أطرق زيك ناظراً إلى جسده. أدرك الحقيقة منذ أمد بعيد رغم مظهره المروع. لم تكن الأسلحة التي استدعاها ساحر المعادن القزم على عجالة سوى إزعاج بسيط بالنسبة إليه. بدا وكأنّه على شفا الموت من الدماء التي سالت من كل جرح، لكنّه تعمّد ذلك. أخفى التدفق المستسلم ضحالة إصاباته الحقيقية. لم يُصب زيك سوى بخدوش طفيفة طوال الهجمات. حتى دفاع أكاشا المتداعي الذي بدا علامة ضعف، جاء رداً على عجز أيّ من تلك الهجمات عن إلحاق الضرر به حقيقة.
قرص زيك جلده بأقصى قوة استطاعها. بدا ناعماً وليناً، لكنّه شعر تحته بطبقة صلبة. كأنّه يرتدي درعاً تحت جلده. توقفت أغلب الهجمات عند تلك الطبقة بالذات. شيء مذهل. تحول بصر زيك إلى الجسدين الساكنين الممددين على الأرض وقد تلطخا بدمائه. تمنى لو يتعلم المزيد، لكنّ بالين منحه لمحة خاطفة لكن كاشفة عن الحقيقة في اللحظات الأخيرة للقتال. أولاً، القطعة الأثرية التي بين يديه ذات قيمة لا تُقدر بنار—إلى حدّ أن مجرد امتلاكها قد يحطم تقاليد امتدت لقرون، ليهين حتى العائلة المالكة في أعين القارة.
ثانياً، اتضح جلياً أن بالين لا ينظر إلى القطعة الأثرية بوصفها أداة لتحقيق مكسب شخصي، بل سلاحاً لخدمة غاية أعظم—غاية تفيد عرقاً بأسره لا فرداً بعينه. مهما بلغت قوة القطعة الأثرية، بدا أن طاقتها لا تبلغ ذروتها إلا عند استخدامها للصالح العام، للجماعة لا للغريب. رضي بالنتيجة رغم أمله في استخلاص المزيد عبر التظاهر بالضعف. عاد بصره إلى الجسدين الساكنين على الأرض. كان هذا…
مزعجاً. لم يقتلهما، لكن إسقاط عالمين جليلين لم يكن أمراً هيناً. والأمور أسوأ، فهما ليس مجرد عالمين عاديين؛ بل هما شيخان من عائلتي حديد الجلد وحجر القلب الشهيرتين—ركيزتان من ركائز مجتمع القزم. بالطبع، كانت أفعال زيك مبررة تماماً، لكن انتشار خبر هذا الحادث سيجعل إبقاء وجود مرساة العالم سراً أمراً مستحيلاً. لن يصدق أحد أن عالمين جليلين قد انقلبا عليه بلا سبب. إنها معضلة صعبة تتطلب حلاً—وبسرعة.
أمد زيك ذراعيه وهو يفكر في خطوته التالية. بدأت بركة الدماء التي تغطي القاعة بالتحرك فوراً. التفّت نحو الداخل وانضغطت نحوه كأنّها تنجذب إلى دوامة خفية. تحدى الدم الجاذبية وتدفق إلى الأعلى ليعود إلى جسده عوضاً عن التسرب إلى الأرض. لم تبق قطرة واحدة في لحظات معدودة. حتى قطرات الدم المتناثرة التي أراقها بالين أُعيدت بدقة. لم يتبق من آثار المعركة سوى جزء متصدع من الجدار وعشرات قذائف الحديد الخام المبعثرة على الأرض.
لم يستطع زيك فعل الكثير حيال تلك. لم يكن ساحر أرض قادراً على إصلاح الحجر ولا صانع معادن يستطيع إعادة الأسلحة إلى شكلها الأصلي بلا منفاخ. استحال محو كل آثار القتال—لكن الأمر لم يكن مهم حتى النهاية. حتى لو عثر شخص ما على المخلفات، فمن المرجح أن العلماء أنفسهم سيعملون على إبقاء الحادث طي الكتمان. صلب زيك ذراعيه ونقر بإصبعه السبابة بكسل على عضده. لم تكن لهما مصلحة في نشر أحداث اليوم للعلن مثله تماماً.
لم يكن يعلم بوجود مرساة العالم سوى ثلاثة أشخاص حتى هذه اللحظة، وإفشاء الأمر لأي شخص آخر لن يؤدي إلا إلى تعقيد جهودهما الخاصة للمطالبة به. فالسر الذي يتداوله كثيرون يفقد سريته حراسته. صلب نظره وهو يتأمل الجسدين الساكنين لهذين الجشعين اللذين حاولا سلبه وقتله. معرفة ثلاثة أشخاص بمرساة العالم تعني شخصين أكثر من اللازم. سيلجأُ بلا شك إلى طلب المساعدة من عائلاتهم إن لم يستطيعوا التعامل معه وحدهم.
ستكون تلك مشكلة هائلة. لقد أبرم للتو صفقة مع عائلة حديد الجلد—وهي صفقة يمكنهم استغلالها بسهولة لخنقه مالياً. أما عائلة حجر القلب فستبدو أكثر خطورة على الأرجح. لن يستهين هذه المرة بمدى استعدادهم للذهاب في سبيل المطالبة بكنزه. لا يمكن التكهن بما سيفعله القزم الأكثر ميلاً للقتال بمجرد علمهم بوجود مرساة العالم، مادام ما يسمى عالماً مستعداً لقتله بدم بارد. أكان عليه قتل الشهود؟
لا. لم يكن ذلك حلاً مجدياً أيضاً. لو لقيا حتفهما بعد زيارته مباشرة، لحدد الأحمق الجاني بسهولة. ستنقلب عائلتا حجر القلب والحديد ضده دون تردد في تلك اللحظة. كانت اثارة نزاع دموي بين الأقزام آخر ما يحتاجه. إنها ورطة مزعجة. لا يستطيع قتلهما، لكنّه لا يستطيع السماح لهما بنشر ما تعلماه. أكانت هناك طريقة لضمان صمتهما؟ خطر طقس ختم الذاكرة بباله، لكنه لم يكن خياراً مجدياً. توجد طرق لتجاوز قيوده، لأمر واحد.
ثانياً، عجز عن إعداد واحد هنا. وثالثاً—الأهم—شك في قدرته على إقناعهما بأداء القسم من الأساس. وينطبق الشيء نفسه على أي طقس آخر خطر بباله. لم يكن في وضع يتيح له تحقيق أي منها. أظلم وجه زيك حين برز خيار معين في ذهنه. استطاع… محو ذكرياتهما مباشرة من أرواحهما. ينبغي أن يكون ذلك ممكناً نظرياً. لم يكونا أقوى منه بمراحل على عكس رئيس السحر الذي تعامل معه في المدينة السفلية. كان الخطر أقل بكثير.
ومع ذلك، تردد. طالما بدا العبث بالروح تابوهاً—أحد الخطوط القليلة التي اعتقد وجوب عدم تجاوزها إلا كملاذ أخير. خصوصاً من هاوٍ مثله. لا يمكن التكهن بحجم الضرر الذي قد يسببه في محاولته للعثور على كل أثر لهذا الحدث ومحوه من عقولهما رغم توخي أقصى الحذر. ومع ذلك، منعه سببان قويان من استبعاد الفكرة كلياً. أولاً، لم يهتم لأمر هذين الاثنين كثيراً. لن يفرق الأمر كثيراً حتى لو تضررت أرواحهما في العملية.
فقد بلغت رحلتهما كساحرين نهايتها منذ أمد بعيد. أما السبب الثاني—الأكثر إغراءً—فيكمن في فرصة معرفة المزيد عن مرساة العالم من ذكرياتهما. سيلامس حتماً معرفة أعمق بالقطعة الأثرية حتى لو محا ذكرياتهما عن الأحداث الأخيرة فقط. فالذكريات لا توجد منعزلة في النهاية؛ بل كانت شبكة متشابكة من الماضي والحاضر، متداخلة بعدد لا يحصى من الأحاسيس والرؤى… قطب زيك حاجبيه متسائلاً عن أفكاره.
من أين يأتي هذا اليقين؟ طالما عانى لإدراك تعقيدات الروح—بنيتها، وآلية عملها. لكن الصورة بدت أوضح من أي وقت مضى. تحول ما بدا سابقاً شبكة معقدة من الحسابات شبه المستحيلة إلى أمر بسيط يشبه الحسابات البسيطة. أدرك مصدر وضوحه الجديد بصدمة. لم تأت هذه الرؤى عفواً؛ بل اكتسبها من تجربتين رئيسيتين—ملاحظاته لأغسطس غايسترايش واندماجه بآكل العقول. أضفت الأولى هيكلاً لفهمه، بينما غيرت الثانية عقله بطرق جعلت فك طلاسم طبيعة الروح يبدو…
يسيراً. التفت بصر زيك إلى الجسدين فاقدي الوعي على الأرض. استقر عزم راسخ داخله في تلك اللحظة. كان سيقدم على ذلك. لن يجني مكاسب هائلة فحسب، بل اشتاق أيضاً لفرصة اختبار نفسه وفهمه الجديد للروح. قلّما تتوفر فرص كالتي، وعجز عن تحديد الوقت الذي ستستغرقه فرصة أخرى للظهور. أمد زيك حواسه واتصل بمنارته الخاصة في برج التجارة بأخذ نفس عميق. احتفظ دائماً بمخزون جيد من جذر سوبرا بين المؤن التي يخزنها هناك.
تعلم بالطريقة الصعبة مدى قيمتها، سيما عند التعامل مع ساحر قوي. كان الاحتفاظ باحتياط في المتناول أمراً حكيماً دائماً. فلا يمكن للمرء معرفة متى تنشأ الحاجة لإخضاع خصم في النهاية. لم تكن تلك غاية زيك من استخدام المستخلص الآن. اكتشف ذات مرة أن الدفاعات العقلية للساحر تضعف بشكل ملحوظ حين تُكبت نواة الساحر. يسهّل هذا بدوره التلاعب بالروح ذاتها. منح زيك جزءاً من المستخلص لكل من القزمين دون تردد.
انزلقت المادة الفعالة في حلقيهما بسهولة، بينما ضمن تحريكه الذهبي انغلاق مجاريها الهوائية بإحكام. رسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يفكر في المفارقة—فبعد كل المتاعب التي تكبدها لإبقائهما حيين، سيبدو عبثياً تقريباً أن يختنقا من رشفة ماء مجردة. استقر زيك بانتظار اكتمال استعداده. سيستغرق المستخلص بضع دقائق ليبدي مفعوله، لكن الوقت المنقضي بدا بطيئاً بشكل مؤلم. بدت كل ثانية أطول مع اقتراب احتمال اكتشافه.
ترامى بصره نحو الباب بشكل متكرر أكثر مما رغب بالاعتراف به. عجز عن كبح نفسه. كان هذا أسوأ وقت ممكن للوقوع. استحال تفسير سبب تخدير العالمين، ولم يتطلب الأمر الكثير ليدرك أي شخص أن نواياه بعيدة كل البعد عن الشرف. تخدير خصم هُزِم بالفعل قرار لا يرسمه بصورة حسنة. أظهر الحراس عدم نية لقطع أفعاله بحسن الحظ. عجز زيك عن تقرير ما إذا كان ذلك احتراماً للعلماء أو لعدم اكتراث بقوته.
في النهاية، كان من الصعب تصديق أن هذين الشيخين المحترمين—الساحرين اللذين عاشا لقرون على الأرجح—معرضان لخطر حقيقي من مبتدئ مثله، شخص لم يبلغ عامه العشرين بعد. لما كانا بهذه الغفلة في أمنهما لو اعتقد غير ذلك حقاً. تساءل زيك عن المدة التي يمكنه الإفلات فيها من الاستخفاف به. ما زال التصور العام يراه موهبة شابّة واعدة—لا أكثر رغم إنجازاته الكديدة. لم يُعتبر بعد تهديداً حقيقياً للقوى الراسخة في العالم.
أراد زيك الحفاظ على تلك الصورة سليمة لأطول فترة ممكنة من الناحية المثالية. فلن يتمكن مجدداً من السير في غرفة دون أن يشد كل من حوله على أسلحته لو انتشر خبر سقوط عدة سحرة عظام—بل وحتى سلف—فريسة لمخططاته. سيجعل هذا النوع من الاهتمام الأمور أكثر صعوبة. شعر زيك ببدء تراجع المانا داخل القزمين وهو يقضي وقته متأملاً في تلك الأمور. ضعفت الطاقة الفعالة سابقاً والتي سسرت عبرهما بثبات.
توقفت التذبذبات تماماً بعد نحو اثنتي عشرة دقيقة أخيراً. حان الوقت.