المعرفة أساس القوة كلّها. وما أدرك زيك صدق هذه العبارة بمثل ما يدركه الآن. فجوهره الذي ينبض بالطاقة قد بلغ حدّ التشبع منذ زمن بعيد. ومع ذلك، وبسبب فهمه المحدود، لم يجسر على محاولة الارتقاء. بل الحقّ أن الأمر لم يكن متعلقاً بالشجاعة وحدها، فهو لم يكن يعلم كيف يبدأ أصلاً. وقد تغير ذلك الآن. لقد علّمه وقت العزلة الكثير عن جوهر الجوهر، كما كان الناس يسمونه. وجد زيك التسمية قاصرة.
وبرأيه، كان الأحرى تسميته بوابة؛ بوابة إلى الروح. فهو المكان الوحيد الذي يمكن للجانب المادي أن يتفاعل فيه مع الجانب الروحي، وأداة تمنح الإرادة شكلاً. ولم تكن تلك المصطلحات وحدها ما وجده قاصراً؛ فالمراحل، والارتقاءات، والتعاويذ، يكاد كل لفظ يعجز عن الإمساك بحقيقة ما يجرى على المستوى الأساسي. غير أن أكثر ما كان يزعجه هو أسماء المراحل المختلفة.
«الساحر الحقّ»، مثلاً، مصطلح يثير السخرية لإطلاقه على الارتقاء الأول.
الحقّ؟ لم يكن في تلك المرحلة أي حقّ.
كان «الفيروز»
أو «الجنين»
وصفين أدقّ بكثير لما كان عليه في تلك اللحظة.
في رأي زيك، كان ينبغي لمستوى كبير السحر أن يكون المرحلة الأولى التي تستحق اسم «الساحر الحقّ».
فهي النقطة التي يندمج فيها الجسد والروح حقاً. لكنّ من وضع أسماء المراحل آثر بوضوح ألقاباً تبدو أعظم بكثير مما تستحق، في محاولة فيما يبدو لتدليل غرور الساعين إلى قمة السحر. ولكن كانت هناك المرحلة الأخيرة… العاهل. كانت هذه المرحلة الوحيدة التي ظنّ زيك أنها تقصر عن وصف الحجم الحقيقي للقوة المتحققة في ذلك المستوى. بالطبع، لم يكن يستطيع إدراك ما تنطوي عليه مرحلة العاهل، لكن استناداً إلى التدرج المنطقي، كان زيك على يقين من أنها ليست شيئاً يمكن للبشر بلوغه.
فبلغها يتطلب على الأرجح أن يتخلّى الساحر عن غلافه الفاني ويسمو متجاوزاً المادة، تجسيداً حقيقياً للسحر. كان يتسرّع مجدداً… لم يكن هدفه الحالي بمثل ذلك العلو.
كان مجرد «ساحر حقّ»
يحاول الارتقاء إلى مستوى «الساحر الأعظم».
على الرغم من ازدراءه للألقاب، لم يكن التحول الذي وشك خوضه أمراً هيناً. فمن خلال أبحاثه، تعلم زيك أن الغاية من مرحلته الحالية هي تهيئة الجوهر وإعداده لتطوره. وقد اكتشف مبكراً أن التعاويذ التي يختار الساحر نقشها تمثل أكثر من مجرد تحسينات طفيفة، فهي تصوغ رحلته من الأساس. واختيار سيّء قد يمنع المرء حتى من بلوغ المراحل المتوسطة. لحسن الحظّ، تدخل ماكسيميليان فأنقذه من ارتكاب أي قرارات حمقاء.
لم يكن زيك متأكداً تماماً من مقدار ما عرفه ماكسيميليان حقيقة وما خمنه فحسب، لكن من المرجح أن العجوز كان يفهم أكثر بكثير مما يفهمه زيك، حتى الآن. فرجل مثله لا يمكن أن يعيش مئات السنين دون أن يحقق بعض الاكتشافات في مجال اختصاصه. أخذ زيك نفساً عميقاً، مستمتعاً بالأثر المهدّئ للمانا المنقّاة. لم تكن لديه أي فكرة عن الوقت المنقضي في الخارج، ولم يكن يأبه لذلك أصلاً. لم يكن يملك ترف التشتت، وكان ممتناً في سرّه لأن أكاشا لم تحدثه بشيء مما يدور خارج غرفته.
حين صفا ذهنه، ركّز على جوهره، كرة مقسمة إلى ثلاثة أقسام متميزة: الأحمر، والأرجواني، والأزرق، يمثل كل منها إحدى صفاته. كانت القدرة على استخدام إدساسه المكاني لفحص جوهره نفسه إحدى الأسباب القليلة التي مكنته من تعلم كل ما تعلمه. لم يكن يتخيل كيف لأحد أن يدرس الجوهر بلا هذه المهارة. في تلك اللحظة، كان جوهره يفيض بالقوة، وكاد زيك يرى البذور الجنينية الدقيقة مستقرة في داخله.
لم يكن مفاجئاً أن يُطلق على طقوس الارتقاء إلى المرحلة التالية اسم «غرس البذور»، فهذا بالتحديد ما كان يحدث.
فالجوهر الذي استصلحه حتى الآن لم يكن سوى التربة التي توشك نبتة أن تنبثق منها. قد أتى الأوان. أخذ زيك نفساً عميقاً ووجه المانا المنقّاة كلها نحو جوهره. كانت هذه خطوة تُدار عادة بالطقوس، لكن مع الموارد المتاحة في هذه الغرفة، امتلك كل المانا التي قد يحتاجها يوماً. أخذ نفساً آخر، ثم أضاف ثالثاً بسرعة. شعر بجوهره ينوء تحت تدفق المانا، لكنه لم يدعها تفلت، كرئة ممتلئة بالفعل تُجبر على استنشاق المزيد من الهواء.
بدا الأمر خانقاً. إلى جانب ذلك الإحساس، استشف زيك وهماً إحساساً آخر: البذور تتفتح. دفَع بالمزيد من المانا إلى جوهره، وشعر بألم حاد كأنه طعن بسكين. لكن الألم ما انفكّ أن زال بالسرعة نفسها. لم يتوقف عن التنفس بعمق، بل ركّز أيضاً على التغيرات في جوهره. انتشرت ابتسامة على وجهه حين رأى ثلاث قمم تبرز؛ تفتح جوهره. تقنياً، شكّل هذا بالفعل اختراقاً ناجحاً، لكن زيك لم يكن راضياً قط.
فبموارد الغرفة، كان يتوق لمعرفة إلى أي مدى يمكنه دفع نفسه. لم تكن هذه سوى البداية، ولن يقبل بأقل من الكمال. طوّر زيك نظرية مفادها أن كل ارتقاء يأتي بدرجات نجاح متفاوتة. إما أن يرقى المرء بأداء الحد الأدنى أو يحقق ذلك بلا شائبة. ومع أن لم يكن متأكداً تماماً من عواقب اختراق دون المستوى، إلا أنه لم يكن مستعداً لتحمل تلك المخاطر. فالعواقب الكاملة لن تظهر على الأرجح إلا عند محاولة بلوغ المراحل العليا.
أثناء ارتقائه إلى ساحر حقّ، حدد عمق النقش ودقته درجة نجاحه. وحينها، فعل زيك كل ما في وسعه لتحقيق اختراق مثالي. والآن، إذ يواجه ارتقاءه إلى ساحر أعظم، استهدف النتيجة ذاتها. ومع أنه لم يكن واثقاً تماماً مما يحدد الكمال هذه المرة، إلا أنه كان مستعداً لاحتمال ما يلزم مهما طال الوقت. استمر زيك في التنفس، مغذياً البتلات الفتية بأكبر قدر استطاعه من المانا. كانت أنفاسه عميقة ومنتظمة، وحاول إبقاء تدفق المانا ثابتاً قدر الإمكان، وهي مهمة أسهل قولاً من فعل.
مع كل نفس، كانت الشتلات تنمو، ممزقة جوهره إرباً إرباً. كان الألم مبرحاً، لا جسدياً، بل عذاباً للروح. ومع هذا الألم، لم يكن هناك مفر، ولا حيلة لتجنب العذاب. سيتبعه أينما ذهب. لا. السبيل الوحيد لتجاوز هذا هو الاحتمال. جزّ زيك على أسنانه. إن كان هذا ثمن القوة فسيدفعه عن طيب خاطر. مهما تمزقه كل ثانية، كان يعلم أن الأعظم ألمًا هو الندم؛ الندم على كونه أضعف من حماية ما يهم، الندم على عدم بلوغ طاقته الكامنة.
لقد تذوق ذلك الألم من قبل، ولن يسمح به أبداً، إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
"…لحظة من الألم لقوة تدوم العمر كله…"
تمتم زيك بصوت خافت. ظلت تلك التعويذة تلازمه منذ ارتقائه الأول، تذكاراً دائماً بسبب احتماله. ولماذا يدفع نفسه كل يوم، دون أن يسمح لنفسه باستراحة واحدة. ولماذا ترك عائلته خلفه ليهيم في أراضٍ غريبة… قريباً، اشتد الألم حتى محا الفكر بأسره، واختزل عالمه في نفس مؤلم يعقبه آخر. ومع ذلك، لم يتوقف زيك. مغمض العينين، مرتعشاً ومتشنجاً، أبقى تنفسه منتظماً. شهيق… وزفير… شهيق… وزفير…
شهيق… وزفير… شهيق…
في عالم أبيض وقفت امرأة مبالية. كان شعرها أبيض كالسن ووجهها كأنه نحت بيد فنان ماهر. أمام عينيها تراءت مشاهد شتى داخل شاشات رأسية. في إحداها جلس شاب متربعاً في حجرة مملوءة بالدخان يصارع التنفس بينما تشنج جسده. وفي أخرى عرض جهاز ميكانيكي معقد وكانت المرأة تجري تعديلات طفيفة بين الحين والآخر لتضبط تشغيله بدقة. غير أن الشاشة الأكثر إثارة للاهتمام عرضت كرة مستديرة ذات ثلاثة ألوان.
وانبثقت منها محاليق غريبة واحد أحمر وآخر أزرق وثالث بنفسجي. وامتد كل محليق في اتجاه مختلف مطارداً بلا هوادة هدفا مجهولاً.
قال صوت مفاجئ من خلف المرأة: "كم تعتقدين أنه سيصمد؟".
لم تلتفت إذ كانت تعرف هوية زائرها سلفاً. لقد كان الشخص الوحيد القادر على المجيء إلى هنا عدا سيّدها.
أجابت المرأة دون أن تحول عينيها عن الشاشات: "…بالقدر الذي يستغرقه الأمر".
قال الصوت العميق وفي نبرته تلميح من السخرية: "أتعلمین أن قوة الإرادة ليست لا نهائية؟".
ردت المرأة: "مع ذلك، سيصمد. كما يفعل دائماً".
تقدم الرجل ليقف بجانب المرأة وتحول نظره هو الآخر إلى الشاشات. كان له شعر أحمر منسدل وبرز قرنان منحنيان من جبهته. وترددت حدقتاه الرأسيتان بين العروض بينما تسللت ابتسامة طفيفة على وجهه.
قال بنبرة مشاكسة: "يمكنك إفساد ترقيه إن أردت".
قالت: "ولِمَ قد أفعال ذلك؟".
هز الرجل كتفيه وقال: "القوة تجعل الناس يفعلون أموراً غريبة. وأنت أيتها الروح العزيزة تمتلكين قدراً لا بأس به منها الآن".
رمقته المرأة بنظرة جانبية ومحلت عيناها عن الشاشات للمرة الأولى.
قالت: "أهذا اختبار مفترض؟".
قال الرجل وما زالت نبرته خفيفة كالسابق: "من يدرى؟ أنا أدرك فقط أنني ما كنت لأضع فيك الثقة التي وضعها الفتى".
أرجعت المرأة نظرها إلى الشاشات.
وبعد لحظة صمت تكلمت وقالت بهدوء: "ولا أنا. ولكن ربما لهذا السبب يستطيع هو تحقيق ما نعجز عنه نحن الاثنين".
سخر ذو الشعر الأحمر وقال: "الوصول إلى القمة يتطلب أكثر من بضع خطوات جريئة. عاجلاً أم آجلاً سينفد حظه ويثق بالشخص الخطأ. تذكري كلامي أيتها الروح فحماقته ستكون سبب هلاكه".
اختلجت شفتا المرأة مشكلتين ابتسامة باهتة.
وقالت: "سنرى...".
بينما كان اثنان يتحدثان تحول المنظر على الشاشة الوسطى. كانت البراعم الصغيرة الخارجة من الكرة قد امتدت بشكل ملحوظ كاشفة عن وجهتها. لقد وصل المحليق الأحمر إلى القلب محيطاً به كشرنقة بينما حفر طريقه داخله. وكان يمتص جرعات كبرى مثل فرخ جشع يلتهم بشراهة جوهراً مانحاً للحياة. وانتقل المحليق الأزرق إلى الرأس مستهدفاً الدماغ. وشكل درعاً واقياً حول العضو ليعمل كطبقة دفاع إضافية إلى جانب الجمجمة.
وكان المحاليق الأخير الأكثر غموضاً. بدا وكأنه ينتهي فجأة ليعود للظهور في جزء مختلف من الجسد. وسواء في اليدين أو القدمين أو الأطراف الأخرى غطى المحاليق البنسجي المساحة الأكبر ناسجاً خيوطه في الهيئة بأسرها. وحين رأى الاثنان هذا سكتا مراقبين المشهد بتركيز تام.
تمتم الرجل وقد ضاقت حدقتاه الرأسيتان: "مدهش… يا للأسف لعدم تمكني من السيطرة على جسده آنذاك".
منحته المرأة نظرة غير مبالية وقالت: "كانت احتمالات أن تنتهي كشخص معلول أكبر بكثير من نجاح الاندماج. وعلى أي حال ينبغي لك شكر سيّدي لطرده إياك".
عبس الرجل لكنه لم يجادل. وبصفته فرداً من جنس مختلف كانت روحه غير متوافقة أساساً مع الفسيولوجيا البشرية. وبدفع من الجنون واليأس اتخذ ذلك القرار. بيد أن الروح كانت على حق فحتى لو استسلم الفتى لم يكن النجاح مرجحاً.
سأل الرجل بدلاً من ذلك مشيراً إلى البراعم: "أتعرفين حدود نموها؟".
هزت المرأة رأسها وقالت: "لا مرجع في الكتب التي قرأتها. ولو وجد مرجع لكان سيّدي الأرجح في تخمين الأمر لكنه لا يعود يقيناً أيضاً".
سخر الرجل ذو القرنين وقد ملأه الازدراء وقال: "البشر… طالما كانت الوحدة مصدر قوتهم ومع ذلك ينكرونها في كل سانحة. أتساءل أين سيكون عرقهم اليوم لو تقاسموا معارفهم فيما بينهم…".
منحته الروح نظرة مستمتعة وقالت: "ربما… ستشهد مثل هذا المستقبل".
تأمل الرجل كلماتها وثبت نظره على المحاليق النامية. وقف الاثنان في صمت طويلاً دون أن يتكلم أحدهما. وأخيراً أبطأت البراعم نموها بادية كأنها بلغت النضج. وفي تلك اللحظة بدأ الكيان الجالس في الدخان يميل إلى الأمام منهاراً بلا رشاقة على وجهه. ولم يرف له جفن عند الارتطام فبد جلياً أنه فقد وعيه. وحين رأى الرجل هذا ابتسام قليلاً وكسر الصمت بكلمة واحدة.
قال: "ربما…".