قال الدّرين من جانبه: "انظروا مَن عاد أخيراً إلى الأحياء. لم أظنّك ستتعافى بهذه السرعة بعد أن شحب وجهك ذاك".
أومأ دروجار موافقاً: "أجل، من الجيد أنك تجاوزت الأمر. جعة صخرة الكَفّ ليست لضعاف القلوب. أنت أصلب ممّا توقعتُ لبشري".
ابتسم زيك للإطراء، لكن ردّ الفعل الذي أثاره جاء غير متوقع. تراجع دروجار متوسّع العينين. حدّق فيه زيك بحيرة، وبدا دروجار نفسه متردداً في سبب تفاعله ذاك.
قال دروجار ونبرته تتأرجح بين المزاح والقلق: "لم ألاحظ ذلك من قبل، لكن ابتسامتك تحمل حِدّة شريرة—كأنك تفكر في قضم قطعة مني".
كانت الكلمات مزحة، لكن الارتجاف الخفيف في صوت القزم كشف عن توتره المستمر. أغلق زيك فمه غريزياً مخفياً أنيابه. كان آخر ما يريده هو لفت الانتباه إلى دقة الحدّة الخفية في أسنانه المتحوّلة حديثاً. لكنه شكّ في أن الأمر يتجاوز مجرد التغيرات الجسدية. ورغم عجزه عن استشعار ذلك بنفسه، فقد كان واثقاً تماماً من تسرب لمحة من هالته التنينية—إذ عجز تميمته عن كبحها كلياً. شيء آخر يجب التعامل معه—قريباً.
ألقى زيك مزحة بحماس مصطنع: "لم أُجَرّب لحم الأقزام من قبل. لكنك لا تبدو شهيّاً للغاية—الكثير من العضلات والقليل من الشحوم".
ردّ دروجار باعتزاز وهو يفتل ذراعيه الضخمتين مبتسماً: "أنت محقّ تماماً!".
عادت إليه ثقته المعتادة وتبخّر الخوف اللحظي.
دوّي صوت المذيع قاطعاً المشهد: "أيها المتسابقون، استعدّوا للجولة التالية. التاليات هم عائلة ألوين مع جعة القبضة الباردة الجديدة!".
حوّل الإعلان انتباه الأقزام موفراً على زيك مزيداً من التدقيق. وما هي إلا لحظة حتى أحضروا قنينة أخرى. كانت بلون أزرق لافت ومحتواها يتدفق بنمط غامض يكنو أن يكون مغناطيسياً. وما إن نزع زيك سدادتها حتى تسلل برد غير طبيعي إلى جسده متجاهلاً حاجز ملابسه تماماً. مُنح المتسابقون ساعة أخرى علامتها دوران الساعة الرملية الضخمة. حدّق زيك في القنينة بحذر. بعد تجاربه السابقة مع جعة الأقزام، لم يكن على وشك التهور.
أخذ رشفة صغيرة أولاً مختبراً تأثيرها. وما هي إلا لحظة حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة كسولة مشاكسة. وتحت نظرات دروجار والدّرين المشككة أمال زيك رأسه إلى الخلف وابتلع بقية القنينة بجرعة واحدة. حدّقه القزمان كأنهما ينتظران انفجار رأسه في أي لحظة. وبدلاً من ذلك، لَكَزَ زيك شفتيه برضا وأطلق تجشؤاً هادئاً.
علق زيك بابتسامة خبيثة: "ليس سيئاً. هذا الشراب يتمتع بمذاق خفيف ممتع".
اتسعت عيناها القزمين دهشة حتى كادت تخرج من محجريها. لقد أصيبا بالذهول من الهدوء السلس الذي سيطر به زيك على التحدي الثاني. بعد صراعه في الجولة الأولى، لابد أنهما استخفّا به لا شعورياً. وهو شعور لم يستطع زيك السماح ببقائه. لم يكن هنا لمجرد المشاركة، بل ليترك انطباعاً دائماً. وحكمًا من الهمهمات المحيطة بقطاعهم، كان الكثير من المتفرجين يلاحظون ذلك. كانت هذه اللحظة المثالية لترتيب عودته.
لدى زيك فكرة جيدة عما تهدف إليه جعة القبضة الباردة—فهي على الأرجح تعزز مقاومة المرء للبرد. لكن مَنْ زيك؟ بعد أن تجرّع مرّة سمّاً مخففاً لوحش سلف، لم يكن هناك الكثير ليكسبه من أي وصفة اخترعتها عائلة ألوين. بالمقارنة، بدت جعتهم، ورغم إتقانها، شراباً منعشاً لا تحدياً. كانت خفيفة—شبه ممتعة—إلى جانب السموم الشاقة التي استخدمها لتهدئة جسده في الماضي. بصراحة، لم يكن زيك يحاول حتى تصنّع الشجاعة—فالجعة كانت طيبة المذاق حقاً.
لقد كانت تماماً ما توقعه من عائلة ألوين. فابداعاتهم لم تكن مجرد مقويات كيميائية مصممة لتقوية الجسد، بل صُممت أيضاً للترفيه، دليلاً على موهبة الأقزام في جمع الوظيفة بالمتعة. ووجد زيك نفسه وللمرة الأولى في وضع نادر يسمح له بالاستمتاع بالتجربة ببساطة. التفت غامزاً لباريك ألوين في الحشد بابتسامة وقحة. وبدا على صانع الجعة، الذي كان يراقبه بترقب شديد منذ تقديم منتج عائلته، تعبير غريب.
وبدَتْ خيبة أمل غريبة على باريك حين رأى زيك غير متأثر تماماً...
مستغلاً الفرصة لاستعراض المزيد، التفت زيك إلى أحد الحاضرين: "هل هناك أي احتمال لأحصل على حصة أخرى؟"
حدّقه القزم بعدم تصديق متسائلاً عما إذا كان زيك يمزح. وحين لمس الصدق في تعبير زيك، تردد قبل نقل الطلب إلى رؤسائه. وبعد نقاش قصير، أُحضِرت قنينة أخرى. لم يتوقف زيك حتى. أمال القنينة للخلف وشربها وكأنها ماء، مستمتعاً بالإحساس المبرد وهو ينزلق في حلقه. ومع ذلك، وبعد لحظات، زال التأثير مرة أخرى تاركاً إياه راغباً في المزيد. أعاد نظره إلى الحاضر بملامح توقع لا تقبل الخطأ.
تململ المسكين بانزعاج تحت نظرة زيك الجشعة قبل أن يعود متردداً لاستشارة رؤسائه مجدداً. لكن طلب زيك قوبل بالرفض هذه المرة. فقد فطنت عائلة ألوين للأمر—ولم تكن على وشك تقديم المزيد من المشروبات المجانية لتشهد جعتهم الثمينة تُهدر وتتراجع سمعتهم أكثر. لم يمانع زيك الرفض. فقد حقق ما نوى فعله بالفعل. وبحلول ذلك الوقت، كان حتى أكثر المتفرجين غفلةً واعيًا بوجوده. وفي هذه الجولة، كان زيك بلا شك المشارك الأكثر لفتًا للانتباه متفوقًا حتى على السليلين القزمين الجالسين على جانبيه.
كفى ذلك. طوال ما تبقى من الساعة، استرخى زيك ملقياً أحياناً تعليقات لاذعة على الدّرين ودروجار اللذين كانا لا يزالان يرتجفان بشكل ملحوظ من آثار الجعة الباقية. وأصبح الجو أكثر خفة مع انتزاع تعليقات زيك المشاكسة لبعض الضحكات حتى من الأقزام. وقبل أن يدري، مرت الساعة طائرة ودعي المتسابقون لإعادة التجمع. ولدهشة زيك، أثبتت هذه الجولة أنها أكثر إرهاقاً للأقزام من الأولى.
فقد تقلص عدد المشاركين إلى نحو ثلاثين—بانخفاض حاد عن ما يقرب من ثمانين تقدّموا في السابق. وبدا أن جعة القبضة الباردة حصدت حصتها من المحدّين عازلة الأقوياء حقاً عن البقية. وعلى الرغم من طغيان أدائه بعض الشيء على النتائج، فقد أثبتت عائلة ألوين مهارتها بلا شك في هذه الجولة.
دوى صوت المذيع في القاعة: "اسمعوا أيها الأوغاد الأشداء! لقد حان وقت الجولة التالية! التالي هم عائلة هوبسغرين بجعتهم جعة قبضة الجحيم!".
راقب زيك بفضول وحذر الحاضرين وهم يقدمون الخليط الجديد. وتوهج السائل داخل القنينة بلون أحمر ناري حارق ومضطرم كاللهب الصغير المحبوس في الزجاج. وجعل مظهره مع اسمه توقع آثاره أمراً سهلاً. فكان هذا على الأرجح نظير جعة القبضة الباردة، مصمماً لتعزيز المقاومة للحرارة بدلاً من البرد. وعند فك سدادة القنينة، ضربت زيك فوراً موجة من الدفء الشديد. وكان الإحساس أشبه بالوقوف بالقرب من موقد هدّار مع إشعاع حرارته في جسده كله.
أما الأقزام فلم يبدُ عليهم التأثر—حتي أن بعضهم بدا مستمتعاً بالإحساس الناري متحولة ملامحهم إلى التقدير والرضا. وما إن همّ زيك باختبار الجعة حتى تردد صدى صوت عميق ومتردد داخل عقله.
حثه التنين: "لا تتردد".
توقف زيك في منتصف حركته متسائلاً: "أمتأكد أنت؟"
أجاب الصوت بصيغة تكاد تكون ساخرة: "أيُّ تننين يخشى النار يا جرو؟ امضِ قدماً".
واثقاً من كلمات خايزار، قرر زيك تكرار فعله السابق متجرّعاً الجعة ككأس من الحليب الساخن في شتاء بارد. وجذبت خطوته الجريئة اهتمام الحشد مجدداً. شاهد الكثيرون بترقب شديد آملين بوضوح تكرار أدائه المذهل. ولكن الآن بعد أن فعلها، بدا معظمهم متفاجئين بصدق من عرضه الجريء. لم يتوقعوا منه المضي قدماً في الواقع. شعر زيك بالسائل ينزلق في حلقه مخلفاً حرارة خفيفة تشبه حرق طبق حار بشكل خاص.
وحال وصوله إلى معدته، انتشر الدفء بسرعة في جسده كله من أطراف أصابع قدميه إلى أعلى رأسه. وكانت الحرارة شاملة، ومع شعوره بعدم الارتياح المفترض، وجدها زيك ممتعة بشكل مدهش. ورغم إدراك عقله منطقياً لكون الإحساس غير مريح، لم يسعه إلا الاستمتاع به. لقد كان الأمر أشبه بسحب بطانيته المفضلة المريحة والاستقرار في سرير دافئ—إحساس بالراحة والاسترخاء. أصيب زيك بالحيرة. وكان متأكداً من عدم تفاعل جسده مع الحرارة بهذه الطريقة قط.
ولابد أن يكون هذا أحد التغييرات من تطوره الأخير. ابتسم برضا دون أن يدري. وتنهد الحاضر الذي كان يراقب بحذر مسلماً أمره لقدره. ولم يجعله زيك ينتظر طويلاً. وبعد الاستمتاع بالدفء للحظة طلب بلهفة جرعة أخرى. رفضت عائلة هوبسغرين طلب زيك فوراً حذرة بوضوح من تكرار أداء الجولة السابقة. شعر زيك بخيبة أمل حقيقية هذه المرة. فعلى عكس الجولة الأخيرة، سيستفيد في الواقع من هذه الجعة لعدم تطور مقاومته للحرارة بالشكل الكافي.
ومع ذلك، لم يكن بوسعه سوى لوم نفسه السابقة على الاستعراض المفرط. ومع عدم وجود ما يفعله، استقر زيك لانتظار طويل آخر متسللاً إليه الملل. لكن أول متسابق منسحب سرعان ما جذب انتباهه. لقد بالغ القزم في تقدير نفسه متناولاً جرعة كبيرة من الجعة آملًا على الأرجح محاكاة زيك. ولم تكن النتيجة جميلة—إذ بدأ يعرق ويئن من الألم. شاهد زيك القزم المؤسف يسقط من مقعده. لم يكن سقوط المتسابقين أمراً غير مألوف، لكن انتباهه لم يركز على الساقط.
بل تثبت نظره على القنينة المتدحرجة على الأرض بجانبه. وبعد تفكير لحظة قرر زيك خوض مخاطرة صغيرة. وبتفعيل سريع لسحره، أحاط زيك القنينة بطبقة رقيقة من المانا المكانية منتقلاً بها آنياً إلى كم ردائه. وتوتر جسده منتظراً من يناديه على فعلته. لكن ورغم التوقف الطويل لم يقل أحد شيئاً. أطلق زيك تنهيدة هادئة من الارتياح. لم يتوقع تماماً عدم ملاحظته، لكن بدا بوضوح عدم اكتراث الأقوياء بما يكفي لاكتشاف أفعاله.
فبعد كل شيء، استبعدت فائدة القنينات المفتوحة بالفعل. في الواقع، وبهذا التفكير، ظن زيك أنه ربما يقدم معروفا للمنظمين. أو هكذا اختار التفكير في الأمر. وطوال ما تبقى من الساعة، راقب زيك المنسحبين. ومع النهاية، تمكّن من جمع ست قنينات—أكثر من كافية لتحسين مقاومته للنار. ابتسم بخفة محباً الفكرة. لقد تبين أن هذه المسابقة مفيدة بشكل مدهش حتى دون احتساب هدفه الرئيسي. ولم يفقد شيئاً على الإطلاق بقدومه إلى هنا.
"...وهنا لدينا المتسابقين الذين وصلوا إلى النهائي. امنحوهم جولة من التصفيق أيها الجميع!"
فجئ زيك لحظة بصوت المذيع. لقد نسي بطريقة ما وجودهم في الجولة النهائية بالفعل. ونظراً حوله، لم يرَ سوى ستة عشر من أصل المائة الأصليين واقفين. وكان دروجار والدّرين بينهم، لكنهما بداا في أسوأ حالاتهما. وبمقارنته بحالة زيك المسترخية، بدا القزمان مذرولين حقاً.
"كل هؤلاء الستة عشر مثيرون للإعجاب بالفعل، فهم فخر جنسنا القزمي حقاً..."
ثم توجه بنظره نحو زيك مضيفاً بحرج: "وجنس البشر أيضاً، أظن ذلك".
لكن صوته استعاد حماسته في اللحظة التالية: "ومع ذلك، وكالمعتاد، لا يمكن أن يكون هناك سوى بطل واحد. وفي هذه الجولة النهائية، سيستمر المتسابقون في الشرب حتى يبقى واحد منهم فقط قادراً على الوقوف. هل أنتم مستعدون جميعاً لهذه المواجهة الأخيرة؟"
انفجر الحشد في هتافات مصمة للآذان بينما ظهر الحاضرون مرة أخرى حاملين الجعة النهائية. حتى باريك وصف هذه بالمخاطرة، وصدقه زيك. مجرد النظر إلى الخليط البنفسجي المتموج أرسل قشعريرة في ظهره. ومهما صنعت عائلة مالتفورج، فقد كان واضحاً اختلافها عن كل ما سبقه في الجولات السابقة.