تعالى صخب المدرج حين تقدم المذيع ودوّى صوته فوق الحشود.
"والآن، نبدأ المرحلة الثانية من المسابقة! برعاية لا سواه، عائلة باريلثين العريقة، شراب قبضة الحجر!"
انفجرت الحشودهتافاً وتجسد الحماس في الجو. ظهر الخدم مجدداً وهم يحملون صواني تعج بحاويات صغيرة ومختومة بإتقان. رفع زيك حاجبَه حين وُضعت إحداها أمامه. خالفت تماماً ما توقعه. فبدلاً من الأكواب كبيرة الحجم التي استخدموها في جولة التصفية، قُدّم لكل متسابق ما يشبه قارورة جرعة. صنعت القارورة من الكريستال المصقول ونُقشت عليها رونات قزمية تلمع بضعف تحت الضوء المترنح. التقط زيك القارورة وقلبها بين يديه.
بدا السائل في داخلها ذهبياً ومصهوراً وغير شفاف وكأنه ينبض بحياة خاصة به. التفت حوله فرأى تعابير الفضول والوجل ذاتها على وجوه المتسابقين الآخرين. فحتى دروغار وإلدرين اللذان أظهرا ثقة لا تُزعزع قبل قليل، باتا ينظران إلى قارورتيهما بقدر معين من الاحترام.
تمتم زيك بصوت خفيض: "جرعة؟"
لم تكن هذه مسابقة شرب عادية. فقد أخبراه تقديم شراب قبضة الحجر والهالة الخافتة المنبعثة من القارورة بأنه وحش مختلف تماماً. اخترق صوت المذيع همهمة الحشود.
"استمعوا جيداً أيها المتسابقون! أمامكم ساعة كاملة لإنهاء حصتكم. ومن يعجز عن ذلك فهو مطرود!"
وما إن أنهى الكلمات حتى قلب القزم الذي بدا طاعناً في السن الساعة الرملية العملاقة في وسط المسرح. وأشر تدفق الرمال الثابت على بدء العد التنازلي. ضاقتا عيناها زيك. مهلة زمنية وشراب غامض؟ عرف الأقزام حقاً كيف يبقون الأمور مشوقة. أزال سدادة القارورة فانبعث صرير خافت مع انفكاك الختم. تحلى العبير التالي بحدة ومعدنية مع نَسْغ مرّ جعله ينكمش بأنفه. ومهما يكن هذا الشراب، لم يكن مشروباً عادياً.
انحنى دروغار الجالس عن يمينية مبتسماً.
حذره بنبرة جادة على غير عهده: "تمهل يا فتى. هذا ليس الجعة السابقة. فهذا الشيء سيفقدك وعيك إن تعجلته".
أومأ زيك برأسخ إقراراً بالفضل ونصيحته. ومع ذلك، تساءل جزء منه عما إذا كان دروغار يحاول تشتيت تركيزه. لكن غرائزه حثته على الحذر، فقرر العمل بالتحذير. رفع القارورة إلى شفتيه واكتفى برشفة ضئيلة. في اللحظة التي تدفق فيها السائل جوفه، انقلب جسد زيك إلى فوضى. وكأن نهراً مصهوراً سُكب في عروقه. تشنجت عضلاته بلا ارادة وتغيم بصره. لم يكن الإحساس جسدياً فحسب، بل بدا وكأن الشراب بلغ أعماق جوهره ليجذب ويلوي شيئاً أساسياً في داخله.
اختلف الشراب عما صادفه زيك من قبل. امتزج السائل بدمه ومع امتزاجه بدا وكأنه يوقظ كل شبر فيه. زأرت جوهرته التنينية حية لتدخل في رقصة متقلبة مع سحر الدم. واندفعت القوتان اللتان كانتا تحت سيطرته المتأنية بعنف الآن بعد أن أشعلتهما طاقة الشراب المتواصلة. وبدا الأمر مبهجاً ومرعباً في آن. جزّ زيك على أسنانه وصارع تثبيت الفوضى في داخله. فعّل سحر الدم محاولاً عزل تأثير الشراب.
ولصدمته فشلت المحاولة تماماً. لم يقتصر الأمر على فرط قوة الشراب، بل رفض سحره تماماً دافعاً محاولاته بيسر اقرب إلى الازدراء. استقر عبوس عميق على وجهه. عرف هذا الإحساس. كانت الظاهرة ذاتها التي واجهها مع سم بطريق قشور الصقيع، أي مادة مشبعة بإرادة شديدة جعلتها تتصرف كقوة واعية تقريباً.
التقط زيك أنفاسه بصوت بالكاد يُسمع: "ما الذي...؟"
اندفع سحر الدم في محاولة مستميتة للمقاومة، لكن الأمر أشبه بمحاولة إيقاف نهر هائج باليدين العاريتين. واصلت إرادة الشراب التدفق عبر جسده لتمتزج بدمه. وشعر بها تغيره وتمتزج بجوهره بطرق عجز عن إدراكها تماماً. تدفقت موجة مفاجئة من القوة في كيانه، لكن بثمن. شعر زيك بأن عضلاته تكاد تبلغ نقطة تمزقها وأن عظامه تصطك تحت الضغط. ضاعفت آثار الشراب حيويته وسحر الدم وجوهره التنينية، مما خلق مزيجاً بلغ من القوة حداً عجز جسده عن احتوائه.
وشعر للحظة وكأنه يسحق بقوته ذاتها بينما هددت تلك الطاقة الخام بتمزيقه من الداخل. تصبب العجب على جبينه وألزم نفسه بالهدوء. فالذعر سيزيد الأمور سوءاً فحسب. وبدلاً من ذلك، ركز على مراقبة تأثيرات الشراب مسجلاً كل إحساس ورد فعل. وكانت الحرارة الأشد فورية. فقد حرقت عروقه كنار سائلة، لكنها لم تكن ألماً فقط. فتحت ذلك العذاب اللاذع تكمن حيوية غريبة وطاقة خام ومتوحشة بدت وكأنها تغذي جسده حتى وهي تهدد بتدميره.
قبض زيك كفيه وغرز أظفاره في راحتيه مصارعاً استعادة السيطرة. وببطء ومنهجية عدّل نهجه. وبدلاً من مواجهة الشراب مباشرة، حول تركيزه للداخل مواءماً إرادته مع تدفق دمه. ولم يحاول طرد المادة بل سعى للانسجام معها مسمحاً لطاقتها بالدوران بحرية. كانت العملية مؤلمة للغاية، لكنها نجحت. وبالتدريج بدأت الحرارة اللاذعة تنحسير ليحل محلها نبض ثابت ومنتظم يتناغم مع نواته. بدا الاضطراب واضحاً على المتسابقين الآخرين حوله أيضاً.
وأطلق قزم يجلس على بعد مقعدين صرخة مكتومة قبل أن ينهار بوجه شاحب وعرّق غطاه العرق. وسرعان ما حمله المرافقون بعيداً. وحتى دروغار الذي حذر زيك من التمهل بدا مرهقاً. فقد احمر وجهه المعتاد بالصحة واهتزت يده قليلاً حين رفع القارورة إلى شفتيه لرشفة حذرة أخرى. عاد بصر زيك إلى قارورته ليلمع السائل الذهبي في داخلها بوعيد. فقد استهلك جزءاً ضئيلاً منه ومع ذلك شعر وكأنه نجا من ساعات من المعركة المضنية.
وتنفس بعيداً ليعيد استقرار نفسه. وإن دفعته رشفة واحدة إلى هذا الحد، فاستطاع تخيل المحاكمات المنتظرة مع كل تجرع تال. تشبثت فكرة مزعجة بطرف عقله، إذ تغير شيء ما في داخله. فمهما يكن هذا الشراب لم يختبره فحسب بل غيره بطرق عجز عن فهمها تماماً.
[إشعار]
رُصدت عدة تغيرات غير طبيعية في الوظائف الحيوية للمضيف.
كاد زيك ينسى أنه مع عودة المانا المحيطة، استعادة الأرواح كامل قدراتها أيضاً. كانت مفاجأة سارة، إذ تشوق لمعرفة ما فعله به ذلك المشروب.
سأل في سرّه: "ماذا وجدتِ؟"
[إجابة]
لا يمكنني تحديد المدى الكامل للتغيرات بشكل قاطع. لكن بناءً على ملاحظاتي، تبدو جميع الوظائف الحيوية وقد تحسنت قليلاً. الأعضاء، والجلد، والعظام — لقد خضع كل جانب من بنيان المضيف لتحسينات طفيفة.
اتسعت عيناه. بدا ذلك أفضل من أن يكون حقيقياً. لو امتلك الأقزام مشروباً قادراً على تعزيز الجسد برشفة صغيرة فقط، لما منحوه لغريب بهذه السهولة.
قال: "لا بد من وجود سلبيات معينة، أليس كذلك؟"
ترددت أكاشا، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لها.
[إجابة]
لا أعتقد أن المشروب يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها. يبدو أنه صُمم ليستخرج القوة الكامنة لمن يتناوله أياً كان.
أدرك زيك الأمر فوراً حتى دون أن تشرح أكاشا التفاصيل: جوهر التنين. كانت الطاقة التي كادت تخبو يوماً تسري الآن في جسده بقوة أكبر من أي وقت مضى. شعره بدمه كأنه يشتعل مجدداً بينما يتدفق في عروقه بمدد لم يلمحه إلا في ومضات عابرة. بدا الإحساس مرعباً ومبهجاً في آن واحد. لكنه استجمع قواه بينما كان عقله يطير بسرعة. التحول إلى تننين. العملية التي بدأت بالفعل والتي ستغيره بلا رجعة.
لقد سرع الشراب وتيرتها مستخرجاً التنين الكامن في داخله ليعزز بنيته الجسدية من خلال ذلك. صلبت عظامه وامتدت عضلاته وبدت بشرته كأنها تتوهج بالحيوية. كانت التغييرات تكاد تُرى بالعين المجردة. أبقَى زيك على فكيه مضغوطين بينما اشتدت أصابعه حول القارورة. انقبض صدره عند التفكير فيما قد يعنيه هذا له. قد يكلفه تبني هذه القوة إنسانيته وجسده ذاته. ورغم تنامي شعور عدم الارتياح إلا أن جزءاً منه كان يشتهيها.
هابه نداء القوة بفتنة بالكاد استطاع مقاومتها. رفع زيك القارورة إلى شفتيه مرة أخرى وكانت يده ترتجف من الجهد وتوتر القرار. انزلق السائل الذهبي الثقيل على لسانه لنتشر دفء حارق في داخله. انقبضت عضلاته بلا إرادة بينما تدفقت الطاقة مهددة بالتسرب منه. خفق قلبه بإيقاع جامح يتزامن مع الدم الساري في عروقه. حفر طعم النار المذابة المألوف طريقه بلسعته أسفل حلقه وقاوم زيك موجة الدوار التي حاولت النيل منه.
مسح زيك بعينيه جنبات المدرج بينما كان يكارع لاحتواء القوة الطاغية في داخله باحثاً عن أي إشارة لما يحدث للآخرين. كشفت نظرته أنه لم يكن الوحيد الذي يعاني لكن عذابه بدا مختلفاً، خاماً وبدائياً وأكثر حدة بكثير. مع ذلك لم يكن حال الآخرين أفضل بكثير. بدأ البقية وجميعهم من الأقزام يعانون بوضوح وبدت وجوههم شاحبة ومجهدة. اتكأ بعضهم بقوة على مقاعدهم وبالكاد استطاعوا الإمساك بقواريرهم.
كانوا يلتقطون أنفاسهم بصعوبة بينما يتصبب العرق غزيراً على وجوههم. توقف دروجار الجالس عن يمينه لمسح جبينه فيما خبا سلوكه الصاخب المعتاد تحت وطأة المكابدة. أمسك إلدرين الجالس على جانبه الآخر بحافة مقعده وكان نفسه ضحالاً. لم يكن أي منهما في حالة تسمح له بالاستمرار بؤوته السابقة لكنهما كانا يحرزان تقدماً جيداً. لاحظ زيك أن كلاً منهما قد أنهى بالفعل أكثر من نصف قارورته.
سيكملان بسهولة خلال الوقت المحدد حتى مع بطء وتيرتهما. أخذ زيك نفساً عميقاً واستجمع تركيزه. كانت المسابقة سباقاً لكن المتسابقين الآخرين لم يكونوا التحدي الحقيقي. لقد كان سباقاً مع الزمن ومع حدوده الخاصة. ركز، هكذا ذكر نفسه. تسللت قطرة عرق على عنقه حين التقت عيناه صدفة بعيني أحد المتفرجين. تحول نظرة القزم من وجه زيك إلى قارورته التي لا تزال تحتفظ بمعظم الشراب. ومض الشفقة في عيني الرجل وتسللت نعومة غريبة إلى ملامحه التي كانت متجهمة قبل قليل.
شعر زيك لوهلة قصيرة بانقباضة في صدره مزيج من الاستياء والإحباط. كان المتفرجون ينظرون إليه كشجل خسر بالفعل وكأنه هالك لا محالة. غير أن نظراتهم لم تحبطه بل زادت من عزيمته. لم ينته التحدي بعد ولم يكن زيك ممن يستسلمون. رفع وتيرته ببطء وأخذ شفطة أخرى من الشراب. صرخت عضلاته بصوت أعلى حين لامس السائل دمه. اشتدت حمرة الاحتراق داخله وجعلته يشعر وكأنه ممزق من الداخل. بدا الأمر كأن وحشاً ضخماً يقرض عظامه ويعض في نخاعها بينما تسير نملات نارية في تشكيل قاسٍ عبر مجرى دمم.
التوت أحشاؤه كأن الشراب يعيد تشكيله بنشاط ويصنع روابط جديدة دافعاً بجسده إلى ما هو أبعد من حدوده. كانت كل قطرة عذاباً لكن زيك احتملها. جز على أسنان واصبر على الحرارة الحارقة التي تمزق أعضاءه والألم اللاذع الذي خلل عضلاته وهي تكافح لتمتد وتصبح شيئاً أكثر. شيئاً مختلفاً. ورغم الألم كان هناك شعور غريب بالنصر. كان جسده يحتمل. وكان هو يحتمل. بدأ بعض المنافسين الآخرين يعانون بجد الآن.
أطلق قزم يبعد صفين صرخة مكتومة وارتفع صدره وانطوى وجهه بألم. انهار للخلف مع نفس أخير متقطع وتدربت القارورة من يده المرتعشة. اندفع الحرس للأمام وابعدوا القزم فاقد الوعي بسرعة. اشتد تركيز زيك ورفض أن ينتهي به المطاف هكذا. استاب له همس الحشد البعيد متداخل الأصوات كطيف لكن كل ما كان يهم هو القارورة في يده. كان السائل بداخلها ينفد سريعاً. لم يتبق سوى جزء يسير الآن. دارت الدنيا بعينيه بينما مضى قدماً.
كانت النار في داخله لا تلين والعذاب الحارق يكاد يكون غير محتمل لكنه استمر في التحمل. تدفق العرق من كل مسام في جسده مبللاً ملابسه ومساحاً يداه على السطح الأملس للقارورة. دوى نبض قلبه في صدره متوافقاً مع تدفق الطاقة الغامر. ركز زيك عينيه المغللتين على الشيء الوحيد الذي يهم الآن. كان الرمل في الساعة الرأسية ينفد والحبيبات تنزلق بسرعة نحو القاع. أكثر بقليل فحسب. بدت الثواني وكأنها ساعات حين أجبر نفسه على أخذ رشفة مجهرية أخرى ثم أخرى.
كان جسده على حافة الانهيار لكن إرادة زيك دفعته للأمام. كان عليه أن ينتهي. كان عليه إتمام التحدي. وحينها وقبل أن تسقط حبيبات الرمل الأخيرة عبر الساعة الرملية، أمال زيك القارورة للخلف للمرة الأخيرة. انزلقت القطرة الأخيرة في حلقه وللحظة خاطفة وعابرة سكن كل شيء. بدا العالم كأنه توقف. ثم عاد كل شيء متدفقاً. كان الألم مبرحاً. صرخت أعضائه معترضة وتيبست عضلاته في تشنجات بدت كأنها ستك سرها.
بدا دمه كأنه يغلي وكأن جسده عازم على الاحتراق. جاء نفسه متقطعاً وارتجف جسده من الإرهاق لكنه فعلها. لقد أنهى التحدي. صدح صوت المعلق ووصلت كلماته بالكاد لتخترق غشاوة زيك.
"مبروك لكل من تمكن من الإنهاء في الوقت المناسب!"