امتدت السماء فوقها بلا نهاية، رقعة زرقاء نقية بلا أثر لأي غيمة. لم تكن الغيون موجودة قط، ولم يكن ممكناً أن توجد، ليس على هذا الارتفاع. كانت فكرة غريبة، أن تدرك أنها إن أرادت رؤية البياض الناعم للغيم، وجب عليها أن تنظر إلى أسفل. خطت مارغريت إلى شرفة مسكنها الصغير حيث وضعت كرسيان وطاولة صغيرة. كانت كلها منحوتة من الخشب، مثل كل شيء في هذا المكان الغريب. حسناً، ربما لم تكن كلمة منحوتة دقيقة تماماً.
بدا الأمر أشبه بأنها نمت بالصدفة لتأخذ الشكل المرغوب، بلا أي تدخل صناعي. تلك كانت طريقة أهل الإلف. بدلاً من تطويع عطايا الطبيعة وتشكيلها حسب مرادهم، فضلوا همس الكلمات لها، على أمل أن تستجيب لمتطلباتهم. كان الأمر رقيقاً، بمعزل عن مجتمعهم الذي لم يكن رقيقاً بأي حال. ما إن وطأت قدم مارغريت العراء، حتى عابث هبوب ريح شعرتها الطويلة. رحبت بها. كانت الريح رفيقتها الدائمة طوال الأشهر الماضية، إحدى القليلات اللائي حظيت بهن.
بعد خطوات، بلغت الصابئ المنخفض لشرفتها. لم تكن كلمة شرفة دقيقة تماماً، فكرت بمرارة. فبالنهاية، صُمم هذا المكان لغاية مختلفة تماماً. وقع بصرها إلى أسفل، فلم تلقَ سوى امتداد لا نهائي للسماء، لا يقطعه سوى بساط أبيض كثيف من الغيون في الأسفل بعيداً. وإلى يسارها ويمينها وفوقها وتحتها، تناثرت أكواخ مشابهة على الأغصان الضخمة، المئات منها، وكل واحد منها مطابق لكوخها. كانت تلك مساكن ما يُدعَى بالطائرين، كما أطلق الإلف عليهم.
لم تكن تلك الشرفات مجرد زينة. بل كانت منصة هبوط والمدخل الوحيد لمسكنها المعزول. ففي النهاية، كان هذا المكان جاثماً على أحد أعلى وأقصى أغصان إيغدراثيل، مكان لا يطاله أحد ممن يفتقرون القدرة على الطيران. بالطبع، لم تستطيع لوم الإلف تماماً على خياراتهم. كانت المساحة أثمن سلعة على شجرة العالم، ووجدت أسباب منطقية لإرسال سحرة الريح، أو الطائرين، إلى الأغصان النائية. ولكن أكان يجب أن تبدو بيوتهم تماماً كأعشاش الطيور؟
وصولاً إلى طريقة تثبيتها على الشجرة العملاقة؟ كان الأمر مهيناً للغاية. ومما زاد الإحباط انعكاس موقع السكن على مكانة صاحبه في المدينة. بالنسبة لسحرة الريح، تعنى هذه الإقامة الدائمة في الأطراف، رمزاً لمكانتهم في مجتمع الإلف. ومع عدم نبذهم صراحة، لم تكن سحر الريح موضع احتفاء قط. تَمّ تقبّل الطائرين، في أفضل الأحوال. أغمضت مارغريت عينيها، دافعة بالريح لتلامس بشرتها. أهكذا شعر زيكي طوال مدة إقامته في الإمبراطورية؟
فقط الآن، وهي تقف مكانه، أدركت حقاً ثقل الأمر بأسره. نادراً ما تذمر زيكي من المعاملة التي تلقاها، لكن لابد أن احتمال ذلك التجاهل العرضي كان مُضنياً، خصوصاً في طفولته. وحتى الآن، عانت مارغريت من تعال الإلف، وهي التي عاشت عقوداً. على الأقل تعلمت ضبط ردود أفعالها. في تلك الأسابيع الأولى، غلبها طبعها، ووجدت نفسها في عراك أكثر مما تود الاعتراف به. غير أن الأمر لم يستغرق طويلاً لتدرك أن الإلف لا يملكون صبراً لصنّاع المشاكل.
أفلتت بأعجوبة من الطرد بانضمامها رسمياً إلى الطائرين، مكتسبة مكانة تكفي لتأمين موطئ قدم. ذلك القرار غيّر كل شيء. تحسنت معاملتها فوراً. لم تعد مجرد دخيلة؛ بل باتت شخصاً يحمل لقباً، مهما كان وضيعاً. الزي الذي ارتدته استوجب قدراً من الاحترام، أو على الأقل أبقى معظم الإهانات بعيدة. بدأت مارغريت تُزرّر قميصها الضيق، مغلقة إياه حتى الياقة الصلبة التي بدت كأنها حبل مشنقة حول رقبتها.
كانت لها مشاعر متضاربة تجاه الزي. فمن جهة، كان ضيقاً للغاية، ملتصقاً ببدنها كجلد ثانٍ. ورغم تغطيته لها من الرأس حتى القدمين، بدا مكشوفاً بشكل غريب. ومن جهة أخرى، لم تستطع إنكار عمليته. كان أفضل لباس للطيران ارتدته قط، منساباً، ولا يقدم أي مقاومة تقريباً للهواء. شعرت بأنها أسرع وأخف، كأن الريح ذاتها استحسنت زيها. إذ اطمأنت لاستقرار كل شيء، خطت مارغريت نحو الشرفة وغاصت.
سلمت نفسها للريح، يخترق جسدها الهواء بلا عناء. استحال غوصها انزلاقاً حين التفت حول الغصن الضخم الذي رُبطت به مجموعة أكواخها. مستدعية الريح لترفعها أعلى، قطعت طريقاً جانبية قصيرة، مفضلة تفادي خطر الاصطدام بأحد. كانت المتاعب تجد طريقها إليها دون أي مساعدة. لطوال ساعة تقريباً، تتبعت الغصن الخشبي الهائل، الممتد بطوله الجارف نحو قلب إيغدراثيل. وكلما حلقت، كبرت المنازل التي تمر بها وازدادت تعقيداً، تذكرة صامتة بالمحاباة الفاقعة داخل مجتمع الإلف.
حين لاحت المدينة الرئيسية في الأفق، تضخمت العقار بأحجام مذهلة. علقت عيناها بقصر فاره بوجه خاص يمتد على الغصن، ومزود بحديقة اصطناعية، عرض سخيف للثراء. وحده العقار كان لِيَسَع العشرات من أكواخها الصغيرة. سخيف، فكرت بمرارة. لم تشك لحظة في أن أي قاطن بقرب الجذع يعيد نسبه إلى الإلف الأوائل. فغالباً ما امتلك هؤلاء أسلافاً، على الأقل بضعة عشراً منهم، يجلسون في المجلس، مؤمنين مكانة عائلاتهم لأجيال.
كانت صورة للبذخ، ولم تترك مجالاً للشك حول أولويات المدينة. ليس كأنها في موقع يسمح لها بالحكم. فالمجتمعات البشرية لم تكن أفضل، بعد كل شيء. عكست تريدسبير نفس هيكل السلطة لشجرة العالم، طبقية وصارمة. ومع ذلك، برأيها، بقي هناك فرق ملحوظ. التميز قد يوصلك بعيداً كإنسان. لم تحتج للبحث بعيداً عن مثال. فسيدها، إزيكييل، صعد من بدايات عامية ليقف بين الأقوى، موقع يضاهي القصر الواسع الذي عبرته لتوها.
وقد فعل ذلك كله في جيل واحد، قبل حتى أن يبلغ العشرين. هذا الصعود الصاروخي كان أمراً لا يمكن تصوره بالنسبة للإلف. بينهم، المكانة تُورث ولا تُكتسب. ودون قرون من الجهود وعمل أجيال لا تحصى، كان الاعتراف مستحيلاً. في عين مارغريت، أولئك ذوو الرقاب اليابسة والآذان الطويلة لن يحنوا رؤوسهم أمام إكسارخ حتى وهم بعد غضّو العود. هذه الصلابة، ورفض التزحزح متى تعلق الأمر بالمرتبة والامتياز، هما ما أبقيا الإلف منعزلين على الأرجح.
لم تستطع مارغريت تخيل تقبل أي من الأجناس الأخرى لمثل هذه المواقف. بالتأكيد لم يكونوا ليصلحوا دبلوماسيين جيدين. ضحكت مارغريت بخفة للفكرة قبل أن تخفض علوها تدريجياً. لقد وصلت. أمامها تقف قاعة الطائرين. وفقاً لعقدها، طُلب منها قضاء بضعة ساعات هنا أسبوعياً على الأقل، متلقية أي مهام تقع في طريقها. ولحُسن حظها، تردد معظم الإلف في ائتمان شحناتهم إلى غير إلفي، مما ترك لها وفراً من وقت فراغ.
هبطت بنعومة على الشرفة الشرقية وامتزجت بتيار المتجهين للداخل. امتد الممر أمامها، مصطفاً بصفوف من الأبواب. أصدر كل باب وميضاً أحمراً خافتاً، مشيراً إلى شغله. مرت مارغريت بجانبها حتى وجدت أخيراً باباً ينبض بالأخضر. وبزفرة استسلام، خطت للداخل. كان الغرفة شحيحة كالعادة: حصيرة تأمل واحدة وطاولة صغيرة مع كراسيها. اتضح جلياً أن الراحة لم تكن قط بالحسبان في تصميمها. توجهت إلى الفتحة المجاورة للباب ووضعت رمزها المرقم، ٦٥٢، بالداخل، معلنة استعدادها لتلقي العمل.
ومع ذلك، صلت في سرها ألا تأتي أي مهام في طريقها. ولخيبتها، ترددت خطوات في الممر فور تسجيل حضورها. كان ذلك منحوساً حقاً. أربما طلبها أحدهم بالاسم؟ بدا الأمر مستبعداً، لكنها لم تجد سبباً أفضل لظهور أحدهم بمثل هذه السرعة. لم يطُل فضولها إذ انفتح الباب المقابل لبابها. بقيت مارغريت جالسة بينما اقتحمت امرأة إلفية المكان، وابتسامة متعجرفة ترتسم على وجهها لحظة وقوع عينيها على مارغريت.
علق بصرها، لفترة أطول بكثير، على مواضع معينة. عاهرة شبقة، لعنت مارغريت في سرها، مقاوِمة رغبتها في قلب عينيها. لم تكن المرة الأولى التي تتعرض فيها لمثل تلك النظرة من هذه المرأة. ولنكون منصفين، لم تكن ميريلا الأسوأ. حسب خبرة مارغريت، كان الإلف جميعاً منحرفين إلى حد ما، لكن على الأقل اقتصرت نظرات هذه على التحديق ولم تتجاوز الحدود.
"أشبعت نظرك؟"
قاطعت مارغريت، بصوت جاف مع امتداد الصمت.
"لا تكوني هكذا، ٦٥٢"، ردت المرأة الإلفية بصوت متدلٍ، متوسعة بابتسامتها.
"ليس الأمر كأن نظري يكلفك شيئاً."
"يكلفني وقتاً"، ردت مارغريت سريعة، ونفد صبرها.
تنهدت ميريلا بمسرحية.
"أنا حقاً لا أحسد فصيلتكم قصيرة الأعمار. دائماً مهووسون بتوفير الوقت، دائماً في عجلة. أتتوقفون يوماً للاستمتاع بألطف متع الحياة؟"
سخرت مارغريت، عاقدة ذراعيها.
"كفي عن إضاعة وقتي يا ميريلا. ألديك مهمة لي، أم جئت للتحديق فقط؟"
هزت ميريلا رأسها متظاهرة بالبراءة.
"الحق يقال، ليس لدي مهمة لك في الواقع..."
ضيقت مارغريت عينيها بحدة. أيعني هذا أن هذه المرأة أتت حقاً لتحدق بها فقط؟ سيكون ذلك دركاً أسفل جديداً، حتى على هذه المنحرفة البغيضة.
"...هذه المرة، أتيت لأوصل لك شيئاً"، أضافت ميريلا بنبرة مشاكسة، مستمتعة جلياً حين بدأ الغضب يتصاعد على وجه مارغريت.
"ها هو."
لوحت برسالة في الهواء، ممسكة بها بين أصابعها كأنها حلوى ترجو حيواناً أليفاً أن يتوسل لأجلها. استقر بصر مارغريت الحاد على ختم الشمع في الخلف. تخطى قلبها نبضة. كان لا يُخطأ، ختم عائلة فون هوهنهايم الشخصي. رسالة من إزيكييل. وثبت مارغريت واقفة في ومضة، متقدمة بخطوة لخططف الرسالة. لكن ميريلا، متوقعة الحركة، رقصت برشاقة خارج المدى. برغم تصرفاتها البغيضة، كانت الإلفية ساحرة رياح هائلة بحق، محلقة بخطورة قرب مستوى رئيس السحرة.
إمساكها كان حلماً بعيد المنال، ومارغريت أدركت ذلك. بزفرة إحباط، اعتدلت مارغريت، وغيظها يتأجج تحت السطح بقليل. كان يجدر بها توقع أمر كهذا. ألعاب ميريلا كانت مرهقة دوماً، لكن ذلك لم يقلل من وطأتها المزعجة في اللحظة.
"ماذا تريدين؟"
سألَت مارغريت، بصوت مشدود بكبح بالكاد وُوري. اتسعت ابتسامة ميريلا، متعجرفة ومظفرة.
"ما رأيك أن تقولي من فضلك؟"
"من فضلك"، قالت مارغريت فوراً، متجرعة كبرياءها.
"ليس هكذا."
هزت ميريلا رأسها بخيبة أمل مصطنعة.
"أتوقع منك أن تخفضي رأسك قليلاً على الأقل."
"أعطيني الرسالة من فضلك"، كررت مارغريت، خافضة رأسها جزءاً يسيراً.
همهمت ميريلا متفكرة، ناقرة بإصبعها على ذقنها.
"همم. ليس تماماً بعد. ربما يساعدك أن تركعي على ركبتيك؟"
سمعت مارغريت ما يكفيها. كان يجدر بها ألا تستسلم لألعاب هذه السادية اللعينة. منح شبر يشجع ميريلا على التمادي، ومارغريت علمت أن الأمر لن يتوقف هنا. انقطع صبرها. بتركيز حاد للإرادة، انطلقت عدة [شفرات رياح]، مخترقة الهواء باتجاه نقاط مقتل الإلفية مباشرة. لم تجرؤ مارغريت على التراجع، ليس مع شخص مثل ميريلا. اكتفت الإلفية بابتسامة أوسع، مرسلة عدداً مماثلاً من [شفرات الرياح]
في طرفة عين. اصطدمت التعاويذ في منتصف الهواء، منحرفة عن مسارها لتصيب الجدران والسقف. أنين الخشب العتيق بينما نحتت فيه أخدود عميقة، ولكن بالسرعة ذاتها، بدأ الضرر يداوي نفسه، ملتحماً من جديد.
"إذن، تمتلكين أسناناً..."
قالت ميريلا، بصوت مشوب بالتسلية.
"الرسالة"، طالبت مارغريت، محدقة بها.
"هاتيها هنا."
أومأت ميريلا، بعرضية مفرطة، قبل أن ترمي الرسالة نحو مارغريت.
"بالتأكيد. كل ما كان عليك فعله هو الطلب."
خطفتها مارغريت من الهواء، ما زالت ترمي ميريلا بنظرة سامة. لم تستطع استيعاب ما يدور برأس الإلفية، وبصراحة، لم تكترث. كانت رئيستها المباشرة مصدر إزعاج أكثر من أي شيء آخر، وتعلمت مارغريت تجنب الاحتكاك بها متى أمكن. ولحُسن الحظ، بدت ميريلا فاقدة للاهتمام، مغادرة الغرفة بالسرعة التي دخلت بها، مرجح أنها في طريقها لتلويث يوم أحدهم بآلام أخرى. لحظة انغلاق الباب خلفها، مزقت مارغريت الرسالة.
طافت عيناها على المحتوى، متحركتين بسرعة تفوق ما بدا ممكناً. أستطلب منها العودة؟ كان الأمر ما تشتاقه وتخشاه في آن. فمن جهة، سيكون إجازة غفران مغادرة هذا المكان الخانق، أمنية راودتها مراراً. ولكن من جهة أخرى، لم تحقق شيئاً بعد. لم تبنِ صلات حقيقية، ولم تخترق هرم الإلف، لا شيء. يمكن القول إن هذه الرحلة بأسرها كانت هضماً ضخماً للوقت حتى الآن. وكلما قرأت مارغريت أكثر، ازداد وجهها سواداً.
عرض إزيكييل وضعه بالكامل، شارحاً ما يحتاجه من الإلف. ورغم ذلك، لم يفرض مطالب. بل ترك الخيارات برمّتها لها، عارضاً حتى خيار العودة إن لم تعتقد أن بقاءهم سيفيدهم. كانت لفتة ثقة. لكن عوضاً عن الشعور بالارتياح، عمقت تلك الكلمات الثقل على صدرها فحسب. احتياج زيكي لها، بينما شعرت بالعجز عن المساعدة. كان شعوراً أسوأ بكثير من ياقة زيها الضيقة الضاغطة على رقبتها. تحولت عيناها إلى الموعد النهائي بأسفل الرسالة.
أربعة أسابيع. بالكاد بدا وقتاً كافياً، ولا حتى قريباً منه. لكن مارغريت علمت أن لم تبذل قصارى جهدها، فلن تسامح نفسها قط. استقر بصرها، وتعزز عزمها. لم يعد مهماً إن اعتقدت بقدرتها على النجاح، ما همّ هو منحها كل ما تملك. هكذا، على الأقل، لن تترك لنفسها ندماً. إذ اتخذت قرارها، جلست مارغريت على حصيرة التأمل، وعقلها أصفي وأكثر تركيزاً عما عهده منذ أسابيع.