ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 37 — منيات القلب 2

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 37 — منيات القلب 2 باللغة العربية على مانجا تايم.

وقف زيك مذهولاً أمام القلب الماثل أمامه. كان حيّاً، وقادراً على التفكير. تمسك بأمل واهٍ بأن القلب لا يعدو كونَه غرائز لا تعي شيئاً، لكنَّ ذلك الأمل تبدّد.

صارع عواصف شعوره المتاجِجة، وسأل بصوت حاول قدر الإمكان أن يضبطه: "ماذا تريد؟".

تردّد صدى صوت القلب في عقله بارداً محندماً: "هيا، هيا، لا داعي للتصنّع والشجاعة. أنا أشعر بمشاعرك حقّاً".

وقفت هذه الكلمات صاعقة في حلقه، وتساءل في قرارة نفسه عن الخبايا الأخرى التي يُخفيها هذا القلب عنه. لكنْ بعد مليّ تكيّف مع الفكرة، أدرك أنَّ هذه الحقيقة ما كان يجب أن تفاجئه أصلاً. فلو كان القلب بهذه القوة التي يتخيّلها، لعَجَبٍ حقّاً أن تنجوَ روحه المبتدئة من هيمنته.

ولم يعد يكترث لإخفاء ارتعاشة صوته وهو يسأل: "أأنت ساحر عقلٍ كبير؟".

بدا القلب مستشيطاً من السؤال، وشعر زيك بطيف من مشاعره الغاضبة.

أجاب بنبرة متعالية: "ساحر كبير؟ ساحر عقل؟ وحدها الأجناس الدنيا البائسة تستخدم هذه الألفاظ لتصف تلك الخدع البسيطة التي تعلّمتموها. جنسي لا يعرف سحر العقل يا بني. أنا آمر فيُطاع. هذا كل ما في الأمر. ولِمَ قد أحتاج إلى تعلُّم سحر العقل لأبلغ ما هو حقّي الموروث بطبيعته؟".

تسمّر زيك مفجوعاً من ردّ القلب. لقد أحسّ بوضوح بالقلب وهو يستخدم سحر العقل للسيطرة على فيولا، لكنَّ الرابط بينهما لم يوحِ له قط بأنه يكذب أو يراوغ. بل غلب على ظنّه أن القلب يعدُّ مجرد التفكير في خداعه أمراً دونه بكثير. وتساءل في حيرة عن مدى القوة التي يحوزها هذا الكيان حقّاً وما يقدر عليه. كانت تبعات كلماته مرعبة، وشعر زيك بصغر شأنه وضآلته أمام هذا الكيان الغامض.

لم يكن زيك يعلم الفصيلة التي انحدر منها القلب يوماً، ومع شدّة شوقه للسؤال، كان هناك ما يهمّه أكثر: "ماذا تريد منّي؟ من الواضح أنك جلبتني إلى هنا لهدف محدّد".

ضحك القلب في عقله وأجابه بنبرة ساخرة: "ألسْتَ بشرياً ذكياً! نعم، صدقت، لقد جلبتك هنا عمداً. في الحقيقة هناك ما أريده منك. وفي المقابل، أعدك بأن أترك هذه الفتاة وشأنها. ما رأيك؟".

رمق زيك القلب بنظرة، وأطال التأمل قبل أن يجيب بحذر بالغ: "لا أستطيع إجابتك قبل أن تخبرني بما تريده منّي تحديداً".

قهقه القلب من كلماته، وتسلّل إلى نفس زيك شعور بأن القلب يعلم ما لا يعلمه، ويستمتع بإذلاله.

"وهل يهمُّ؟ أيعني الأمر شيئاً ما أريده منك؟ من ذكريات هذه الفتاة، أدرك أنك مستعدّ لفعل أي شيء لإنقاذها. قل لي إن كنت مخطئاً، لكنّي أحسبك إن طلبتُ حياتك نفسها، لجادلتَ بها".

سرت قشعريرة في جسد زيك، واجتاحته موجة من الضعف والخوف حين أدرك كم يقرأه القلب ببساطة. أيقن أن عليه الحذر في كل لفظ وحركة، فأدنى خطأ قد يجلب الهلاك ليس له وحده، بل لفيولا أيضاً. كتم زيك غيظه وهو يحاول تدبّر أمر ينقذه، فقد كان يمنى أن يغفل القلب عن قيمة فيولا كرهينة، لكنْ طالما أنه أيقن أن زيك مستعدّ للتضحية بكل شيء لإنقاذها، فقد زاد العبث بالتخفي.

أطلق زيك تنهيدة يائسة وأجاب بصوت خافت منكسر: "حسناً، أنت مصيب. مهما يكن، أنا موافق. والآن قل لي ما يتوجب عليَّ فعله لتطلق سراح فيولا".

صمت القلب هنيهة، وحين عاود الحديث، كان يطرح موضوعاً لا صلة له بما سبق. وتصاعد شعور بالرهبة والقلق في صدر زيك وهو يصغي، جاهلاً بما ينتظره أو ما ينويه هذا الكيان حقّاً.

"حين أفقت في هذا المكان، ظننته معجزة في البداية"، قال القلب بصوت تشوبه مرارة وسخرية.

"كنت على حافة الموت، وقد هشّمت معركة ضارية جسدي. تعثرت داخل كهف منعزل، أسعى يائساً لمداواة جراحي بلا جدوى. لذا، وحين وجدت نفسي حيّاً أرزق، غمرتني نشوة عارمة. لكنْ حين أدركت ظروفي، وفجور أولئك الأوغاد الذين أسروني، تمنيت لو أن موتي كان حاسماً".

غرق صوت القلب في الغضب والأسى وهو يستعيد ماضيه. أصغى زيك باهتمام بالغ.

وحين توقف القلب، بادر بسؤاله: "الأوغاد الذين أسروك؟ أتقصد الغيغ؟".

بدا القلب ساخطاً لمجرد ذكر الاسم: "لا أعرف اسم جلاديَّ، ولا أكترث لمعرفته. جلّ ما أعرفهُ أنهم أبقوا ثلاثة من أشياخهم الأقوياء قربي طوال الوقت. سحرة عقل، كما تسمونهم. وحتى لو انتموا لجنس وضيع، ففي حالتي هذه وبلا جسد، كانوا أقوياء بالقدر الذي منعني من وضع حدّ لحياتي".

عجز زيك عن الكلام. أفعَلَ الغيغ ذلك حقّاً؟ أأسروا كائناً حيّاً داخل جوهره عقوداً طوالاً للتجارب فقط، حانمين حتى من اختيار موته؟ ومع تفكيره بالأمر، تيقّن أن الغيغ قادرون على فعل ذلك. فقد يكونون متقدمين وأصحاب علم، لكنَّ نهمهم للتطور أعماهم عن عواقب أبحاثهم الأخلاقية. أثار الأمر غثيانه، واستبدّ به غضب واشمئزاز عميقان تجاه الغيغ. تحدث القلب بنبرة كئيبة، كمن يستعيد آلاماً وعذاباً تجرّعه لقرون طوال.

"بقيت محبوساً داخل عقلي لقرون"، استهل حديثه.

"وكل ما أملكه كان المراقبة، وأنا أزداد ضعفاً بينما تفكك تلك الشياطين الصغيرة جثتي لتبني منها أسلحة ودروعاً سلبتها من أشلائي. لقد غمرتهم السعادة بالغنيمة، وأحسست أنهم يطمعون بالمزيد. لم ترغب أصابعهم الجشعة في جوهري فحسب، بل في روحي ذاتها، ليبنوا إحدى آلاتهم الجهنمية من صميم كياني. لم أملك سوى الانتظار والمراقبة وهم يشقون طريقهم ببطء لكسر دفائعي".

فاضت كلمات القلب باليأس والقنوط، كأنه رهن حلقة مفرغة من العذاب والألم الأبدي. وبينما كان القلب يتحدث، كان زيك يصغي برعب متصاعد. فكرة أن يبقي الغيغ كائناً واعياً سجيناً داخل عقله لقرون، يُضعفونه ببطء بينما يمزقون جسده لغاياتهم الشيطانية، كانت أمراً يفوق التصور. ولم يستطع زيك إلا أن يتخيل العذاب والألم اللذين كابدهما القلب، مما أشعل في صدره نار الغضب والحزن. وجد زيك نفسه مجبراً على مواجهة الحقيقة القاسية لمجتمع الغيغ وهو يعيد قراءة الأبحاث التي طالعها في مكتبة أولينزو.

طالما ظن أن عينات الاختبار في الملاحظات كانت حيوانات صغيرة، لكنَّ كشف أسر القلب والتجارب عليه اضطره للشك في ذلك. فالأوصاف عن العينات المحبوسة في الأقفاص وعدم الاكتراث بسلامتها رسمت في عقله صورة مزعجة. ولم يستطع التخلص من شعور بأن الغيغ أجروا تجارب على كائنات واعية، وما يترتب على ذلك كان شيئاً مرعباً. ومع تعمّقه في أبحاثه، أدرك أن الغيغ لم يقتصروا على تجريبهم على الكائنات الواعية فحسب، بل لم يروا حاجة لتغطية الأمر أصلاً.

إن فكرة إقدام حضارة متقدمة على مثل هذه الفظائع أثارت في نفسه غضباً وخيبة أمل عميقين. وتحدث القلب بنبرة حنين، كأنه يسترجع ذكريات صراعه الماضي.

"بعد قرون من العزل، مُنحت أخيراً بصيص أمل. تعطلت إحدى الآلات التي كانت تحبسني قليلاً، فمنحتني فرصة للتحرك. استخدمت ما أملكه من قدرات محدودة للتأثير في عقول اليافعين والضعفاء، محاولاً دفعهم لإنقاذي. لكنَّ سعيهم باء بالفشل. فسجانيّي، أولئك الشياطين الصغار، قتلوا كل من تأثر بي، ووضعوا إجراءات دخول صارمة لمدينتهم، تاركين إيَّاي بلا أهداف تذكر. ووجدت نفسي حبيساً من جديد، عاجزاً، ومضى المزيد من الوقت. لكنَّ فرصتي أشرقت أخيرًا بعد سنين طويلة".

تغيرت نبرة القلب وهو يتحدث عن الجزء الأخير.

"في هذه المرحلة، بات شيخ واحد منهم كافياً لكبح جماحي"، بدأ القلب، بصوت يطفح بالاستسلام والهزيمة.

"لكن في إحدى الليالي، ابتسم لي القدر أخيراً. تعرض الشيخ الذي يحرصني لحادث. كان طاعناً في السن، حتى إن جسده الفاني الضعيف أوشك على التلاشي. لن أستطيع أبداً فهم كيف تتقبل أجناسكم الدنيا حقيقة أنكم تضعفون مع التقدم بالعمر، عوضاً عن اكتساب القوة مع كل عام تعيشونه. على أي حال، انكسر الكرسي الذي كان يجلس عليه العجوز فهوى. لم أصدق عيني حين رأيته طريح الأرض، ميتًا. رغم كل براعته السحرية، كفاه سقطة بسيطة عن كرسي ليرديه. لكنْ حين أدركت أنني لم أُقمع للمرة الأولى منذ أكثر من قرن، غمرتني السعادة. استخدمت قوتي للسيطرة على الحراس وجعلتهم يقتلون الجميع نياماً. وفي خضم غضبي، جعلت الحراس ينتحرون أيضاً بعدها. كنت مسروراً، مسروراً لأنني تحررت أخيراً".

توقف القلب، وكان البؤس المنبعث منه جلياً.

"والآن يا إيستاس الصغير"، تحدث القلب، وبصوت ينطوي على خبث، "وصلنا إلى النقطة التي تلعب فيها دورك من قصتي. كما ترى، لقد مرت آلاف السنين منذ تلك الليلة المشؤومة التي تذوقت فيها طعم الحرية وتخلصت من جلاديَّ. ولكل ما تراه عيناك، ما زلت هنا، سجيناً بين هذه الجدران. وهنا يأتي دورك يا إيستاس العزيز. أريدك أن تساعدني على الهرب من هذا السجن".

ذهل زيك من طلب القلب. أبهذه البساطة يكون الأمر؟ أيريد القلب مساعدة في التحرر فحسب؟ بدا الأمر منطقياً وممكناً لزيك، لكنه تذكر خطف فيولا بعدها. لِمَ تكبد القلب كل هذا العناء ليجلبه إلى هنا؟ وكلما طال تفكيره، استوطن القلق معدته.

والتفت في النهاية إلى القلب، ووجهه مشوب بالريبة: "وكيف تقترح أن أساعدك على الهرب من هذا المكان بالضبط؟".

وحين ردّ القلب، كانت كلماته تخرج ببطء، وكل مقطع يشدّ وثاق التوتر في الغرفة.

"ما أريد منك فعله يا إيستاس، هو أن تمنحني جسدك"، قال القلب بنبرة منخفضة ومخيفة.