ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 421 — البحث عن الذات

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 421 — البحث عن الذات باللغة العربية على مانجا تايم.

رغم أنها لم تكن مرته الأولى في غزو روح أحد، بدا الأمر غريباً لدرجة كأنه يحدث للمرة الأولى. كان زيك يقترب في الماضي بحذر، وينتفض لأدنى اضطراب، كأنه يمشي على حبل مشدود فوق هوة. أما الآن فقد تحرك بثقة، متسللاً عبر روح القزم العجوز بخفة من يتجول في ممرات بيته المألوفة. حتى أبسط الانطباعات العالقة في المادة المحيطة كانت كفيئة لتدله على محتواها. تتبع الأثر المتقطع بدقة كلب صيد، منساقاً بفطرته بين تيارات الذاكرة.

حدث ذلك بانسياب طبيعي، دعه يتحرك وفق حدس لم يدركه تماماً. قاده بحثه إلى ذكرى من طفولة بالين، ذكرى لا تتقاطع مع مرساة العالم إلا عرضاً. لم يلتقط زيك سوى لمحة عابرة، لكنها كانت اللحظة التي التقى فيها الباحث بالخطوط القديمة للمرة الأولى واكتشف موهبته في فك طلاسمها. تتبع من هناك مسار هوس بالين، منغمسًا في ذكريات بحث لا يلين، حتى بلغ أول اكتشاف لقزم لكنز قديم. أشعلت تلك اللحظة خيطاً جديداً في نسيج ذكرياته: الغرور.

وتبعه زيك. تغيرت حياة بالين جذرياً منذ اللحظة التي اكتشف فيها الغرض الحقيقي لأثر خامد. الأوسمة، والمديح، والتمويل — كل ما اشتاقه دون أن يدري — انهالت عليه في لحظة ظافرة واحدة. طُرحت حياته الرتيبة من الدراسة الهادئة جانباً، وحل محلها اندفاع مسكر من الاعتراف. ويا له من اندفاع! حتى أعظم صناع عرقه، وأشجع محاربيه، وأحكم علمائه، وحتى قريبه البعيد، المالك — اعترفوا به باحترام يوم كشف عن اكتشافه.

أي مجد. أي شرف. كانت تلك نقطة فاصلة في حياته. لم يعد بالين يرضى بالكدح في الخفاء. لقد تذوق العظمة، وسيطارد تلك النشوة مراراً وتكراراً. كانت المشاريع تُنبذ فور عجزها عن إثارة البريق، وتُلقى على عاتق الباحثين الصغار بينما واارد بالين سعيه الحثيث نحو كشفه العظيم التالي. رغم وصف الكثيرين له بالقسوة وانعدام الأخلاق، لم يعر بالين انتباهاً لثرثرة من تفوق عليهم منذ زمن بعيد.

لقد تسلق عالياً وبعيداً لدرجة لا تسمح له بالاهتمام برأيهم. كان الشيء الوحيد الذي يهمه حقاً هو كيفية صناعة اكتشافه القادم. رفع اكتشاف مسبكة الضغط من مكانته. وأمن له المطرقة الأبدية مقعداً كشيخ في البرج. ومنحه تنقيح السبائك الخالية من المانا مقعداً في المجلس. دفعه كل اكتشاف إلى الأمام، لكن قمة واحدة ظلت بعيدة عن متناوله. سيد البرج. أعلى شرف يمكن أن يناله باحث قزم. مكانة منقطعة النظير.

ومع ذلك، ظلت شاغرة لأجيال، بشروط شديدة لدرجة عجز الجميع عن الاقتراب من تلبيتها. حتى بالين، رغم نسبه الملكي، افتقر إلى النفوذ والإنجازات اللازمة لحشد الأصوات المطلوبة للمطالبة بها. لحسن الحظ، لم يستوفِ أحد الشروط سواه أيضًا — ولا حتى زميله القديم ومنافسه اللدود ثورين أيرونهايد. في كل مقياس من مقاييس المكانة، سواء أكان النفوذ أم الإنجازات أم البراعة العلمية، يقف اثنان في طريق مسدود، عاجز إزائهما عن ادعاء التفوق على الآخر.

كانت الطريقة الوحيدة لكسر هذا الجمود هي اكتشاف ضخم لدرجة تطمس كل ما سبقه. لكن كيف يمكن تحقيق إنجاز كهذا؟ لقد أمضيا سنوات في مراقبة بعضهما البعض، منقضين فور إظهار أي مشروع لأدنى بصيص أمل. كان الخوف من التفوق أعظم من الخوف من الركود. ومع ذلك، ففي مساعيهما الحثيثة لردع بعضهما البعض، أهدار وقتاً سمح للآخرين بالصعود. بدأ جيل جديد من الباحثين في التعدي على مكانتهم، وتُهمس أسماؤهم إلى جانب أسماء بالين وثورين.

كان الأمر جنونياً. وكان أسوأ، بطريقة ما، من رؤية منافسه طوال حياته ينجح. لقد استحق ثورين احترامه على الأقل. أما هؤلاء الدخلاء؟ فلم يكونوا سوى انتهزيين. في لحظات معدودة، فك زيك خيوط حياة بالين بعمق جعله يشعر كأنه يعرف القزم منذ سنين. بواعثه، وعلاقاته، وطموحه الجامح — كله مباح أمامه. لكن زيك لم يشعر بأي اهتمام أو تقدير لهذه البصيرة. لم يكن سوى ضجيج، وعقبة في طريق ما يبتغيه حقاً.

اللحظة التي وجد فيها بالين مفتاح صعوده أخيرًا — أحداث هذا اليوم بالذات. مع كل منعطف، كانت الذكريات تقربه أكثر. استطاع زيك استشعارها الآن، بعيدة المنال بقليل، كامنة على حافة وعيه وهو يتتبع خطوط هوس بالين. كل شيء قاد إلى هذه اللحظة الفريدة من الزمن: اللحظة التي وضع فيها زيك مرساة العالم أمامه. ها هي ذا. رغم أن الأحداث وقعت لتوها، إلا أنها نسجت نفسها عميقاً في نسيج روح بالين، وتشابكت مع كل ما حدد هويته من هوس وطموح ورغبة وجشع وكبرياء.

لا توجد طريقة لمعرفة ما سيحدث للرجل جراء فقدان جزء محوري كهذا من نفسه. لكن زيك لم يهتم. لو لم يتآمر بالين وشريكه لسرقته، ولم يخططا لقتل ما لم يعد نافعاً، لما احتجنا إلى أي من هذا. دون تردد، فعل زيك ما كان سيفعله المفترس. استهلك ذكريات أحداث اليوم، إلى جانب كل خيط يربطها. في لحظة، عاش زيك زيارته مجدداً — ولكن بعيني بالين هذه المرة. بدا القزم في البداية مترفعاً، وبالكاد التفت إليه.

فحص المكعب على حين غرة، متوقعاً القليل من التداعيات. لكن في اللحظة التي تميز فيها الخطوط القديمة المنقوشة على سطحه، ثارت مشاعره بعنف جعل زيك يوشك على الارتداد من شدتها. مرساة العالم. أثر لا يُذكر إلا في أقدم النصوص القزمة، نادر وشحيح لدرجة تجعل معظم الباحثين ينبذونه كمجرد أسطورة. بوابة إلى عالم مستقل، أثر يُقال إن ملك الفضاء نفسه صنعه في عصر كانت الكائنات السماوية تمشي فيه على الأرض.

كيف حصل الفتى على أداة كهذه؟ كم كان يعلم حقاً؟ هل رُبطت المرساة؟ عشرات الأسئلة اشتعلت وانطفأت في لمح البصر، ولم تترك سوى حقيقة واحدة لا تُقاوَم: لا يمكنه السماح لهذا البشري بمغادرة الأثر. مهما تكلف الأمر. استمر زيك في إعادة عيش لقائهما بعيني بالين. كان القزم مستعداً لتصعيد الموقف إذا لزم الأمر، لكنه لم يتوقع حدوث ذلك حقاً. في ذهنه، لم يكن البشري الشاب أمامه سوى ابن تاجر مدلل يتمتع بلمحة من الموهبة، مجرد حشرة مقارنة بقرون دراسته وإنجازاته.

والأكثر صدمة هو عندما فرغ وجه الفتى تماماً من أي تعبير — خالياً من المشاعر — واختفى في طرفة عين كسراب. بالكاد أتيح لبالين الوقت لإدراك التغيير قبل حدوث المستحيل. انتزع البشري مرساة العالم من قبضته بخفة من ينتزع لعبة من طفل. تركته الجرأة المحضة والقوة الخام خلف الفعل مذهولاً لدرجة أنه بالكاد شعر بالركلة الوحشية التي تلته — محطمة أضلاعه ومرسلة إياه محلقاً عبر الغرفة.

لكن شيئاً واحداً ظل محفوراً في ذاكرته. تلك العيون الذهبية المشقوقة. الباردة. العديمة الإحساس. التي كانت تراقبه دون ذرة من اكتراث أثناء قذفه في الهواء كيس حبوب منبوذ. تدبرت بقية المواجهة في ومضات متقطعة. بالين، الحائم على الحواف، يعزز الفضاء من حولهما سراً، ضامناً عدم قدرة البشري على استخدام سحره. استمتع بلحظة تمزيق تركيبات ثورين المعدنية لحم الفتى، ورضا رؤيته محطماً، والانتظار المطلق حين ركله للأسفل مستغلين تفوقهما.

إنذاره الأخير… وبعدها — الانقلاب المفاجئ والمروع.