غادرت الشمس كبد السماء وراحت تغطس تحت الأفق حين خطا زيك خارج المقر الرئيسي. لم ينصرف فور انتهاء تقييمه، بل آثر الحديث إلى الحشد الغفير الذي تجمهر في المكان. فهؤلاء لم يكونوا أناساً عاديين، إذ لابد لمن يجرؤ على تحدي لوائح الترتيب أن يتمتع بقدرات استثنائية، شأنه شأن القوى الكامنة وراء صقل تلك المواهب الفريدة. كان لقاء أمثال هؤلاء يتطلب في الظروف العادية جهداً ومثابرة، لكن تلك العقبات تداعت برمتها بعد عرضه المبهر.
هبّ الجميع لتهنئته متلهفين لكسب وده والتقرب منه. لم يردّهم زيك بطبيعة الحال في موقف كهذا. سواء أكان مالك مزرعة من روكيا، أم تاجر رقيق من كوروفان، أم تاجراً من تْريدسباير، حرص على تبادل بضع كلمات مع كل منهم. فالمرء لا يكتفي البتة من معرفة الرجال، ومن يدري متى تثبت جدوى تلك الروابط؟ غادرته طاقته وأنهكه إرهاق اليوم بحلوله، وتركته الأحداث مفعماً بالنشوة والوهن معاً.
استبد به شعور طاغٍ بالفخر وهو يقلب في خاطره ما أنجزه في غضون يوم واحد فحسب؛ انضمامه إلى شبكة البوابات، وتحطيمه لرقمين قياسيين، ونسجه لروابط مع صفوة القارة. غير أن الابتسامات الطسوح والإيماءات المتواصلة جمّدت ملامحه وأنفدت طاقته. فعلى الرغم من تدريبه على ارتياد المحافل النبيلة، لم يلمس زيك قط أي متعة حقيقية في مثل هذه التفاعلات الباهتة. أصبحت تلك المتاعب وراء ظهره الآن، ولحسن الحظ.
لم يكن مطلوباً منه سوى العودة إلى بيته والاستعداد لرحلته نحو عاصمة الأقزام في الغد. ومع قليل من الحظ، ستكون ضجة إنجازاته الأخيرة قد خبت وحمدت حين يعود بعد أسابيع قليلة. جاءت الشوارع كسابق عهدها، ولم يعره أحد التفاتة خاصة، وكأن أنباء مآثره لم تبلغ عامة الناس بعد. تنفس زيك الصعداء، فأسرع خطاه وتوارى بين الجموع قاصداً داره، حيث يأمن العيون الفضولية والاهتمام غير المرغوب فيه.
أطلق زيك زفرة عميقة حين أطبقت البوابة الثقيلة خلفه بقرقعة مكتومة. ها هو فيداره أخيراً، ولا شيء يدعو للقلق فيما بعد، هكذا ظن. لكن طمأنينته لم تدم طويلاً. وما إن وطئت قدمه الممر المرصوف المؤدي إلى القصر، حتى انبعث طيف من الداخل مندفعاً نحوه. لم يستغرق التعرف عليها سوى ومضة، إنها أخته الصغرى مايا. انحدرت الفتاة الشقراء العداء على المنحدر وابتسامتها العريضة تضيء المساء.
لم يملك زيك إلا أن يعكس تعابيرها متبسماً، وتخلت ملامحه عن القناع اللبق الذي ارتداه طوال الظهيرة. قفزت مايا بين ذراعيه حين تقارب الاقتصاص، فالتقطها زيك في عناق دوّار ممتلئ، واملأت ضحكاتها الرخيمة الأجواء.
سأل محيطاً بخصرها ومبنياً إياها برفق على قدميها: "ما الذي أثار حماستك هكذا؟"
قفزت فوق سؤاله تماماً وسألت: "ما الذي فعلته هذه المرة؟"
أجاب بنبرة محايدة وملامح مبهمة: "ما الذي يجعلك تظنين أنني فعلت شيئاً؟"
تذمرت مايا راسمة على وجهها مزيجاً من الإحباط والخيبة. مع ذلك، صمد زيك أمامها، مواجهاً نظراتها بصمت أرغمها على الإفصاح عن مصدر درايتها.
استسلمت متأوهة بتصنع: "حسناً إذن. لقد غصّ القصر بالمبعوثين طوال الظهيرة، وأصرّ الكثيرون على مقابلتك شخصياً، بل إن عدداً منهم أُرسل من قِبل أمراء التجار، فقد تعرفت على عدة شارات تخصهم".
أشلت بإصبعها نحوه متهمة: "أخبرني ماذا فعلت!"
تنهد زيك مراقباً آماله في قضاء أمسية هادئة تتبخر تحت ثقل التزامات اجتماعية إضافية. لكن مناص من ذلك. إن نوى حقاً الانضمام إلى مجلس التجار، فلا طاقة له بمعاداة أعضائه قبيل جلسة استماعه.
قال: "سأشرح لك كل شيء قريباً، لكن ينبغي لي أولاً التحقق مما إذا كانت والدتنا تحتاج إلى عون مع ضيوفنا".
أوحت ملامح مايا بمدى ممانعتها للانتظار، لكنها استسلمت لذكرها لأمهما، وهو ما يعني ببساطة أن الوضع أسوأ مما حسب زيك بكثير. تلمس ومضة من الارتياح مجدداً لعلمه باقتراب فرصته في الانصراف، ولو لفترة قصيرة. قاد زيك مايا صاقراً كفها الصغير في الدرب المرتفع نحو القصر. أخذت تثغو بسعادة عن الشارات المختلفة التي تفرستها على الزوار، بينما استغرقت أفكاره التحديات المرتقبة. كان التواصل الاجتماعي قبل قليل محتملاً، بل ولطيفاً أحياناً، لكنه أدرك أن أمراء التجار سيكونون تجربة مختلفة تماماً.
لم يساوره الشك لحظة في أن مجيئهم كان لمجرد التهنئة. فالربح يحرر التجار، ومهمته تكمن في اكتشاف وجهة استفادتهم من التقارب معه الآن. وعليه في المثالي أن يجد سبيلاً لقلب خططهم لصالح هوامشه. وعلى أسوأ تقدير، كان عليه ضمان عدم التعرض لخسارة شخصية. وصلا المدخل فانطلقت مايا لمشاركة رفيقاتها التدريب، تاركة زيك يقتفي أثر خادمة نحو قاعة الاستقبال. لم تكن هناك حاجة لرؤيتها ليدرك كنه ما ينتظره، فقط حذره مجال وعيه مسبقاً.
كانت القاعة مكتظة عن آخرها بالزوار، وبدا أن الطاقم استسلم في مرحلة ما عن غربلة الضيوف وأدخلوهم جميعاً على عواهنها. لمح زيك وسط الفوضى والدته مصحوبة ببضع من أشد مساعديها ثقة وهي تحاول بث النظام في الحشد العصي. لكن الوضوح جلى منذ النظرة الأولى أنها تخوض معركة خاسرة. تفرس الغرفة فعرف وجوهاً عدة، فقد آثرت شخصيات نافذة الحضور شخصياً عوضاً عن إرسال مندوب، وهي علامة قاطعة على جسامة أعمالهم.
ومما يؤسف له أن هؤلاء لن تقنعهم الكلمات المهذبة ولا الوعود الفضفاضة. نطق بريق العرق الخفيف على جبين أمه بحجم الضغط الذي ترازحه. خلف زيك الخادمة وخطا نحو الصباح بوعي. توقف برهة عند العتبة فسوّى هندامه قبل الولوج.
أعلن بصوت اخترق الضجيج: "معذرة، لقد عطلتني التزامات أخرى".
وكما خطط، استقطب دخوله انتباه الضيوف فوراً، فانزاحت الأبصار عن والدته لتتسمر عليه هو وحده، الرجل الذي جاؤوا لرؤيته. اقتنص زيك في تلك العيون لمحة عن مآربهم؛ كانوا يرونه صيداً سهلاً بنظرات جارحة ومفترسة تحسب مقاسات طريدتها القادمة. انساحت ابتسامة عريضة على وجهه وهو يمتص المشهد بأسره. وللناظر العادي، لابت بدا ودية بل وبريئة، غير أن ما وراء تلك الابتسامة لم يكن كذلك بالمرة.
كان رجل بدين أول المتحركين نحوه، مقبلاً بابتسامة عريضة مزيفة تكافئ الملق الماثل على شفتيه. لكن قبل أن ينطق ببنت شفا، رفع زيك يده موقفاً إياه مكانه. بدت الحركة فظة لا مراء فيها، لاسيما تجاه ضيف، لكن زيك لم يملك رفاهية ترك الحشد ليملي الإيقاع. فحين يُترك المرء ليجرفه تيارهم، تصبح الأخطاء حتمية.
عمد زيك إلى تلطيف الوقع بملامح معتذرة قائلاً: "أنا آسف يا سيد كوفيلز، لم أبتغي إهانتك، لكني مضطر لرفض أي لقاءات فردية في الوقت الراهن".
بدت ملامح الرجل التي تجهمت قليلاً إثر الأمر بالتوقف بالاسترخاء. خفف اعتذار زيك السريع واستخدامه لاسم الرجل من غضبه، وبدا للمتفرجين أن زيك يجلّ السيد كوفيلز تقديراً عالياً، وإلا فلماذا يتكشم عناء حفظ اسمه ووجهه؟ بالطبع، لم يكن هذا صحيحاً على الإطلاق. ودون عون أكاشا، لما عرف الرجل أصلاً. وحتى الآن، وجد السيد كوفيلز باهتاً ولا يثير الإعجاب. كانت عائلته تنحدر مطرداً منذ توليه شؤونها خلفاً لأبيه الراحل، وهذه الزيارة بدت محاولة بائسة لإنقاذ ثرواتهم الآفلة.
لم يتردد زيك بطبيعة الحال في إهانة شخص كهذا إن استدعى الموقف، لكنه يفضل إبقاء الأمور ودية إذا أمكن تدارك الإهانة بكلمات في محلها؛ فالمجاملة لا تكلف شيئاً.
تنحنح السيد كوفيلز: "أحم، لا غضاضة يا صديقي الشاب. لكن، ما دام لا نية لديك لقبول اللقاءات، فلماذا أتيت أصلاً؟ ألم يكن الأمر سوى مداعبة لنا؟"
ضاق جداء عيني زيك قليلاً. لا غضاضة يا ابن الفاعلة. استحال تجاهل اللفظ المبطن الذي سعى بدقة لحشد الحشد ضده بالإشارة إلى ضياع وقتهم. ومع ذلك، ظلت ابتسامته ثابتة حين رد.
رد بطلاقة: "أبعد ما يكون عن ذلك. أنا أفضّل وحسب وسيلة تواصل أكثر كفاءة".
وقبل أن يتسنى لأحد استجلاء مقصده، أصدر زيك أمراً صامتاً لأكاشا. وكما نسقت جنود قبيلة الأنياب الجليدية، راحت تعاونه في إدارة هؤلاء الضيوف. وبعد هنيهات، تردد صداه في عقل كل منهم بوضوح قاطع وكأنما يخاطبهم مباشرة إلى جواره. اتسعت ابتسامة زيك لمرأى الصدمة المرتسمة على وجوه الحشد. ومع وجود بضع عشرات منهم فحسب، تجاوز هذا العرض قدرات أغلب السحرة. وفي الواقع، كان هذا أحد المآثر التي حققت له تقييمه الأخير.
لم يبقَ أدنى شك بعد هذا الاستعراض؛ فالشائعات التي دارت حول قدراته المتعددة السحر لم تكن مبالغة قط.
خيم صمت مطبق على الغرفة إذ استغرق كل ضيف في "اجتماعه الخاص"
مع زيك. وبالتأكيد، لم يكن للرجل نفسه دراية بما يدار في تلك المحادثات المتزامنة، لاستحالة متابعته لعدد هائل من التبادلات دفعة واحدة، لذا لم يحاول التنصت أصلاً، موكلاً أمره لثقته الكاملة في كفاءة أكاشا. وإذ لم يشغل بملك شيء، أطلق زيك عينيه تتجولان في الحشد، وما لبث بصره أن استقر على هيئة غريبة تقف جانباً فتوقف قلبه لهفة. لم يلحظها من قبل لغيابها التام عن إدراكه المكاني.
اكتست الهيئة برداء أسود سابغ غطاها بالكامل، دون أن يُبدي قطعة جلد واحدة. واجه زيك أزياء شبيهة كفاية ليدرك معناها؛ فقد كان ذلك دون شك مبعوثاً للملك.
شق زيك طريقه نحو المبعوث ملقياً تحية مهذبة: "معذرة، لم انتبه لوجودك قبلاً".
حدق المبعوث في زيك مطولاً مخلفاً صمتاً مزعجاً.
أخيراً، تحدثت الهيئة بصوت مُعَالَج يستحيل معه على زيك تحديد جنسه: "لا بأس. يا إزيكييل تْريدسباير، أسلمك هذا رسمياً".
من طيّات ردائه المسحور، انبثقت رسالة ناصعة البياض. فوراً، انشدت أبصار كثيرين من الحاضرين إليها. كانوا يدركون مغزاها، فكثيراً ما أرسل الملك مبعوثين لنيابته، وتفاعل جلهم معهم من قبل. لكن الوثيقة الرسمية كانت أمراً آخر؛ فقد أشارت عادة إلى عقد رسمي أو مرسوم ملكي مباشر. حاول زيك استراق النظر إلى محتوى الرسالة بوعيه المكاني، لكنها -كالمبعوث- عصت عليه وتحصنت ضد سبحه. ورغم الأسف، إلا أن ذلك يعني حرمان الآخرين من التجسس عليها أيضاً؛
فمن الواضح أن الملك كان شخصاً دقيقاً للغاية. تقبل زيك الرسالة مسلماً إياها من المبعوث، الذي ظل متجمداً كتمثال حتى استقرت الوثيقة في كفه. وما إن حازها زيك حتى دبّت فيه الحياة، فخطا متجاوزاً إياه صوب المخرج من غير كلمة وداع واحدة. تردد زيك للحظة ممعناً النظر في فتح الرسالة فوراً. فقد بلغ فضوله ذروته حيال فحواها. لكنه حسم أمره ورסّن استعجاله. دسّ الرسالة لحين ميسرة وعاود التركيز على واجباته، وبات أشد لهفة للتعامل مع ما تبقى من الضيوف غير المرغوب فيهم.
ولحسن الحظ، أدت أكاشا دورها بفعالية، فلم يلبث أول المغادرين أن غادروا القاعة. ارتدى بعضهم تعابير ودودة مؤومئين لزيك في طريق رحيلهم، بينما انصرف آخرون متجهمين عابسين دون الالتفات ناحيته قط. ومع مغادرة كل شخص، أبقته أكاشا على علم بطلباتهم وطريقة تعاملها معهم. وسرّه ما سمعه من تقارير؛ فقد فهمت غاياته بحدس حاد واقتنصت الفرص المتسقة مع أهدافه. وبطريقة ما، كان إلمام الروح بملذاته أمراً مقلقاً، لدرجة شعر معها أحياناً بأنها تفهمه أكثر من فهمه لنفسه.
أخيراً، غادر آخر الزوار، تاركاً زيك وحيداً في قاعة الاستقبال الفسيحة. وانسلت والدته بمعية مساعديها لحظة توليه الزمام، ملقين نحوه نظرات شكر وهم يبرحون المكان. وما إن انغلق الباب وخفّ صدى الخطوات، حتى استل زيك رسالة الملك مجدداً. خفق قلبه بقوة حين شقّ المغلف بشفرة من الدم المتصلب. أخرج المحتوى وبسط الصفحة الوحيدة. ورغم بدايتها العادية، كان زيك أعلم من أن يحكم على رسالة من الملك الغامض بمجرد المظهر البسيط.
وفعلاً، كفت الجملة الأولى وحدها لبعثرة طمأنينة قلبه: "باسم وبصفاتي ملك تْريدسباير، أتقدم بعرض رسمي لاعتماد إزيكييل تْريدسباير للانضمام إلى مجلس التجار..."