ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 40 — قلب النفايات

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 40 — قلب النفايات باللغة العربية على مانجا تايم.

تمكن زيك من تعديل وضعية جسده إلى الجلوس وصار تحت سيطرته الآن. مع أن التنين احتفظ بتأثيره في عقله، فقد استطاع الإتيان بحركات طفيفة بنفسه. بذل هذا الجهد البسيط لا طمعاً في مكسب، بل ليخفف عن فيولا ما تجده من ضيق. مع الخدر الذي لازال يعصف بعقله، أتاه ضحك خفي وهو يتخيل التنين يتذوق لسعة كل صفعة وجهت بها فيولا وجهه ساخطة. أدرك أن التنين المعتاد على بسط نفوذه سيضطر لتجرع عواقب أفعاله من خلاله.

كان نصراً ضئيلاً لكنه نصر على كل حال. تذكير بأن سطوة التنين الجارفة لم تسلبه إرادته وأنه ليس مجرد وعاء خامد لقوته. وجد زيك نفسه في مأزق غريب. فقد السيطرة على جسده بينما لم يكن التنين المندمج معه بأفضل حال. توغل التنين في قلبه وجسده عميقاً ولم يعد بمقدوره الانسحاب ببساطة، إذ يبدو أنه استنزف قدراً هائلاً من طاقته في السيطرة على عقله. شعر زيك بتعاطف مع التنين العالق في داخله.

فهو أعرف الناس بشعور الحبس والعجز. وفهم كذلك رغبة التنين في القوة والسيطرة لكونها معركة خاضها هو نفسه. راح عقل زيك يتسابق مع الزمن بحثاً عن مخرج له وللتنين. أدرك استحالة استمرار الأمور على هذا النحو وسط صراعهما المستمر على الدفة. مع توفر إمكانية الاستمرار نظرياً على هذه الهيئة وتحريك جسده كالدمية طوال ما بقي من أيامه، عرف زيك أن هذه ليست حياة بحق. قيوده كثيرة وألحها عجزه عن إدراك أي شيء خارج نطاق مترين ونصف المتر.

وما هذا إلا غيض من فيض إذ بدا سجل نقائصه بلا نهاية. تعطلت حواسه كلها، وما يزيد الطين بلة عجزه عن استخدام أي سحر سوى التعويذتين المنقوشتين على جوهره. أدرك وجوب إيجاد حل لهذه المعضلات وإلا بقي حبيس نصف الحياة هذا إلى الأبد. أما التنين فوقع في مأزق أشد هولاً. عالق داخل جسد زيك بلا حراك ولا قدرة على الفعل. لازال يدرك العالم حوله لكنه عاجز عن التفاعل معه. انعدمت قدرة التنين حتى على إلقاء السحر نظرا لاحتفاظ زيك بالسيطرة على جوهره.

صار التنين تحت رحمة زيك وأفعاله بالكامل، وعلم أنه ملزم بإيجاد سبيل لاستعادة جزء من استقلاليته وإلا واجه خطر البقاء أسيراً لهذه الحالة للأبد. طفق زيك يبحث بيأس عن مخرج من هذا الجمود. أيمكنه الانتظار حتى يستنفذ التنين طاقته كلها؟ كم من الوقت سيستغرق هذا؟ أيقدر على إيجاد طريقة لطرد القلب مرة أخرى؟ وحتى لو استطاع، فهل يستحق الأمر هذه المخاطرة؟ قد يمثل القلب خطراً عليه وعلى فيولا إن تحرر من سجنه اللحمي داخل جسده.

أدرك صعوبة القرار وأن أي خيار سيعقبه عواقب بعيدة المدى. وازن خياراته بحرص، فلا مجال للمجازفة إذا كانت حياته وحياة فيولا على المحك. عكف زيك بجد على إتقان أسلوب تحريك الدمى كما سماه. مرت عدة ساعات منذ فقدانه السيطرة على عقله وجسده لصالح التنين، وكان يتحسن تدريجياً في تحريك جسده. ومع تعذر النطق، وجد سبيلاً للتواصل مع فيولا عبر الكتابة على ورقة. أخبرها بصعوبات سيطرته على جسده وأكد لها بذله قصارى جهده لاستعادة الزمام.

مع مرور الوقت، لاحظ زيك تزايد هدوءه. ولم يقتصر الأمر على اعتياده تدريجياً على استخدام جسده عبر أسلوب تحريك الدمى، بل امتد لثقة متنامية بيقينه أن التنين عجز عن السيطرة على جسده مجدداً. مع كل ثانية تمر، ازداد يقينه بنجاحه في استعادة استقلاليته. همّ زيك بخطواته الأولى حول الغرفة وفجأة شعر بشيء يتحول في داخله. كان التغيير مباغتاً وعنيفاً لدرجة أفقدته توازنه فوقع على وجهه أرضاً.

هتف بلا وعي: آح، هذا يؤلم بحق! ليدرك بعد لحظة واحدة عودته قادراً على الإحساس والكلام. انتابه الحيرة متسائلاً عن سبب هذا التحول المفاجئ. لمَ استعاد السيطرة على جسده الآن؟ أيقن ضرورة معرفة كنه هذا التغيير لضمان عدم عودة التنين للسيطرة. حاول زيك إقامة اتصال بقلب التنين النابض في صدره طامحاً لمعرفة ما دفع التنين للتخلي عن سيطرته على جسده وعقله. لكن رغم محاولات التواصل والتجريب لعدة دقائق لم يتلق أي رد.

ظنّه الأرجح حينها استنفاد التنين لطاقته بالكامل في محاولة السيطرة على عقله وجسده مما أدى لموته. لم يستطع طرد شعور بالذنب، فهو لم يكن صديقاً للتنين بحال، لكنه تساءل إن كان بإمكانه فعل شيء ليخرج بنتيجة أفضل. أدرك زيك قريباً وجود خلل ما. ففيولا التي كانت إلى جانبه قبل لحظات اختفت تماماً. مسح المكان بعينيه ليلمحها على بعد أمتار وهي ترمقه بحذر. استبد به الارتباك وحاول التقدم نحوها فتراجعت بالخطوة ذاتها محافظة على المسافة بينهما.

سأل بنبرة ملؤها الضيق: فيولا، ماذا تفعلين؟ سألته بصوت مزج بين الأمل والحذر: زيك؟ أأنت حقاً هناك؟ أجاب بارتباك: بالطبع أنا هو، لماذا تظنين غير ذلك؟ اقتربت فيولا بحذر وشرعت تفحصه جيداً فجالست تنخسه وتقلب أجزاء جسده. لم يستطع زيك منع شعوره بالحرج وهي تشمّه بضع مرات أيضاً. بعد فحصها الدقيق، وقفت أمامه مجدداً وسألت: ماذا جرى لك؟ تشعر بتباين تام عن ذي قبل! أدرك زيك حينها عدم جدوى إخفاء الحقيقة عنها أكثر من ذلك.

فلن تصدق عذراً واهياً، والتغيير فيه بدا واضحاً بما يكفي لتلاحظ اختلافه فوراً. لذا قصّ عليها كل ما حدث بعد وصولهما هنا، بما في ذلك الاتفاق مع التنين وقراره بعدم إخبارها لئلا تلوم نفسها على موته. راقب مشاعر شتى تعبر وجهها وهي تستوعب الخبر واستعد لتلقي رد فعلها. عندما فرغ من قصته، نظر إلى فيولا التي دفنت وجهها في صدره. تعذر عليه رؤية وجهه لكنه أحس ببلل قميصه من دموعها.

ومع انتهاء القصة وقع ما لم الحسبان: عانقته فيولا بقوة أكبر وشرعت في الوقت ذاته تنطحه في صدره — ضربة تلو الأخرى. وبعد أن نال نصيبه الوافر من الكدمات، أطلقته فيولا أخيرًا. لمعت في عينيها شرارة غضب امتزجت بالقلق وهي ترمقه بنظرة حادة. ظلت صامتة ملياً قبل أن تتكلم أخيراً: زيك، لقد كنت متهوراً. لم تحسب حساب كل المخاطر. ولا يمكنك الاستمرار في تعريض حياتك للخطر من أجلي هكذا.

عرف زيك صواب حديثها لكنه لم يستطع كبح غصة خيبة أمل. فقد ظن أنها ستفخر بحفاظه على سلامتها. قال: أفهم هذا، لكني خرجت في النهاية سالماً وظفرت بقلب تننين أيضاً. أليس هذا مكسباً؟ حاول إضفاء البهجة بابتسامة، لكن وجه فيولا ازداد عبوساً. وقالت: زيك، الوضع أشد خطورة مما تظن. أصيب زيك بالحيرة عاجزاً عن إدراك الجوانب السلبية المحتملة لحالته الراهنة. رأى القلق مرسوماً على محيا فيولا حين زفرت ومال صوتها للين وهي تقول: أول ما يجب الاعتبار له أنك تجهل نوايا التنين الحقيقية.

قد يكون مترقباً للوقت المناسب لاقتناص السيطرة على جسدك. أقر زيك بوجهة نظرها مع شعور خفي بعدم استحقاق الأمر للقلق. واثق في قرارة نفسه من استحالة سيطرة التنين عليه. رأت فيولا لا مبالاته فزاد ضيقها واستأنفت: ثانياً، مع بدا قيمَة قلب التنين كنزاً، فمنافعه في الواقع زهيدة للغاية. بل ربما لا توازي المخاطر المحيطة به. لم يصدق زيك ما سمع. عارضها قائلاً: ماذا تقصدين؟ قال التنين إن القلب سيزداد جسدي قوة مع مرور الوقت.

تحول وجه فيولا إلى المرارة وأجابت: قد يصح هذا، لكن هل حسبت المدى الزمني المطلوب؟ التناتين أطول المخلوقات عمراً لكن نموها بطيء. قد يستغرق الأمر قروناً أو حتى آلاف السنين ليترك القلب أثراً معتبراً على قوتك. أما البشر فينمون بوتيرة أسرع بكثير. قد لا نعيش بقدر التناتين، لكننا نبلغ ذروة قوتنا باكراً جداً. عجز زيك عن تصديق ما يسمع. القلب مجرد قمامة؟ كيف لقلب تننين أن يكون هكذا؟

بيد أن كلام فيولا كان منطقياً. يستطيع البشر بلوغ ذروة قوتهم خلال مئة عام فقط، بينما تستغرق التناتين قروناً أو آلاف السنين للاتساع. شعر زيك بالتعرض للخداع جراء هذا الاكتشاف. لكن فيولا لم تنته بعد. وأردفت: وثالثها ربما يكون الأسوأ على الإطلاق. تعلم، هناك صنف معين من البشر يتوق باستماتة لقلب تننين. أعني السحرة الأقوياء الذين أوشكوا على بلوغ نهايات أعمارهم الطبيعية. هؤلاء يفعلون المستحيل لتمديد أعمارهم، ولا يملكون ما يخسرونه.

هذا ما يجعلهم في غاية الخطورة. كان عقل زيك يدور في فلك ما أخبرته به فيولا. فكرة كون القلب الذي حصده عديم الفيمة جوهرياً بدات عصية على الهضم. والأدهى منها أن سحرة أقوياء ويائسين سيبذلون الغالي والنفيس للحصول عليه. لكن الأطم والأشد إززعاجاً هو بث هالته لإشارة تحمل قلب تننين وجعله هدفاً للجميع. مع حديث فيولا، شعر بثقل كلماتها يهبط عليه بثقل جبال. أدرك وجوب معرفة ما ينبغي فعله إزاء هذه المعرفة الجديدة وبسرعة بالغة.

لخص زيك الموقف ومازال تحت صدمة المعلومات التي شاركتها لتوها: أتقولين إن بصدري قلب تننين لن ينفعني لقرون، وحين يلمحني أي عابر سيتبين أمره ويخبر السحرة الشيوخ ليأتوا ويزعزروه من صدري، أهذا ملخص الأمر؟ بدا وجه فيولا متجهماً وهي توافقه الرأي دون أن تستطيع إنكار دقة وصفه للموقف. تمتم زيك: اللعنة، ذكّرني أن أتركك تموتين المرة القادمة التي يخطفك فيها تننين. بدت فيولا مصدومة لوهلة قبل أن ينفجرا ضحكاً معاً، لتتبدد هالة التوتر المتراكمة في ومضة واحدة.