ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 402 — B6 - الفصل 22: الجولة الثانية

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 402 — B6 - الفصل 22: الجولة الثانية باللغة العربية على مانجا تايم.

استغرقت عودة بقية المتسابقين إلى وعيهم عدة دقائق أخرى، وإن بدا بعض الأقزام غارقين في الذهول والشتات. غير أن زيك بالكاد لاحظ ذلك. ظلت بقايا تجربته الخاصة عالقة بوضوح في ذهنه، مستحوذة على كامل انتباهه.

[إشعار]

لقد كان المضيف في حالة هلوسة لمدة أربع دقائق وثلاث وثلاثين ثانية بالضبط.

ترك زيك كلمات أكاشا تنساب فوقه بينما واصل التأمل. لم تكن هذه مجرد هلوسة، وكان واثقاً من ذلك. علاوة على ذلك، بدا الإحساس مألوفاً بشكل غريب. لعشية لحظة، لم يستطع تحديد أين اختبر شيئاً مشابهآ من قبل. ثم باغته الأمر. لقد كان الشعور لا يخطئه أحد بامتصاص شظية من روح شخص ما. تدفقت الذاكرة عائدة: ذلك الوقت في ترييدسبير عندما انتزع روح ذلك الجاسوس دون قصد، مختبراً ومضات من حياة الرجل.

بيد أن ذلك الحادث كان أقل حدة من هذا، وأقل وضوحاً. كانت الطريقة التي استخدمها آنذاك بدائية وغير منقحة مقارنة بدقة التهام الذاكرة، التي جرى تقطيرها في الشراب.

قال في صمت عقله بنبرة خفيضة: "أكاشا. هل طرأت أي تغيرات غير طبيعية على روحي؟"

للمرة الأولى، لم تجب الروح فوراً. غابت إجاباتها المعتادة وشبه الفورية، وهي علامة على أنها لم تتوقع السؤال.

[إجابة]

يبدو أن روح المضيف قد شهدت نمواً ملحوظاً خلال فترة مفعول الشراب. يصنف هذا النمو بين الأكثر تميزاً في السجلات. والجدير بالذكر أنه لم تكن هناك أي علامات على الرفض أو عدم الاستقرار، مما يشير إلى اندماج شبه مثالي.

اكدت إجابة أكاشا اموراً كثيرة لـزيك، ولم يكن اقلها شأناً ان آكل الأرواح يستطيع حقاً تنمية روح. كانت ردة فعل زيك الأولى تجاه هذا الإدراك شعوراً عميقاً بالندم، تلتها بسرعة موجة من العار، ثم أخيراً، شعور بالارتياح. جاء الندم اولاً. ادرك فوراً ان اختيار آكل الأرواح المنيموزيني مرافقاً له كان سيسعفه في توسيع حجم روحه بمعدل هائل. وبمساعدته، كان محتملاً تماماً ان يبلغ مرتبة رئيس السحرة في غضون بضع سنوات.

أعقب العار ذلك سريعاً، ناشئاً عن سببين. تمثل الأول في فكرة التخلي عن أكاشا. ومع ان زيك لم يداعب قط فكرة التخلي عنها حقاً، الا ان التفكير العابر فيها اشعره بذنب عميق. لم تكن أكاشا مجرد اداة او مرافق، بل كانت صديقة موثوقة وحليفة وفية انقذت حياته في اكثر من مناسبة. ارتبط مصدر العار الثاني بطريقة نمو آكل الأرواح. تقهقر زيك امام استعداده الشخصي للتغذي على ارواح البشر لتغذية قوته.

لم يكن هذا مجرد انهاء حياة، بل استهلاكاً لكل ما يمثلونه، لكل إنجاز، لكل ذكرى، ولكل شرارة من كينونتهم. لم يكن الأمر مجرد سلب حياة، بل استحواذاً على وجودهم ذاته. لم يكن زيك متأكداً تماماً مما يحدث للأرواح بعد الموت، لكن التهامها بدا انتهاكاً على مستوى أعمق بكثير من قتل احدهم. بدا خاطئاً بطريقة عجزت الكلمات عن التعبير عنها بشكل ملائم، تعدياً أساسياً على جوهر الحياة ذاته.

وأخيراً، كان هناك ارتياح، ارتياح للاختيار الذي قام به في ذلك اليوم. كان زيك يعرف نفسه بما يكفي لادراك الخطر: لو انه اختار آكل الأرواح المنيموزيني مرافقاً، لشك في قدرته على مقاومة إغراءاته. لكان سحر النمو السريع ساحقاً، وفي الغالب، لكان استسلم، متحولاً إلى كيان مسخ في تلك العملية. اخترق صوت المنادي افكاره المدوخة، جاضعاً إياه إلى الحاضر.

قال بصوت تردد صداه في المدرج: "لقد تذوق كلكم الشراب ايها الشباب. والآن، بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون شجعان والمتمسكين بالمضي قدماً، ابقوا في مقاعدكم. اما البقية منكم، فقوموا وابتعدوا. تذكروا هذا، لا عار في معرفة حدودكم، بل العار في الظن أنكم أشد بأساً مما أنتم عليه".

كانت الكلمات حذرة بشكل غير معتاد بالنسبة لقزم، لكن زيك فهم المنطق الكامن خلفها. لم يكن في مصلحة احد تعزيز بيئة يشعر فيها القزمات بأنهم مجبرون على تجاوز حدودهم، مخاطرين بسلامتهم العقلية من أجل الكبرياء. كان منحهم طريقة كريمة للانسحاب هو القرار الصائب. وكما هو متوقع، أثرت كلماته في بعض المتسابقين الأقل كبرياءً. نهض نحو ثلثهم من مقاعدهم، ووجوههم غارقة في الظلال بالهزيمة وهم يغادرون المسرح.

والآن، لم يَبقَ سوى عشرة متسابقين، من بينهم زيك، وإلدْرين، ودروغار.

قال دروغار بضحكة متكلفة، مع ان الإعياء في صوته كان استحالة تفويته: "كانت رحلة صعبة، أليس كذلك؟"

سخر إلدْرين، وبدو نبرته حادة لكن رباطة جأشه كانت مهزوزة بالقدر ذاته: "أكتفيت بالفعل؟ اعلم أنه بإمكانك الاستقالة متى شئت".

نخر دروغار، محولاً انتباهه إلى زيك.

"وماذا عنك ايها الصديق البشري؟ كيف قضيتها؟"

أمال زيك رأسه واتخذ تعبير الحيرة.

"قضيتها؟ فيماذا؟"

قاطع إلدْرين: "الشراب ايها الأحمق".

اجاب زيك بهمهمة مبالية: "أوه، لقد كان... ممتعاً للغاية، أظن. لا شيء ملحوظاً جداً مع ذلك".

حدق فيه القزمان، وبدا ذهولهما جلياً. تراقص الشك في عيناهما، مع أنهما لم يصرحا بشيء. كان من الصعب استيعاب ان الشراب ذاته، الذي ارعبهما إلى هذا الحد، يمكن ان يترك زيك دون تأثر. ومع ذلك، بدا هدؤه ورزانة تعامله في الجولات السابقة تمنحهما وقفة تأمل. على الأقل، لم يعترض أي منهما على ادعائه، مع انه كان واضحاً أنهما غير مقتنعين تماماً.

تمتم إلدْرين بعد لحظة صمت متوتر، محولاً وجهه إلى الأمام مجدداً بتعبير عبوس: "لنرَ إلى متى يمكنك الاستمرار في هذا التمثيل".

تفرس دروغار في زيك لفترة أطول قليلاً، ولوح شك في عينيه. وفي النهاية، حول بصريّه هو الآخر، مفضلاً بدلاً من ذلك انتظار الجرعة التالية من الشراب في صمت. حافظ زيك على تعبير هادئ ومحايد طوال الوقت. بالطبع، لم يكن صحيحاً ان التجربة لم تؤثر فيه، لكن لم تكن هناك أي مصلحة في السماح بظهور ذلك، ليس مع خصوم مثل هذين. حمل القزمان كبرياءً يعلو قمم جبال موطنهما، ولم يكن أي منهما ليتقبل الاستسلام بطوعه قبل ان تتحطم عقولهما تماماً.

ومع ذلك، لم يكن الأمر كأنه لا توجد طريقة لردعهما عن المتابعة أيضاً. كان زيك قد ركب السيناريو الأكثر ترجيحاً الذي قد يتنازل فيه أحدهما بمحض إرعاده. ولهذا، يجب تلبية شرطين على الأقل. اولاً، لن يداعبا فكرة الاستسلام إلا إذا لم يكن الفائز النهائي منافسهما، فكبرياء كل قزم سيطالبهما بالقتال حتى النهاية المرة بدلاً من الاستسلام للآخر. ثانياً، يجب ان يكونا مقتنعين تماماً بأن الفوز مستحيل.

كان هذا الشرط الثاني هو ما يعمل زيك على تحقيقه بعناية في هذه اللحظة. إذا استطاع جعلهما يؤمنان بأن الشراب لا يؤثر فيه، فسيزرع بذرة الشك. ففي النهاية، لم يرغب أحد في تحمل تجربة شاقة ومحطمة للعقول لمجرد إدراك أنهما يتنافسان ضد شاذة. بالظهور بمظهر المنيع، يستطيع زيك جعلهما يتساءلان عما إذا كان الاستمرار يستحق الجهد. بالطبع، سيتطلب الأمر أكثر من مجرد تصريح عابر لزرع تلك الفكرة في عقولهما.

ومع ذلك، كان زيك واثقاً من أنه بتوافقه العقلي سيستطيع على الأقل تقديم واجهة مقنعة.

نادى المنادي بعد ان اتضح عدم مغادرة أحد آخر: "حسناً جداً. لقد اتخذتم خياراتكم. لننتقل إلى الجولة الثانية من المشروبات".

سرى تجرع جماعي بين المتسابقين المتبقيين بينما أُحضِرت صينية من القوارير الطازجة. حتى زيك، رغم قصارى جهده، لم يستطع كبح الارتجاشة في يديه تماماً. قريباً، أمسك كل من العشاق العشرة بجرعتهم الثانية. تخللت المجموعة نظرات متوترة، لكن بدا لا أحد متحمسأ لأخذ الزمام، إلى أن تقدم البشري الوحيد بينهما إلى الأمام.

قال زيك مفاجئاً نفسه حتى بمدى عفوية صوده: "سأذهب أولاً".

اقترب بالقارورة من وجهه، ملاحظاً ان رباطة جأشه لم تكن تمثيلية تماماً. ومع ان معركة الحياة والموت في البحر كانت لا تزال عالقة بثقل في عقله، إلا ان جزءاً آخر منه كان متعطشاً لما ينتظره. كانت إمكانية تنمية روحه بطريقة استثنائية جداً مغرية لدرجة تصعب مقاومتها. ففي النهاية، فرص كهذه لا تأتي كثيراً. بينما انزلق الشراب إلى حلقه، اجتاح بصر زيك المجموعة. ولإرضائه، ضبط الصدمة الجماعية محفورة على وجوههم.

مبتسماً بعرض، تجرع شراب متجول الأحلام كأنه لم يكن سوى رشفة منعشة من الماء. اكتسح الاندفاع البارد المألوف الآن صدره، حاداً وعابراً، قبل ان يتلاشى تماماً. بدأ العالم في التحلل، وتمازجت الألوان والتوت بـفوضوية، لتعود وتستقر في بؤرة حادة بسرعة مذهلة. هذه المرة، تعامل زيك مع الانتقال أفضل بكثير من ذي قبل، إذ منحته ألفته بالعملية قدراً من السيطرة. رمش، متكييفاً بصره مع الضوء الخافت المتسلل عبر النفق الضيق.

بدا الثقل على كتفيه غير مألوف ولكنه طبيعي. غلفت درع صدر جلدية متينة جذعه، وتدلى سيف عند خاصرته. علق الطعم المعدني للعرق والدم في الهواء. تلفت حوله، ليجد نفسه محاطاً بخمس شخصيات أخرى، وقد أُضيئت وجوههم بتوهج الشموع المسحورة الرقيق.

نادى صوت أجش من الأمام: "أعين حادة، أيها الجميع".

كان المتحدث رجلاً عريض المنكبين ذو لحية كثيفة مشوبة بالرمادي. استقرت فأسه بعفوية على كتفه، لكن عينيه الحادتين تجولتا في النفق.

"هذا المكان يبعث القشعريرة في جسدي".

شاكست امرأة ممشوقة بجانبه، وقوسها ممسوك برخاوة في يد واحدة: "استرخِ، دوريك. تقوال ذلك عن كل كهف دخلناه".

رد دوريك ونبرته تحمل تلميحاً من الفكاهة: "وعادة ما أكون محقاً. لا شيء جيد يأتي أبداً من أماكن كهذه".

تدخل برام، الرجل المرح ذو القوس النشاب، من المؤخرة، وابتسامته المعوجة تومض في ضوء الشمعة: "باستثناء قطع نقدنا. الدفعات الكبيرة تأتي من المخاطر الكبيرة، أليس كذلك؟"

قاطعت هيلينا، المرأة المدرعة، بصرامة: "فقط إذا عشنا لنصرفها".

والتفتت إلى فين، الشاف النحيل ذي الخنجرين، الذي ابتسم بسخرية رداً على ذلك.

تهكم: "التفاصيل، التفاصيل! ما هي الحياة بدون القليل من الخطر؟"

قالت مارا، ونبرتها خفيفة لكن عينيها ظلتا مثبتتين على الظلال في الأمام: "ما رأيك لو ركزنا على الخطر أمامنا بدلا من إلقاء النكات؟ ماذا نعرف عن هذا الشيء؟"

تنهد دوريك، ويده الحرة تحك لحيته: "ليس كثيراً، بصراحة. رآه القرويون لمحات فقط، أسرع من اللازم، وأكبر من اللازم، وأهدأ من اللازم".

ردد برام، رافعاً حاجباً: "هادئ؟ هذا لا يتطابق مع العلامات التي رأيناها في الخارج. أيا كان ما ترك تلك لم يكن خفياً تماماً".

أومأت هيلينا برأسها، وقد قطب جبينها: "هذا لا يمنطق. تبدو الآثار وكأنها تخص مفترساً، ومفترساً كبيراً. لكن إن كان وحشاً، فلماذا يترك معظم القرويين دون مساس؟"

عرضت مارا، وصوتها ثابت: "الخوف. الحيوانات المفترسة تفعل ذلك أحياناً. عرض للقوة يبقي بقية القطيع في صفه".

قال فين وهو يدور أحد خنجريه بكسل: "ربما. أو ربما ليس مفترساً على الإطلاق. ماذا لو كان شيئاً... أذكى؟"

صمتت المجموعة عند كلماته، وبدت تعابيرهم قاتمة. شعر زيك، أو بالأحرى كال، بثقل قلقهم، وراحت أفكاره تتحرك. كان يجمع شظايا المعلومات، وبدأت إمكانية مقلقة تتشكل في عقله. شيء ما في السلوك المضطرب، المزيج الغريب من العنف وضبط النفس، لم يكن مريحاً. لكنه لم يستطيع النطق به، ليس بعد. كانت الفكرة مزعجة للغاية. ولم يكن متأكدا حتى مما إذا كانت ممكنة.

حطم دوريك الصمت أخيراً: "أياً يكن، سنتعامل معه كما نفعل دائماً. نلتزم بالخطة، ونحرس ظهور بعضنا البعض، ولا نقوم بأي شيء غبي".

قال برام، وعادت ابتسامته وهو يلقي نشاباً في قوسه النشاب: "إذن، مجرد عمل يوم اعتيادي، أليس كذلك؟"

لفت هيلينا عينيها لكنها لم ترد. مضت المجموعة قدماً، وتلاشت مزاحاتهم بينما اتسع النفق ليتحول إلى كهف. ازداد الهواء برودة، حاملاً طعماً معدنياً خفيفاً جعل أسنان زيك تصطك ببعضها. ازداد الصمت عمقاً، ولم يكسره سوى الصوت الناعم لأحذيتهم على الأرضية الصخرية. خفق قلب زيك بينما بلغوا حفرة عميقة. كادت الشموع المسحورة لا تضيء الجانب الآخر، حيث انفتح صدع مسنن نحو الظلام. تردد صدى صوت بعيد، صرخ حاد مرتفع النبرة، من الداخل.

تجمد الجميع.

همس فين وشبابه يشتد على خنجريه: "هذا ليس مشجعاً".

تمتم دوريك وفأسه جاهزة: "ابقوا حذرين. إنه هنا".

ازداد الضجيج علواً، متردداً في أرجاء الكهف. جمد الدم في عروق زيك عندما بدأ ظل ضخم في الظهور من الظلام، وظله متغير وغير طبيعي. تجسد أسوأ مخاوفه، والفكرة التي لم يجسر على البوح بها تقف الآن أمامهم. لقد وصل الوحش.