عزلت سنو نفسها منذ يوم المعركة الفاصلة. رآها زيك للمرة الأخيرة وكانت شبه غائبة عن الوعي. ها هي قد جاءت لتلقاه بمحض إرادتها الآن. لا يمكنه تجاهل هذا الأمر. أومأ برأسه لغرافيطاس مشيراً إلى أنه قادم.
قال: "أمّي، عليّ الذهاب"، وشعر بوخز من الذنب لقطعه لقاءهما.
سألت أمه والقلق بائن في نبرتها: "أحدث شيء؟"
قال زيك: "لا شيء سيء. جاءت صديقة للزيارة".
صمتت أمه برهة.
وسألت ونبرتها تأخذ طابعاً غريباً: "أهي فتاة؟"
لم يستطع زيك إلا أن يدير عينيه. لمَ تتصرف أمه بغرابة دائماً عند ذكر أي فتاة؟ أراد أن يطمئنها سريعاً بأن الأمور ليست هكذا بينه وبين سنو. لكنه تذكر حديثه مع وينتر وعرض الزواج فانطبق فاهه. لم يقبل العرض لكنه لم يرفضه أيضاً.
اعترف وهو يدرك تماماً أنه يحفر قبره بهذا الكشف: "...إنها فتاة".
وكما توقع، تحولت مخاوفه إلى حقيقة.
انطلقت سيلاً من الأسئلة: "من هي؟ كم عمرها؟ أتحبها؟ أجميلة هي؟ كيف هي طبعاً..."
بدا كلامها بلا نهاية وبدأ صداع يضرب رأس زيك. بدأ الاتصال العقلي يشبه تعويذة هجوم لا أداة محادثة.
قاطعها زيك سريعاً رافعاً نبرته قليلاً قبل أن تكتسب مزيداً من الزخم: "أمّي، يجب أن أذهب حقاً. أحبك".
توقفت وتنسى أسئلتها السابقة.
لانت نبرتها بعد برهة: "أنا أحبك أيضاً يا زيك. احذر هناك و... أرجو أن تعود قريباً. نفتقدك".
تخثر نفسه عند كلماتها. استشعر عمق قفلها وأدرك كم تغيرت حياتهم بسببه. من دفء قريتهم المسالمة، أُجبرت عائلته على الفرار حتى ترايدسباير، متخلين عن حياتهم التي بنوها بين عشية وضحاها. لم يلوموه قط، لكنه فهم ثقل التضحيات التي بذلوها، فهم يعيشون كمنفيين فعليين ومكروهين في وطنهم وغير قادرين على التحرك بحرية دون مرافق مسلح. أقل ما يمكنه فعله هو التواجد لأجلهم.
"سأراك قريباً يا أمّي".
قطع الاتصال العقلي بهاتين الكلمات. أخذ زيك نفساً عميقاً مرتباً مشاعره. لا ينفع أن يقابل سنو وأفكاره مشوشة. استغرق لحظة قبل أن يخرج أخيراً من غرفته. وقعت عينا زيك على سنو عند دخوله. كانت جالسة على أحد الكراسي القليلة التي تمكنوا من الحصول عليها وظهرها نحوه. مع ذلك، استشعر فوراً مدى تغيرها. كانت سنو التي يتذكرها حيوية وقلقة وتتحرك بلا توقف. غلب عليها طابع خجول وبريء وخصوصاً أمام الغرباء.
لكن المرأة الماثلة أمامه الآن مختلفة كلياً. جلست سنو بجمود تام وقد طوت يديها بعناية في حجرها بلا أثر للنفاد. أعطاها استقامتُها ووقارُها هالةً من الثقة والنضج. ذهل زيك لبرهة. أيُعقل أن يتغير المرء هكذا في وقت قصير؟ التفتت سنو برأسها نحوه في اللحظة التالية مستشعرَةً نظراته. التقت أعينهما وضربته حِدّة نظرتها، كحدة شديدة تذكره بشخص التقى به منذ وقت غير بعيد وهو وينتر.
لكن عينيها لانت بالسرعة ذاتها وامتلأتا بالدفء والحيوية المألوفتين كالفتاة التي يتذكرها.
قالت بصوت خافت: "يا زيك".
نهضت سنو واقفة مع اقتراب زيك وذهل مجدداً من طولها. ورثت سنو مكانة فارعة كأبيها وينتر، فالفتاة التي كانت تبلغ صدره ذات مرة تقف اليوم عيناً لعين معه. كانت طفرة نمو مذهلة. لكن طولها لم يكن الوحيد الذي لاحظه. ثمة ضغط ملموس يحيط بها وهالة قوة لم تكن موجودة من قبل. تفاعلت دماء التنين في داخله بغريزتها كتحذير خفيف لخطر محتمل. ازدادت سنو قوة ومبعثاً للإنذار. مع ثقة زيك الباقية بفوزه إن تشاجرا، لا يمكنه تجاهل حقيقة أن هذه الميزة قد تزول إن واصلت التحسن بهذا المعدط.
أدرك خطأ افتراضاته. ظن أن سنو تنعزل لتتعامل مع مشاعرها المضطربة لكنها كانت تتدرب فيما يبدو. مرونتها أشد ممّا نسب إليها وسرّه رؤية ذلك. شعر بوخز حزن من جهة أخرى لرؤية الفتاة الصغيرة التي عرفها تختفي تدريجياً مفسحة الطريق للمرأة التي تشكلت. كان شعوراً حلواً مُرّاً.
ردّ أخيراً ملاحظاً أنها ما زالت تنتظر تحيته: "يا سنو، كيف حالك؟"
أجابت بنبرة توحي بعدم رغبتها في الخوض بالأمر: "بخير... ألديك دقيقة؟"
أومأ زيك وجلس على المقعد مقابلها. كانت صالة المدخل هادئة كالعادة ولا حارس سوى واحد يقف خارج النفق. وبانشغال أُش وغرافيطاس بمهامهما وملازمة فولكانوس للفراش، أمكنهما الحديث بلا قلق هنا.
سأل بفضول لسبب قدومها للبحث عنه وهي زيارتها الفردية الأولى له: "ما الأمر؟"
بدأت سنو بالقول: "تحدثت إلى أبي. أخبرني بالعرض الذي قدمه لك..."
تغيرت تعبيرات زيك مباغتة بذكر سنو العرضي للزواج. بدا هدوؤها كأنه سؤال بسيط ومع طول الصمت لاحظ احمرار أذنيها. حاولت الظهور باتزان لكن الاحمرار فضحها. أومأ زيك مشيراً لها بالمتابعة.
سألت سنو بعد فترة: "...لمَ رفضته؟"
أمال زيك رأسه بدل الإجابة وردّ بسؤال: "أتريدين الزواج؟"
ترددت سنو ثم أجابت: "أظن أنك مناسب".
"ليس هذا ما سألته".
أقرت سنو أخيراً: "أنا... أنا لا أعرف. لكني لا أريد أن ترحل أيضاً..."
أطلق زيك تنهيدة خافتة. انصدع القناع الصلب الذي بنته في تلك اللحظة وررى الفتاة الضعيفة التي يعرفها. فهم لمَ طرحت طلب الزواج عرضاً. لم تدفعها المحبة بل الخوف من فقدان المزيد من البشر الذين تثق بهم.
قالت زيك برفق: "عليّ الذهاب".
اهتزت مبالاتها كما توقع وانهارت الجدران التي بنتها فوراً. كره رؤيتها هكذا لكنه لا يستطيع المكوث للأبد. أهمل عائلته لفترة أطول من اللازم ولم يتحمل التأجيل حتى لو تسبب بألم لسنو.
مع ذلك، لم يستطع تركها بالحزن وحده فأضاف سريعاً: "لن يدوم الأمر للأبد. حين أزداد قوة سنستطيع اللقاء مجدداً".
ولم يكن زيك يكذب. فمتى اكتسب قدرة عبور الفضاء متى شاء استطاع زيارة سنو وقتما أراد.
سألت بعد برهة: "...بأي قوة؟"
توقف زيك مفكراً في السؤال. لتأسيس اتصال دائم وبعيد المدى بهذا المكان يتيح له السفر هنا بإرادته، سيلزمه بلوغ مرتبة رئيس السحرة. العملية أعقد بكثير من أي شيء فعله حتى الآن. فحتى خزينته في ترايدسباير بناها رئيس سحرة لا هو. وإسهامه الوحيد حينها اقتصر على طبع توقيعه لضمان وصوله وحده وكان ذلك بحد ذاته تحدياً صعباً.
أردف زيك متوقفاً برهة: "سيلزمني التقدم مرة أخرى على الأقل".
ولم يرد منحها أملاً كاذباً فأضاف: "قد يستغرق الأمر أعواماً طويلة".
حدقت به سنو بعينين تلمعان بشيء لم يتبينه. توقع تثبيط عزمها بكلماته لكنها بدت غارقة في التفكير بدلاً من ذلك. تحدثت مجدداً بعد لحظات.
"إن... إن صرت أقوى، أتستطيع زيارتك أيضاً؟"
صمت زيك مباغتاً بالسؤال. منطقها لم يكن خاطئاً نظرياً. فلو صارت قوية بالقدر الكافي لأمكنها الوصول إليه. لكن القلق الحقيقي يكمن في مدى القوة اللازمة للبقاء في نطاق البشر. فحتى ريا، وهي تايتان بقوة تكاد لا تُحصى، لم تجرؤ على التجول علانية خوفاً من الاكتشاف. قد يكون الأمر أقل خطورة على الخيمروي لعدم غرابتهم في بعض المناطق. لكن زيك يعلم استهداف قوى معينة لها. فشخص كسنو بقدراتها وسلالتها ستمثل قيمة لا تُقَدّر كعبد.
ولن ينقص الأشخاص المستعدين للمغامرة بكل شيء لأسرها. لا، الأمر خطير جداً لتتيه وحدها.
أردف زيك بعد تفكير لحظة: "بإمكانك. لكنك تحتاجين صيرورة قوية جداً. بقوة أبيك على الأقل".
قالها لتثبيط عزمها لكن لمعة عينيها زادت إشراقاً.
ردت سنو وعادت ابتسامتها: "إذن فهو وعد. إن صرت بقوة أبي فسآتي لأجدك. وإن تقدمت أولاً فستأتي لتجدني".
كاد زيك يفقد صوابه لذكرها العرضي لبلوغ مستوى أبيها. ومنذ متى أصبح صيرورة الأب الروحي أمراً بسيطا؟ مع ذلك لم تستطع نفسه تثبيطها مجدداً. فإن نجحت في بلوغ تلك المستوى ستأمن حتى في نطاق البشر. فالقليل ممن ينافسون قوة وينتر هم سحرة قدامى لن يتصرفوا بتهور وخصوصاً لأسر أب روحي بانتماء مجهول. فهذه الخطوة كارثة منتظرة.
قال زيك محاكياً ابتسامتها: "...إنه وعد".
مهما أؤول إليه هذا الوعد، فزيادة قوة سنو لا يمكن إلا أن تكون أمراً جيداً. فحتى إن لم تبلغ قط مستوى قوة أبيها، فقدرتها على منافسة رؤساء السحرة ستكفيها لحماية نفسها في أغلب المواقف. وستمنعها على الأقل من التحول لهدف لتجار الروايا العابرين. حين وافق على الوعد، ازدادت سنو حيوية. بدا واضحاً ثقل فكرة رحيله عليها. وبدا الارتياح أشد عليها حين أخبرها ببقاء أُش مع القبيلة أيضاً.
تقاربا كثيراً أثناء رحلاتهما، وسُرّ زيك بوجود شخص آخر على الأقل لتعتمد عليه سنو في القبيلة. ومع معاملة أبناء القبيلة الجيدة لها، ظلت ثمة مسافة دائماً وخصوصاً الآن. كمتبقية وحيدة من بنات وينتر، ارتفع موقع سنو أكثر وسيزداد مع قوتها. وسيصعب عليها تكوين صداقات حقيقية مع الوقت. تحدثا مطولاً وانفتحت سنو أخيراً حول تعاملها مع موت أشقائها. سُرّ زيك لرؤيتها تخفض حارثها وتؤتمنه على أعمق مشاعرها.
وشعر عند رحيلها بتقلص المسافة بينهما وبقربه منها أكثر من أي وقت مضى. هبط زيك في مقعده متابعاً بعينيه شكلها المنسحب. نمت سنو لتصبح امرأة مذهلة بشتى الطرق. لم تكسرها قسوة الأسابيع الماضية بل صقلت شخصيتها عوضاً عن ذلك. وتأرجح شعرها الأبيض مع كل خطوة حرّك شيئاً في زاوية منسية منذ زمن في قلبه.