ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 428 — عالم جديد تماماً

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 428 — عالم جديد تماماً باللغة العربية على مانجا تايم.

لثوانٍ معدودات، استغرق زيك في البعد الروحي، دافعاً إرادة المكعب الراسخة. في اللحظة التالية، وجد نفسه يحدق في التوهج الخافت للأثر المستقر بين كفيه. كانت أنفاسه تتردد في لهثات قصيرة ومتقطعة، وتسلل إرهاق عميق ومقيم إلى عظامه. ما حدث للتو أنهاكه، لا بدنياً فحسب، بل على مستوى عجز عن تعريفه تماماً. مهلاً... توهج خافت؟ ثم شعر به. حضور، خافت لكنه لا ينكر، يحوم على حواف وعيه.

لم يكن صوتاً ولا فكرة، بل شيئاً أعمق. رابطاً. كان رقيقاً، كخيوط خفية منسوجة في صميم كيانه، تربطه بالمكعب بطريقة لم يعهدها من قبل. قلبه ببطء بين كفيه، وأخذت أصابعه تتقصى النقوش المعقدة على سطحه. لم يعد يبدو بارداً أو عصياً، ولا لغزاً مستغلقاً يرومه مبعداً. بل أخذ ينبض برفق، بلا يكاد يُحس، كأنه يستجيب لممسه. للمرة الأولى منذ حصوله على الأثر، كفّ عن كونة لغزاً صامتاً يصد كل محاولة لفك طلاسمه.

وأكثر من ذلك، بدا كأنه... يستمع. كانت تلك الوسيلة الوحيدة لوصف هذا الإحساس الغريب. أغمض زيك عينيه ليروض روعه. التسرع الأعمى لم يخلف سوى الإحباط فيما مضى. عليه هذه المرة المضي بحذر.

"حسنًا"، همس، مستعيداً هدوءه.

"لنر ما يمكنك فعله".

مدّ مانا الخاصة به. على عكس ما سبق، لم تكن هناك معركة إرادة، ولا تحدٍّ بارد من الأثر. لقد توطد الرابط بينهما. وبمجرد أن أراد ذلك، استجاب شيء عميق في جوف المكعب. لقد انطلق الزناد. ومع ذلك، عوضاً عن الذعر، غمر زيك شعور طاغٍ بالصواب. لم يكن هجومًا ولا فخًّا، بل كان دعوة. اختار أن يثق بها. تدفقت عبره موجة طاقة، غريبة لكنها مألوفة عجباً، كأنها كانت تنتظره طوال الوقت. ثم التوى المكان.

فجارات تلو فجارات من المانا المكانية انبعثت من المكعب، أكثر بكثير مما أودعه فيه قط، وأكثر بكثير مما امتلكه يوماً في الأصل. كأن محيطاً قد ضغط داخل الأثر، لينفلت الآن في طوفان من القوة الخام. تدفق إلى الخارج ما يجاوز عشرة أضعاف مخزونه الكامل من المانا، متجمعاً في تشكيل معقد فوق الحوض. التوى الهواء ذاته، منحنياً بطرق تتحدى القوانين الطبيعية. تردد طنين عميق في أرجاء الغرفة، ليهتز في عظامه ذاتها.

ثم بنبضة طاقة أخيرة، تمزق الواقع وانفتح. تمثل أمامه ممر. التوى النور والظل عند حوافه، في نسج مكعب شديد التعقيد لم يشهده من قبل. بالكاد أتيح لزيك إدراك هول ما يشهد. لم تكن هذه دائرة انتقال فجّة ولا بوابات تهجئة منظمة ألفها. لا، لقد كان هذا المكان ذاته، منحنياً ومعاد تشكيله ببراعة عفوية. كان هذا مستوى من السحر يفترض أن يكون منالاً مستحيلاً. خفق قلبه. إن استطاع المكعب فعل هذا، فلم يشرع بعد إلا في خدش قشرة إمكانياته الحقيقية.

آخذاً نفساً عميقاً يثبت جأشه، تقدم خطى وعبر العتبة. كان العبور سلساً. بلا عثرة مفاجئة، بلا تحول مربك. في لحظة، وقف في حجرته، وفي التالية، صار في مكان آخر بالتمام. امتد فضاء أبيض مترامٍ في كل اتجاه، بلا نهاية ولا معالم، كلوحة فارغة تنتظر ضربة فرشاة أُولاها. التفت زيك للخور. ظلت البوابة مفتوحة خلفه، كاشفة عن حجرة الإسكندرية كأنها عبر نافذة مثالية. وما وراء ذلك، استطاع حتى رؤية العالم الخارجي، مستمراً في التحرك بينما تمضي السفينة.

كان المنظر سريالياً، عالمه البدني مؤطراً كصورة مجردة في العدم الشاسع لهذا الفضاء. ما خلا البوابة ذاتها، لم يكن هناك شيء. لا جدران، لا أرضية، لا سماء، سوى فراغ أبيض متوهج ناعم لا نهائي. عقل أضعف لربما انهار تحت وطأة غرابة هذا كله. لكنه كان أشد إبهاراً من كونه مرعوباً.

"بوابة مستقرة"، همس، دافعاً بيده تجريبياً عبر العتبة قبل أن يسحبها.

لا مفترض أن يكون هذا ممكناً. كل كتاب قرأه عن السحر المكعبي أصر على أن البوابات المستقرة والدائمة استحالة نظرية. لكنها ها هي هنا، تتحدى كل قانون معلوم. ابتسامة بطيئة شقت طريقها على وجهه. التفت مجدداً نحو الامتداد الشاسع أمامه. حان وقت رؤية الأسرار الأخرى التي يخفيها المكعب في جعبته. خطا زيك خطوة حذرة للأمام، ثم أخرى، لكن قبل أن يخطو الثالثة، أوقفشته قوة خفية في مكانه.

لم يكن جداراً ولا عائقاً بدنياً، بل شيئاً ألطف، وأعصى؛ حدوداً خفية تضغط عليه وتقيد حركته. مقطباً، مد حواسه، سابراً حوافي محبسه. وفوراً، استجاب المكان. خطوط رفيعة متوهجة وميضت إلى الوجود، حافرة نفسها في الأرضية بمربع تام حوله، كأنها تقر بفضوله. كان ذلك... غير متوقع. أراد فقط اختبار حدود هذا العالم الغريب. كيف تفاعل بهذه المباشرة؟ كان الأمر أشبه بـ داهمه الإدراك. لم يكن هذا المكان ساكناً وحسب.

لقد كان يستجيب له. خفق قلبه وقرر اختبار نظرية. مغمضاً عينيه، تخيل زيك مرجاً مشمساً، مكاناً مستلاً من أعماق ذاكرته. حقولاً متموجة من الزهور البرية، ذهبية تحت سماء صافية زرقاء. عبير التراب الطازج المنعش، حفيف الأشجار البعيد. فيلدستادت. إحدى بقعة المفضلة بالقرب من بيته. أخذها أبواه وأخته إليه هناك صغاراً، ولم تخفت الصورة قط. كانت حية في ذهنه الآن كحينئذٍ. حين فتح عينيه، علق نفسه في حلقه.

تلاشى الفراغ. تدفقت أشعة الشمس في خيوط ذهبية. تمايلت الزهور البرية في نسيم طيفي، وبتلاتها نابضة بالحياة. كان الهواء مثقلاً بعبير الصيف، دافئاً، طازجاً، حقيقياً. وحتى حفيف الأوراق البعيد همس عبر المشهد، تماماً كما تخيله. أطلق زيك زفيراً بطيئاً، مناصفة بين الرهبة وعدم التصديق. كانت التبعات مذهلة. إن استطاع تشكيل هذا المكان بمجرد الفكرة، فما هي حدوده؟ ومقدار ما يقع تحت سيطرته حقاً؟

وقت لبعض التجارب. تخيل زيك سبائك ذهب تظهر في يده. لا شيء. تلو ذلك، تخيل دلو ماء. ولا شيء أيضاً. مثير للاهتمام. غيّر تكتيكه، مركّزاً بدلاً من ذلك على شيء موجود سلفاً داخل الفضاء. تخيل مجرى مائياً بعيداً يغير مساره، ليعيد توجيهه ليمر عبر موقعه الحالي. هذه المرة، استجاب الفضاء. بعد لحظة، تلاطمت مياه باردة عند قدميه، واملأ الهواء غرغرة المجرى البشوشة. أنجز الأمر، هاه؟ محنياً، غرف زيك حفنة وارتشف منها.

كان الماء عذباً ومنعشاً، تماماً كما تذكره من زيارات طفولته إلى الريف. ماء حقيقي، لا سراباً ولا بناءً جوفاء. كان هذا يزداد إثارة ثانية بعد ثانية. طوال الدقائق التالية، انغمس في التجريب، دافعاً حدود ما يمكنه التأثير عليه. كل اكتشاف قاد لمزيد من الأسئلة، ومزيد من الاحتمالات. ماذا عن هذا؟ وإن حاولت...؟ أه؟ كطفل بلعبة جديدة، استكشف زيك بفضول جامح، مبتهجاً بكل كشف صغير. لكن المتعة يجب أن تنتهي في النهاية.

حين تيقن من إمساكه بقبضة متينة على القواعد الأساسية لهذا المكان، تراجع خطوة، دافعاً عقله ليستقر. بقي الكثير ليكتشفه، لكنه علم ما يكفي للآن. تلك كانت القواعد، حسبما فهمها زيك: امتلك القدرة على تشكيل العالم حوله، للتلاعب بالفضاء والعناصر بداخله. ومع ذلك، وُجدت حدود واضحة. لم يستطع خلق أي شيء يتطلب عملاً لتشكيله أو صنعها. لن يستجيب العالم لأفكاره إلا بالعناصر الأساسية الطبيعية المحضة.

أي شيء أكثر تعقيداً، أي شيء احتاج لعمل وتشكيل، ظل بعيداً عن مناله. على سبيل المثال، استطاع استحضار شجرة من الأرض، قطعها، ثم نحت الخشب ليكون دلواً. لكنه لم يستطع تخيل دلو متكامل الظهور بين يديه، مصنعاً ومنتهياً بلا جهد. لم يستطع تفسير سبب ذلك... حتى الآن. لكن بينما تصاعد الحماس في عروقه، تسلل إحباط مزعج. لا زال عالمه مقيداً. على الرغم من امتداد السراب بلا نهاية نحو الأفق، إلا أن الفضاء الفعلي الذي استطاع التحرك فيه ظل محدوداً بقسوة.

لم يستطع سوى قطع خطوات معدودة قبل أن توقفه حدود خفية مجدداً. مقطباً، ضغط زيك بيده على الجدار غير المرئي. صلب. قبض كفيه وضرب بكل ما أوتي من قوة. سرى ألم في ذراعه. كظ ألمه. وكأنه لكم جداراً من فولاذ الأقزام، فذلك لكان احتمل فرصة ترك أثر. أما هذا؟ فكان عصياً تماماً. لم يكن هذا حاجزاً من حجر أو معدن. بل بدا تماماً كـ [حاجزه المكاني] الخاص، لا عائقاً بدنياً، بل مفهومياً. بنية مكانية صلبة، منسوجة من المانا والإرادة.

عصف عقله. إن لم يعد مرسى العالم ناوياً تقييده، فلم تكن هذه الحدود متعمدة. ولم تكن قيوداً فرضها الأثر ذاته. بل انعكاساً لشيء آخر. شيء يفوق قدرة المكعب على التغيير. بفكرة، جعل حدود سجنه مرئية مجدداً. انكمش المرج المتموج بينما حفرت أخاديد عميقة نفسها في العشب، مشكلة محيطاً واضحاً حوله. صغير... كانت تلك فكرته الأولى. مستحيل لأثر عتيق بهذه الشهرة أن يقدم هذا النزير. بالتأكيد، وجدت حقائب تخزين بسعة أكبر من هذه.

إن كان هذا مدى قوة مرسى العالم بالكامل، فصانعه لابد أنه كان مجنوناً تماماً. لكن إن لم يكن المرسى، فمن يمكنه سوى... أنا؟ جعل هذا الإدراك زيك يترنح ألمه. بالطبع، سيكون هو. كساحر عظيم ذي روح متوسطة في أحسن الأحوال، ما كان له قط أن يربط المكعب بنفسه في المقام الأول. السبب الوحيد لتمكنه من فعل ذلك عائد لتدخل خاي زار. تباً. السؤال الآن: أي جزء منه مسؤول عن هذه النتيجة المحبطة؟

بغريزة، أطلق زيك المانتا المكانية الخاصة، دافعاً بها نحو الجدران الخفية لحبسه، محاولاً فهم المكان بإدراكه. بدا هذا... غريباً. لم تكن معركة بأس أو قوة، كما توقع. الصراع لتوسيع محبسه بدا أقل كجهد قوة وأكثر كحل لغز، تحدٍ معقد ومجرد. انغمس زيك في المهمة، مستغرق العقل تماماً بهذا اللغز الجديد. في لحظة ما، وجد نفسه جالساً، متأملاً داخل هذا الفضاء الغريب. انزلق الوقت بلا ملاحظة.

تحولت الدقائق لساعات، وقبل أن يدري، تلاشى النهار إلى ليل. لم يفتح زيك عينيه إلا مع بضوع الشمس مجدداً في صباح اليوم التالي. أطلق زفيراً مهتزاً، مفرغ الطاقة بالكامل، ومع ذلك شقت ابتسامة عريضة وجهه.

"يبدو أن شيئاً مذهلاً قد وقع بين يدي هذه المرة".