شعر زيك ببعض الذهول من كلمات الأب الروحي. ما طبيعة العلاقة التي تجمعه بسنو؟ كان السؤال صعب الإجابة بشكل مدهش. شعر خلال رحلاتهما بالمسؤولية تجاهها، وغالباً ما ذكرته الفتاة الصغيرة الحيوية بأخته، لتتسلل ببطء إلى قلبه. لكن الموقف أصبح ملتبساً بعض الشيء الآن بعد أن كبرت سنو فجأة. وجد نفسه عاجزاً عن الإجابة بسهولة لهذا السبب. بدا أن وينتر أساء فهم صمته فازداد جدية.
قال: "ينبغي أن تكون قد لاحظت بحلول هذا الوقت أن سنوه... وجود خاص، أليس كذلك؟"
خرج زيك من أفكاره فركز على الرجل الماثل أمامه. خاص؟ ماذا يعني؟ كان زيك يعلم أن وينتر يفضل سنوة على أبنائه الآخرين، لكنه افترض دائماً أنه مجرد تفضيل أبوي. بدا الأمر الآن وكأن هناك ما هو أكثر من ذلك.
سأل زيك بفضول: "بأي معنى؟"
أجاب وينتر بصوت مقتضب: "إنها ذات دم نقي".
أمال زيك رأسه. بالطبع هي ذات دم نقي. إنها ابنة لأحد الآباء الروحيين، تماماً مثل فروست وبولاريس وأبناء شاسرا.
لاحظ وينتر ارتباك زيك فوضّح قائلاً: "يسيء البشر فهم عرقنا. غالباً ما يطلقون لقب ذوي الدم النقي على كل أبناء الآباء الروحيين، لكن هذا غير صحيح".
انحنى زيك للأمام مصغياً بانتباه. آمن هو الآخر بصحة ذلك، لكن بدا الآن أن هناك ما هو خلف الكواليس. صمت وينتر لبرهة ومقله ترمقان الفراغ.
"... أنجبت أطفالاً كثرين على مدار عمري الطويل. ومع ذلك، لم يستحق لقب النقي حقاً سوى واحد منهم حتى يومنا هذا".
سأل زيك: "وهذه سنوه؟"
أومأ وينتر برأسه.
"نعم، لا يعتبر قول إنها ابنتي الحقيقية الوحيدة خاطئاً بمعنى ما".
عبس زيك عند سماع هذه الكلمات. أهذا هو نوع الرجال الذي يمثله وينتر؟ شخص يتخلى عن أبنائه لمجرد وجود قصور في سلالاتهم؟ بدا أنه بحاجة لإعادة تقييم الرجل الواقف أمامه. بدا هذا الخيار قاسياً. ابتسم وينتر بمرارة خفيفة وكأنما قرأ أفكاره.
"أتظنني قاسياً؟"
لم يطق زيك بكلمة. ومع ذلك، لم ينكر كلام وينتر أيضاً، مما أظهر موافقته الضمنية. أومأ وينتر برأسه كأنه فهم شيئاً ما.
"لا بد أن يبدو الأمر هكذا من وجهة نظرك المحدودة".
قطب زيك جبينه. وجهة نظر محدودة؟ لم يبرح يظن نفسه جاهلاً، وكانت بصيرته في أغلب المواضيع تفوق المتوسط بكثير. لذلك، وعلى الرغم من معرفته بأن هذا قد يزعج الطرف الآخر، أفصح زيك عما يدور بخلده.
"أعتقد أن معظم الناس سيشهدون الأمر هكذا".
رمقه وينتر بنظرة خلت من المشاعر تماماً، لكن زيك شعر بتضاعف الضغط الواقع عليه. لم يستمر الأمر سوى لحظة واحدة قبل أن يكبح وينتر هالته.
ردد وينتر: "معظم الناس، هاه؟ أتزن معتقداتك غالباً بآراء الجماهير؟ أتظن جهلهم الجماعي يمنحهم بصيرة أكبر؟"
تشكلت قطرة عرق على جبين زيك. بدا أنه تجاوز حدوده بملاحظته الأخيرة. ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة، فقد اتسم تعليقه بالوقاحة وبعض الخلل المنطقي. لذلك، وحتى لو أراد ذلك، عجز عن دحض كلمات الأب الروحي. فهو يعلم بعد كل شيء أن المعتقدات الشائعة لا تستند برمتها إلى الحقيقة. ألم ينبذه المجتمع بوصفه وحشاً مهووساً بالدماء كونه ساحر دماء؟
حسم زيك أمره فحنق رأسه قائلاً: "أعتذر، لقد تكلمت بلا تفكير".
لن يغنم شيئاً من معاداة وينتر. لم يكونا على قدم المساواة، لا من حيث القوة ولا من حيث تجارب الحياة. يمكنه الاستفادة من هذه المحادثة بدرجة أكبر بكثير إن كبح غروره وعامل وينتر كمعلم لا كنداّد. أومأ وينتر ببطء وعادت الغرفة تدريجياً إلى حالتها السابقة. بدا أن كل تقلب في مشاعر الأب الروحي ينعكس تلقائياً على محيطه.
قال: "لا باس. ما زلت صغيراً في النهاية".
تنهد زيك بارتياح. كانت إشارة جيدة على أن وينتر لم يحمل في نفسه شيئاً بسبب كلامه. ومع ذلك، إن تمكن وينتر من التحلي بهذا القدر من العقلانية، واجه زيك صعوبة في فهم سبب حديثه القاسي عن أبنائه. أثار الموضوع السابق بحذر مرة أخرى.
"أتمتلك الاستعداد لمشاركتي منظورك؟"
انتقلت نظرة وينتر إلى المذكرة التي بين يديه للحظة وهو يداعب الغلاف بأصابع يده. ومع ذلك، بدا أن كلماته التالية لا علاقة لها بالمحادثة إطلاقاً عندما فتح فمه من جديد.
"أتعلم عمر أطفالي؟"
بذل زيك قصارى جهده للإجابة على الرغم من التحول المفاجئ في الموضوع.
"لست متأكداً تماماً. لكن بالاستدلال على سرعة نموهم، ينبغي أن يكون أقل من عمر البشر".
هز وينتر رأسه نافياً تخمينه.
"الإجابة مختلفة قليلاً. في الحقيقة، لا يملك أبناء جنسي عمراً محدداً. بل يعتمد موتُنا وحياتُنا على عامل واحد عوضاً عن ذلك. أترغب في تخمينه؟"
خمن زيك قائلاً: "أيمكن أن يكون... نقاء السلالة؟"
أومأ وينتر.
"كلما نقات السلالة، زاد الإمكان".
ضغط بيده فانهارت المذكرة التي يحملها فوراً.
"تمتع فروست بموهبة محدودة رغم إرادته القوية. لم يعش حتى عقدين من الزمان، ومع ذلك بلغ ذروته بالفعل. كان سيتحول بعد بضعة عقود أخرى إلى عجوز يفشل جسده الضعيف في التشبث بالحياة".
استمع زيك بصمت محاولاً فهم الوصلة التي يقصدها وينتر.
تابع وينتر حديثه: "وكانت بولاريس مثله. بل إن حالتها كانت أسوأ. فبرغم ذكاتها، كانت موهبتها أضعف من موهبة فروست".
التفت ليواجه زيك.
"أتدري ما أريد قوله؟"
تأمل زيك هذه الكلمات. وفيما فهم المنطق، عجز عن إدراك الصورة الأكبر. ما أهمية مدى موهبة أبنائه؟ ظلوا متفوقين بمراحل على أي أفراد آخرين في القبيلة. ولهذا لم يدرك سبب أهمية الأمر الكبيرة. لذا، اعترف بجهله صراحة. رمقه وينتر بنظرة عجز عن فك شفرتها. بدت مزيجاً من الكئابة والفهم.
سأل فجأة: "أنت بلا أطفال، أليس كذلك أيها التنين الصغير؟"
هز زيك رأسه وقد اكتست أذناه بحمرة طفيفة. أطفال؟ لا يملك صديقة حتى، فما بالك بزوجة.
قال وينتر بجدية: "حينها لن تدرك بطبيعة الحال... شعور دفن لحمك ودمك".
وقعت هذه الكلمات التي نُطقت بهدوء يشبه الهمس على زيك كالصاعقة. أدرك في تلك اللحظة المعنى الحقيقي لما قصده وينتر. كان منظوره ضيقاً بالفعل. فقد فكر من منظور بشري، لا من منظور كائن كالابن الروحي عاش لآلاف السنين. يموت كل أطفال وينتر في طفولتهم من منظوره، ويكادون لا يحظون بفرصة للعيش. فأي أب يتحمل رؤية أطفاله جميعاً يرحلون قبل أن تخطو أقدامهم خطواتهم الأولى؟ ليس كثر. ومع ذلك، لمح وينتر إلى إنجابه الكثير من الأطفال، بالعشرات أو المئات ربما.
فأي ضغط نفسي يتطلبه اختبار هذا الألم مراراً وتكراراً؟ أدرك زيك شيئاً آخر فجأة، وهو السبب وراء معاملة وينتر الباردة لفروست وبولاريس. لم يكن ذلك لعدم رغبته في معرفتهما أو لعدم اكتراثه. كلا، بل لأنه لم يجؤر على ذلك. لم يجؤر على الاقتراب منهما لعلمه أنهما سيموتان في طرفة عين، مما سيترك جنداً أعمق في قلبه. شعر زيك بمزيد من الغباء لكلماته السابقة بعد إدراك هذه النقطة. كم بدا غبياً وهو يثرثر بلا حساب!
أراد الاعتذار مرة أخرى. غير أن نظرة واحدة في عيني وينتر كانت كفيلة بإخباره بانتفاء الحاجة لذلك، فلم تحمل تلك النظرة أي لوم. قرر زيك عوضاً عن ذلك السؤال عن أمر آخر أثار فضوله.
"إذن... ماذا عن سنوه؟"
تحول وجه وينتر الصارم إلى اللين لأول مرة منذ بدء محادثتهما فقال: "سنوه... هي ما أملته طوال هذه السنين. سلالتها... نقية تماماً".
سأل زيك: "ما معنى هذا بدقة؟"
استطاع تخمينه غالباً. ومع ذلك، رغب في سماعه مباشرة من الأب الروحي.
أكد وينتر: "دمها مطابق لدمي تماماً. وهذا يعني أنها لن تشيخ أبداً متجاوزة أوج شبابها ولن تموت لأسباب طبيعية، إنها ذات دم نقي بحق".
اتسعت عيناه زيك. سنوه... بهذا القدر من الخصوصية؟ أكان يرافق ابنة لأب روحي طوال هذا الوقت؟ إن صحت كلمات وينتر، تجاوزت قيمة سنوه كل ما تصور. سيتعقبه تجار الرقيق في كوروفان حتى أطراف الأرض لو علموا بالأمر. وفسر هذا الكشف أيضاً سبب بحث وينتر المستميت عنها لدرجة وقوعه في كمين. إنها رفيقة للأبد، وابنة يستطيع تقديرها حقاً. أدرك زيك أيضاً استطاعة سنوه التقدم بهذه السرعة متأملاً القتال السابق.
ففي غياب سقف لامكانياتها، ومع توفر موارد القبيلة وتقنية غليان الدم الخاصة به، ستستمر قوتها في الارتفاع السريع حصراً. ستتفوق عليه خلال بضعة أعوام حتماً مهما بلغت سرعة تقدمه. إنها مميزة حقاً. أومأ وينتر فهماً لرؤية تعبيراته المصدومة.
"أرى أنك فهمت".
أجاب زيك وما زال عقله يحاول استيعاب هذا الكشف: "هذا... كثير جداً للاستيعاب".
قال وينتر وهو يستدير مبتعداً مقترباً من المكتب: "إنه كذلك حقاً".
استند إليه منتظراً استعادة زيك لرباطة جأشه. قدر زيك الاستراحة القصيرة وهو يجمع أفكاره. بات عليه بعد إدراك وضع سنوه بوضوح إعادة تقييم مكانتها في حياته. سيحتفظ بها وينتر قريبة منه غالباً إلى أن تقوى بما يكفي لحماية نفسها، مما يعني احتمالية عدم رؤية زيك لها مجدداً ما لم يبق مع القبيلة. لكن البقاء لم يكن خياراً مطروحاً. فقد حضر إلى هنا لإنجاز جهازه لتنقيح المانا فقط، ومع تحقيق ذلك الهدف، بات مستعداً للرحيل.
اشتاق لعائلته شوقاً شديداً، ولم تكن طموحاته متمركزة في هذه القارة المقفرة بل في وطنه الأم. كان الأمر محتوماً، وسيتعين عليه توديع سنوه قريباً جداً. تنهد زيك والتفت ليواجه الأب الروحي المنتظر بصمت.
قال: "شكراً لصبرك".
أومأ وينتر كأن الأمر تافه.
"إذن... أيمكنني السؤال عن سبب استدعائك لي؟ أفترض أن الأمر لا يقتصر على توضيح سوء فهمي بشأن ذوي الدم النقي".
أجاب وينتر وقد اكتسى تعبيره بالجدية: "أنت محق. السبب وراء استدعائك مرتبط بذلك الموضوع ومنفصل عنه في آن".
ازداد نظره صرامة.
"الحقيقة أنني مدين لك. لقد قدمت عوناً هائلاً عبر المساعدة في تعافيي وحماية قبيلتي، وليست ديناً يمكن سداداه بسهولة..."
التزم زيك الصمت، وإن شعر في قرارة نفسه بانتفاء حاجة وينتر للامتنان. فلم يتكبد خسارة أبداً من تعاملاتهم وحرص دائماً على ضمان قدرته على الهرب عند الحاجة. ولم يشعر باستحقاقه العميق لهذا التقدير حقاً. لكن بدا أن وينتر يرى الأمور بشكل مختلف. وازداد نبرته صرامة.
"على ضوء هذا الدين، أنا مستعد لتقديم ما لا أمنحه لغيرك أبداً..."
ارتسم تعبير مؤلم على وجهه وكأن وينتر ينتزع الكلمات انتزاعاً. لم يملك زيك، رغم شعوره بعدم استحقاقه لمثل هذه المكافأة، إلا أن يشعر بالحماس عند هذه النقطة. ماذا سيمنحه الأب الروحي؟ أهناك كنز يعجز حتى هو عن مفارقته؟ بلغت عيون وينتر من الجدية مبلغ الموت وهو ينطق بكلماته الأخيرة.
"سأسمح لك بالزواج من ابنتي".
قوبل هذا التصريح بصمت مطلق.