكك ينعكس علينا جميعاً... وعلى مدينتنا".
استأثر ثقل كلماته بانتباه الجميع فوراً. وبدا المغزى واضحاً ولم يستغرق الأمر طويلاً حتى أعرب ممثل باندحي عن عدم تصديقه.
سخر بصوت جمع بين السخرية والتشكيك: "أأنتم؟! أأنتم ما يُسمى بالمجلس؟ هذه المدينة يديرها حفنة من الحيوانات؟"
وفي الصمت المطبق الذي تلى ذلك أشار التنين العجوز إلى ممثل باندحي ثم استدار نحو قائدهم بابتسامة خبيثة ترتسم على زوايا خطمه الممدود وبدت ملامحه كأنها تقول: "أرأيت؟".
غير أن قائدهم هذه المرة وجد نفسه عاجزاً عن الكلام أمام تلك الوقاحة السافرة. وضاقت عيناه وبدا وميض من الغضب يخترق باختصار هدوءه المعتاد. ومع ذلك ظل ممثل باندحي بمنأىً تام عن التوتر المتصاعد في الغرفة. ودون أدنى توقف حوّل انتباهه نحو بقية الممثلين المجتمعين.
أعلن وبصوت ينضح ثقةً: "لدي مقترح. فلنتخلص من هذا المجلس المزعوم مرة واحدة وإلى الأبد. وبعد ذلك يمكن للمينة العودة إلى حالتها السابقة ولن نضطر للتعامل مع أي من هذا الهراء".
ألقى كلامه القاعة في صمت مطبق. وللحظة بدا الأمر غامضاً عما إذا كان الحاضرون يدرسون المقترح حقاً أم أنهم صُدموا لدرجة عجزهم عن الرد. وقبل أن يتمكن أي شخص من إبداء رأيه اخترق صوت جديد السكون. وبدا كأنه ينبعث من الجدران ذاتها مرتدّاً من كل زاوية وشقّ في الغرفة ليملأ المكان بحضور شبه ملموس. لم يكن مرتفعاً لكنه كان نافذاً لا محالة كالهمس الذي لا يستطيع المرء طرده مهما اشتدت محاولاته.
"لا أُصك بذلك المسلك..."
ومع تعلق الكلمات في الهواء بدأت كل ظلة في الغرفة تطول ممتدةً ببطء نحو نقطة مركزية في القاعة. وبعد لحظات التقت الخيوط المظلمة ومن تقاطعها بدأ شكل مظلم يتجسد. وسرعان ما نما حتى بلغ حجم إنسان متخذةً ملامحه طابعاً أكثر وضوحاً مع كل ثانية تمر.
أطلق أحدهم شهقة: "...ساحر الظلال. الشائعات كانت صحيحة".
وفي تلك اللحظة برز شخص بشري من الظلام المتقاطع مرتدياً بدلةً تقليديةً. وكانت ابتسامته تجسيداً لرجل نبيل راقٍ تنضح سحراً ورزانةً. ووقف في وسط القاعة بوقفة مشدودة ودقيقة كأنه طالب يسعى لإبهار حتى أصرم معلمي الرقص.
قالت بريا متغيرة الملامح: "ساحر عظيم".
انحنى الرجل انحناءة مقتضبة للحاضرين قبل أن يستقيم مستعيداً وقفته المثالية وقال بصوت هادئ ورسمي: "أهلاً بكم. اسمي ديفيد وأنا من دعاكم جميعاً إلى هنا".