ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 36 — مبتغى القلب 1

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 36 — مبتغى القلب 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

شخص زيك وهو يحدق في فيولا وتملكه الدوار عاجزاً عن استيعاب حقيقة ما حدث للتو. شعر كأنه تلقى ضربة مادية، وخارت قواه ليترنح إلى الوراء ويجلس بثقل على الأرض شارداً مشوشاً. كان امتزاج فقدان الدماء بصدمة الموقف أكبر من قدرته على التحمل، فجاهد للسيطرة على جسده الذي بدأ يرتجف بين الخوف واليأس. مدّ يده إلى أعماق روحه مستعيراً قوة سحر الدم ليثبت نفسه ويهدئ العاصفة الهوجاء من المشاعر التي كادت تبتلعه.

استخدم تعويذة [التحكم المثالي بالجسد] ليرخي عضلاته ويبطئ تنفسه، لكن حتى هذا القدر الضئيل من السيطرة لم يستطع إخماد لجب المشاعر التي دارت بداخله. علاوة على ذلك، شعر كأنه عالق في قلب زوبعة يعجز فيها عن إيجاد موطئ قدم أو اتجاه في وجه هذه الصدمة المفاجئة والساحقة. فيما كان جالساً هناك، بدأ ثقل ما حدث للتو يستقر عليه، فغمره شعور عميق باليأس وانعدام الحيلة. لم يستطع منع نفسه من الشعور بأنه فشل بطريقة ما، وبأنه عجز عن حماية من يهمونه، وبأنه بات وحيداً في مواجهة هذه المأساة الغامضة.

كان عقله مزيجاً متخبطاً من المشاعر، وبدا عاجزاً عن التركيز على أي شيء سوى إحساس غامر بالفقد والحزن استولى عليه. لبرهة، اكتفى زيك بالجلوس على الأرض مركّزاً فقط على الحفاظ على إيقاع تنفس منتظم. وما إن استعاد سيطرته على مشاعره حتى بدأ بمعالجة المعلومات التي بحوزته عن القلب. لقد اعلم أن هذا كان محور أبحاث شعب الغيغر لقرن من الزمان على الأقل. وكان شعب الغيغر يأمل في صنع التحفة المقدسة الرابعة من خلال هذا المشروع.

فكر طويلاً وبعمق في أي شيء قد يُستخدَم لقلب الطاولة. لقد أخبرهم الحارس الأول أنه ما إن يسيطر القلب على شخص ما فسيتعين ققتل ذلك الشخص إذ يستحيل أن يتخلى عن سيطرته طالما ظل المرء حياً. أدرك زيك أن الوقت ضيق وعليه إيجاد حل سريع قبل فوات الأوان. أخذ يسترجع كل المعلومات التي تعلمها عن أبحاث شعب الغيغر باحثاً عن أي خيوط أو رؤى قد تعينه. تذكر قراءته لقصص عن تجارب الغيغر مع سحر العقل واستخدام أدوات خاصة للسيطرة على القلب.

فيما كان زيك جالساً هناك غارقاً في أفكاره لم يستطع إلا أن يشكك في كلمات الحارس. هل يمكن الوثوق بها؟ تتعارض هذه الفكرة مع كل ما يعرفه عن كيفية عمل سحر العقل. ولماذا لا يعطلون القلب ببساطة؟ لا بد أن هناك طريقة لإيقاف تفعيل صنع يديهم بالتأكيد. لكن بينما كان جالساً هكذا، انتبه لشيء ما في عقله وأدرك القطعة المفقودة من الاحجية.

تذكر عبارة مفردة من ملاحظات أولينزو: "... لقد كان حقاً من أكبر حظوظ شعبنا أن ننال متعة العمل على شيء كهذا...".

ظن زيك حينها أن أولينزو يتحدث عن امتياز القدرة على العمل في مشروع مهم كهذا، ولكن ماذا لو لم يكن القلب من صنع شعب الغيغر من الأساس بل كان قلباً حقيقياً في الواقع؟ ضربته الحقيقة كالصاعقة ولم يصدق أنه لم يلاحظها من قبل. لقد علَم أن شعب الغيغر خبراء في سحر العقل ويملكون القدرة على التلاعب بتقنياتهم والسيطرة عليها بعقولهم، ولكن ماذا لو عثروا على قلب حقيقي؟ لا بد أن القلب كان النواة السحرية لوحش قمة.

سيوضح هذا القوة والسيطرة اللتين يتمتع بهما القلب على الناس، فهو قلب حقيقي ينبض بالحياة لا مجرد جماد سحري. انتقلت أفكار زيك إلى ما يعرفه عن قلوب أنواع الوحوش المتطورة. تذكر أن أنواع الوحوش التي تمتلك وعياً حقيقياً بُنيت بشكل يختلف عن الوحوش العادية. كانت الوحوش العادية أشبه بحيوانات عدوانية والفرق الوحيد هو قدرة أعضائها على امتصاص جزء يسير من المانا. كانت الوحوش تصبح أقوى شيئاً فشيئاً مع كل نفس هواء وكل لقمة طعام تتناولها.

وكان مفتاح هذا يكمن في قدرة قلب الوحش على تحويل المانا الممتصة وتوزيعها على بقية الجسد لتقويته أثناء ذلك. أما الوحوش ذات الوعي الحقيقي فقد تحولت قلوبها إلى هجين بين قلب ونواة سحرية. لقد استطاعوا استخدام المانا المحيطة بالطريقة نفسها التي يستخدمها البشر فضلاً عن توظيف المانا العائمة لتقوية الجسد. أدرك أن هذا قد يكون سر قوة القلب، وأنه ليس مجرد جسم عادٍ بل قلب وحش ذي وعي حقيقي.

سيفسر هذا قدرته على السيطرة على من يتواجدون في حضرته والتلاعب بهم. إذا كان القلب هو القلب الحقيقي لأحد أنواع وحوش القمة وقد طُوِّر عبر قرن من عبث الغيغر، فلن يستطيع زيك حتى البدء بإدراك حجم القوة التي يتعامل معها. تذكر قصة تايتان سقط في المعركة ضد جيش من الأقزام. يبدو أن التايتان لم يرضه خسارته ففجّر كل المانا المخزنة في قلبه مما أدى إلى مقتل كل الأقزام الحاضرين تقريباً فضلاً عن تدمير نصف التل الذي تقاتلوا عليه.

إن امتلك القلب قدرات شبيهة بما جاء في القصة، فلم يره زيك سبيلاً للنجاة من هذا. عجز عن طرد شعور بأنه خارج ملعبه وأنه قد يعجز عن التعامل مع الموقف. كانت فكرة مواجهة كينونة تمتلك القدرة على تدمير جيش بأكمله بتفجير واحد أمراً مهيباً، وادرك أنه بحاجة إلى خطة وفريق من الخبراء للتعامل مع هذه المهمة بأمان، ولكن لحسن الحظ لم يكن يملك أياً منهما. الشيء الوحيد الذي تأكد منه هو أنه لا يستطيع ترك فيولا تحت سيطرة القلب طويلاً فهو لا يدرك ما يحدث لها الآن.

نهض زيك وبدأ بالمشي وبدت فكرة التخطيط عديمة الجدوى بالنسبة له الآن. لقد امتلك نظرية حول هوية العدو وعلم أنه لا يجاري تلك الكينونة من حيث القوة. أمله الوحيد هو قدرته على استغلال مقاومته لسحر العقل لتدمير القلب أو إنقاذ فيولا والفرار. أدرك أن فرصه في النجاح ضئيلة لكنه لم يستطع الاستسلام وتقبل الهزيمة ببساطة. كان عليه المحاولة مهما بدا الموقف ميؤوساً منه. علم أنه بحاجة إلى التحرك بسرعة، فكلما طال انتظاره زاد الوقت المتاح للقلب لفرض سيطرته على فيولا.

لم يستطع السماح بحدوث ذلك، وكان عليه فعل أي شيء لإنقاذها. حين تجاوز الطابق الثاني، رأى زيك بناءً غريباً يشبه المذبح تقريباً، على غرار ما رأه في كنائس الملوك المتعددة. استقر فوقه شيء يشبه هدية عيد ميلاد مغلفة ومزينة بشريط وكل ما يلزم. أصيب زيك بالدهشة في البداية جراء هذا العرض العجيب، فما هذا؟ هدية عيد ميلاد لأحد الملوك؟ لكنه أدرك حينها ماهية الهدية، فكانت إحدى التحف المقدسة الثلاث وهي صندوق الألغاز.

تذكر كيف تباهت فيولا بأن الصندوق سيتقبلها فوراً كمالكة له ما إن تلمسه. أثار ذكر فيولا وخزاً عميقاً في صدره حين فكر في وضعها لكنه سرعان ما هدّأ نفسه مجدداً. نظر إلى الصندوق وراودته فكرة مفاجئة. ربما يستطيع هو أن يصبح مالك صندوق الألغاز الجديد ويستغل قوته لإنقاذ فيولا وهزيمة القلب. لقد علم أن الصندوق قوي وبأنه قد يكون مفتاح نجاحهم. اقترب من المذبح بخطوات مترددة. تأمل الصندوق المصنوع بحرفية عالية.

بدا أنه صُنع من معدن لا يَعرفه زيك. اتخذ لوناً رمادياً مائلاً للزرقة وظهر بملامح شديدة النعومة. حمل الصندوق نقوشاً فنية طول جوانبه بأكملها. وبدا حقاً كالتحفة الغامضة التي يمثلها. أدرك زيك أن ما ظنه شريط هدية كان في الواقع ملحقاً لتسهيل حمل الصندوق. بقلب يرتجف ويد ترتجف مد زيك يده ولمس الصندوق. لكن شيئاً لم يحدث. وقف هناك محبطاً لكنه لم يفاجأ. لقد أمل من صميم قلبه أن يكون صندوق الألغاز هو مفتاح إنقاذ فيولا وتدمير القلب.

وفي يأسه سمح حتى لبعض دمائه بالتقاطر على الصندوق إذ سمع أن بعض التحف تُرتبط بالدماء، لكن كل ذلك ذهب سدًى. بدا الآن أن كل آماله باءت بالفشل. دقق النظر في النقوش المحفورة على الصندوق محاولةً لإيجاد أي دليل يفسر عدم عمله. لاحظ وجود بعض الرموز المنقوشة على الصندوق بلغة قديمة لم يفهمها. وتأكد تماماً من أن الكلمات الموجودة على الصندوق ستكون مفتاح فتح طاقته. لكن كل هذا لم يكن مهماً الآن، فلم يملك الوقت للجلوس هنا والتجريب مع الصندوق.

حاول حمله فكاد يسقطه من المفاجأة. كان الصندوق خفيفاً وخفيفاً للغاية. في الواقع، تأكد زيك من استحالة وجود أي شيء له وزن داخل هذا الصندوق. بالكاد تصدق أن المعدن المصنوع منه بهذا الخفة. لكنه حين أمسكه بيده أحس بشعور مألوف للغاية ينبعث من الصندوق. شيء شعره طوال كل يوم خلال الشهور الماضية وهو إحساس سحر المكان. لا عجب في عجزه عن استشعار أي وزن للصندوق! ولا عجب في استحالة رؤيته داخل الصندوق حتى باستخدام [الوعي المكاني المثالي]!

إن استخدِم سحر المكان لتخزين محتوياته في مكان بديل فلا بد إذن من انعدام الوزن تماماً. زاد هذا الإدراك تصميمه على معرفة لغز الصندوق. وضع الصندوق في حقيبته الممزقة وانطلق نحو الطابق الثالث. علم أن الوقت ضيق وعليه التحرك بسرعة لإنقاذ فيولا وهزيمة القلب. حين وطأت قدم زيك الطابق الثالث واجه منظراً لم يتوقعه. امتلا الطابقان الأولان بمكاتب صغيرة ومحطات أبحاث، لكن هذا الطابق كان مساحة شاسعة مفتوحة تزخر بتشكيلة من الأجهزة التقنية التي عجز عن إدراك الغاية منها.

وفي خضم فوضى الآلات والاختراعات، قبع عضو عملاق متوهج في منتصف الغرفة. اختلف عن أي شيء رآه من قبل، فكان هجيناً مشوخاً بين قلب ودماغ. لكن ما إن تأمله حتى انجذبت أنظاره إلى شيء آخر كلياً. ركعت فيولا بجانب العضو المتوهج باستقامة جمدت قوامها وأغمضت عينيها. بعث منظرها على هذه الحالة وخزاً من القلق في قلب زيك لكنه أدرك وجوب تركيزه على المهمة القائمة.

وفيما اقترب منها، تحدث صوت داخل عقله بارد وحاسب: "من الجيد انضمامك إلينا يا إزيكييل".