تنفس فولكانوس بعمق، ثم كررها، نافخاً هواء الجبل البارد بخاراً حوله، وقد حوّله الأتون المشتعل في داخله. توهجت الخطوط المتوهجة على جسده بحدة أكبر، وأشرقت عيناه كالمشاعيل. سخن جسده وذاب الإפיهاق عنه. لقد آن الأوان. غليان الدم! توارى عنه كل حذر وقلق وخوف حين شعر بموجة غليان الدم المألوفة تتدفق في عروقه. حدّت حواسه وتبدد الإعهاق من فعله السابق. صار جسده وعاءً للقوة الخام والغضب.
زأر متحدياً، وتوقف الأعداء أمامه مذهولين للحظة أمام تغيّره المفاجئ. رفع فولكانوس يده مشيراً نحو بولاريس ورازيث المحاطين بمئات الأعداء. وبابتسامة مجنونة، مرر يده ببطء على رقبته حركةً تشير إلى الذبح. انطلق نحوهما بلا تردد. تردد محاربو قشور الجليد الأقربون والتوت وجوههم. لم يمنحهم فولكانوس وقتاً للتعافي. هجم بغضب مسعور، واصطدم ضخمه بالخطوط الأمامية. كانت كل ضربة من قبضتيه تبعثر الجنود في الهواء، ودفعته ساقاه القويتان عبر ساحة المعركة بسرعة مرعبة.
ومع كل لكمة، تفجرت رذاذات من الحمم لتتطاير على أعدائه كالمطر. ورغم مناعة أعدائه ذوي القشور ضد النار غالباً، كان سحره قصة أخرى. التصقت الحمم بهم كالقار محرقة القشور واللحم. وحين تصيب أحدهم يستحيل التخلص منها تقريباً. وحين اخترق صفوف الأعداء، شعر بتصاعد أثر غليان الدم. كانت غرائزه حادة كشفرة، وردود فعله تشبه القدرات الخارقة. وحين رمى أحد محاربي قشور الجليد رمحاً نحوه، التقطه في منتصف طريقه وحطمه نصفين بقبضة سحقت كل شيء.
تأجج غضب فولكانوس مع كل عدو يسقطه. ضرب بقوة لا تُهوّن، وبدت حركاته ضباباً مدمراً. عانى محاربو قشور الجليد لمجارته وتحطمت رداهم بقوته الوحشية. حطمت ضرباته الدروع، وأجبر حضوره وحده الأعداء على التراجع. شعر فولكانوس بأنه لا يُقهر للحظة. غمره غليان الدم بعزم راسخ دفعه لسحق كل ما يعترض طريقه. تحول إلى إعصار تدمير يطهر المنطقة حول كبش التحرير. فجأة، شعر فولكانوس بوخز حاد في ظهره.
استدار ليرى أحد أعدائه الساقطين يرمقه بغضب ورمح مغروس في ظهره. أنينٌ خافت صدر عنه فحرق الرجل وأنتع السلاح من لحمه. تفقد النقطة فرأى سائلاً أزرق يلمع على الطرف إنه سم. وحتى في حالة غضبه، تذكر فولكانوس أن هذا أمر يعنيه. ركز لبرهة على المنطقة وشعر بوخز طفيف. لكن الإحساس لم يكن انتشار سم بل شعوراً بالاحتراق حول الجرح. وبعد لحظة تلاشى تماماً. ابتسم فولكانوس. لم يكن لسم قشور الجليد سوى تأثير ضئيل أو معدوم عليه بعد أن أ حرقته ناره.
ومع زوال ذلك الهم، استدار نحو الجنود المحيطين به. بدوا ضعفاء واهنين فريسة لجوهر جوعه ووقوداً لضرم نيرانه. ومن طرف عينه، لاحظ فولكانوس حركة مفاجئة رمح جليدي طويل ينطلق نحوه. انتبهت بولاريس بلا شك. أطلق نفخة من الحمم بشخرة ازدراء ومحا القذيفة الجليدية فوراً.
صرخ فولكانوس باتجاهها: "حاولة جميلة أيها الطفلة!"
مستئنافاً هياجه. ترددت القوات المحيطة به مهزوزة من رؤيته يتخلص من سمهم ببساطة. فجأة، توقف القتال واقترب شخص طويل على ساقين وفتح الجنود طريقاً أمامه.
قال الرجل الشاحب ببرود وهو يحدق في عيناها فولكانوس: "إلى هنا وفقط أيها الوحش".
إنه رازيث القائد العام غادر مركزه ليواجهه شخصياً. اتسعت ابتسامة فولكانوس. لم يتكلم وهجم فوراً. وقبل أن يقطع نصف المسافة، أحاطت به هالة من الضباب الأزرق الشاحب. التقطت حواسه الحادة مصدره. لقد تشكل من دماء الجنود الكثر الملقين عند قدميه. يا له من داهية! رغم ذلك، لم يخف السم. ومع كل نفس كان يحترق سريعاً مع الطبقة الأقرب لجلده مانحاً انطباع درع خفي. لكن سرعان ما خبا سروره وتحول إلى عبوس حين توقف.
أكان يشعر بالبرد؟ لقد تلاشى لهيب صدره بوضوح وبدأ ذهنه يصفو. كانت آثار غليان الدم تتلاشى ومعه قوته. أدرك فولكانوس ما يجري. فرغم قدرته على إحراق السم، كان الجهد يستنفده. قريباً ستزول مناعته ويتحول إلى تمثال متجمد. ومع زوال تأثير غليان الدم بدأ يشعر بإصاباته؛ فالرمح في ظهره لم يكن الجرح الوحيد الذي تلقاه. تصبب العرق على جبهته. شابه هذا الاستيقاظ من حلم لذيذ ليجد المرء نفسه سجيناً لكابوس.
ببذل جهد من القوة أحرق فولكانوس الضباب الأزرق حوله وجلى ناظريه. أحاط به الأعداء من كل جانب ورازيث يبتسم ظافراً. التفت فولكانوس خلفه ليجد السوار بعيداً بعيداً جداً. لن يبلغه أبداً. هربت ضحكة خفيفة من شفتيه.
تمتم لنفسه: "هذا جزاء لعب دور البطل".
لكنه لم يشعر بمرارة في قلبه. لقد اختار هذا الدرب وامن بأنه القرار الصواب. لقد كان مستعداً للمخاطرة بحياته مراراً وكانت هذه إحدى اللحظات القليلة ذات الشأن. رفع فولكانوس رأسه وبابتسامة هادئة على وجهه. مرر بصره على عشرات الأشكال حوله.
"لن أرحل وحدي على الأقل".
وقبل أن يدرك أحد معنى كلامه، جمع كل طاقته المتبقية دافعاً بكل قطرة عرق إلى سحره. توهج جسده بقوة لم يهدها من قبل والخطوط عبر صدره كنوافذ للشمس.
صرخ رازيث متراجعاً: "تباً!"
فات الأوان. كبركان ثائر، تدفقت موجات الحر والنار للخارج مستهلكة كل ما في طريقها. أطاح العصف بالجنود وملئت الأجواء بصراخ الهالكين. رقصت النيران بجنون وابتلعت الأعداء في بحر دمار حين أطلق فولكانوس كامل غضب سحره مصرّاً على ترك أثر لا يُمحى في ساحة المعركة. في تلك اللحظة لم يكن مجرد رجل؛ بل كان جحيماً وقوة طبيعية لا تُمحى بسهولة. وصار الأعداء المحيطون به سابقاً مجرد ظلال ابتلعها نور سخطه.
لكن مع خمود النيران، هبط الواقع بثقله مذكراً إياه بثمن غضبه. تخلص الثلج والجلد وبقيت الأرض فحماً والجثث محترقة حوله. سقط فولكانوس على ركبتيه يلهث طلباً للهواء. بدا الهواء أبرد من أي شيء عهده. وبلا لهيب في صدره يدفئه، ارتعش شاعرأ كأنه فقد نصف كتلته. شعر كجثة ذابلة لا تختلف عن الموتى حوله. تدلى رأسه وعجز عن رفعه. ومن الضباب سمع خطوات مقتربة رازيث غالباً. لم يظن أن الدم النقي مات في الهجوم.
حاول فولكانوس الوقوف راغباً بالرحيل كرجل على قدميه. لكن ساقه لم تتحرك. لم يبقَ لديه شيء. توقفت قدمان أمامه وعجز حتى عن رفع رأسه ليواجه خصمه.
قال صوت مألوف بنبرة مستاءة: "لماذا لم تبقَ في البرج وحسب؟"
وابتسم فولكانوس رغم حالته.
أجش بصوت يشبه العجائز: "بدأت قدماي تحكانني..."
وشعر بيدين تنزلقان تحت كتفيه وترفعانه عن الأرض حتى وجد نفسه وجهاً لوجه مع آش.
قال فولكانوس: "...ما كان لك أن تأتي".
ابتسم آش بخفة.
"وكأنني لا أستطيع الهرب متى شئت وسط كل هذا الضباب. لكن لا نية لي بتركك هنا".
عارض فولكانوس بضعف: "عليك حقاً..."، رغم تخلخل عزيمته لوجود فرصة نجاة.
قال آش: "اخرس الآن"، رامياً فولكانوس بلا رقة على كتفه.
وحتى هذه الحركة الخفيفة انتزعت الهواء من رئتي فولكانوس. لكن لم يكن الوقت للطف. الضباب الناجم عن هجمته الأخيرة كان يتلاشى وسيكتشفان قريباً. كل ثانية لها ثمن. انطلق آش كالريح. واجهوا أول الأعداء خلال لحظات، لكن ذئبي انسلّ متحاشياً إياهم كطيف بين الجنود الحيارى. لم يعق وزن فولكانوس آش وهو يتفادى الهجمات والقذائف. كأن في قفاه أعيناً. غادرا منطقة الضباب بالكامل وعاد السوار للظهور.
لكنه لم يكن منظراً يبهج القلب. لا يزال أعداء لا يُحصون يقفون بينهما وبين هدفهما.
سمع آش يشتم بهمس: "تباً"، لكن حركاته لم تتباطأ.
تشوش بصره بينما ركض آش وسط الفوضى وجسده كتلة مترابطة من الألم والإعهاق. ومضت بقايا ناره بضعف تاركة فرا بالكور البارد. كاد يعجز عن فهم محيطهما تحولت ساحة المعركة ل متاهة معقدة من الظلال والدماء وصارع ليحتفظ بوعيه.
حثه آش محركاً فولكانوس ليحميه بجسده: "أبقِ رأسك أسفل!"
أعاد الجنود تجميع صفوفهم وقد قست وجوههم من النيران والدمار الذي صنعه فولكانوس. صرخوا بالأوامر مستنفرين لهجوم آخر. وضاعف محاربو قشور الجليد جهودهم مدفوعين بهربهم المسعور.
تمتم آش بصوت محتدم شرس: "اصمد قليلاً فقط. نحن على وشك الوصول".
لكن اقترابهما من السوار جعل الهواء يئز توتراً.
اخترق صوت رازيث صخب المعركة حاداً آمراً: "لا تدعوهم يهربون!"
شعر فولكانوس بحقدهم والكراهية المشبوبة تنبعث من المحاربيين وهم يتموضعون. أجبر عينيه على الانفتاح لمحة أسلحتهم الجليدية تلمع في النور الخافت.
"آش، عليك أن—"
زمجر آش منحنياً بحادة لتفادي رمح طائر: "لا! نحن قرب النهاية..."
التفت فولكانوس للأمام. قرب النهاية؟ لم يبلغا النصف حتى. أكان آش يواسيه؟ لكنه أدرك معنى الكلمات حين علا صراخ جماعي من الأمام. رأى هناك محارب قشور جليد مخترقاً برمح طويل نافذ من خصره ومرتكزاً في الأرض. لم تكن حالة فردية؛ فكثيرون واجهوا المصير ذاته. جهد فولكانوس لدراسة السوار مرة أخرى وحينها رآه شخصاً يلفه إعصار رماح يقف فوق البوابة مباشرة. بدا وجه غرافيتا قناع تركيز. كانت تبذل أقصى ما بوسعها مطلقة سيلاً حرفياً من القذائف.
لم تكن هجمتها دقيقة واقتصرت بالكبير على حصر الرماح باتجاه عام. وغذى هجومها عشرات من رجال القبائل يجمعون الرماح بستماتة من طول السوار مزودين إياها بذخيرة لا تكاد تنفد. فكر فولكانوس بتهكم يا للسخرية تُباد الأفاعي بالأسلحة التي جلبوها. فجأة صار الطريق أمامه سالكاً. لم يُقتل كل الأعداء لكنهم فقدوا تركيزهم على آش. فاللحظة الغفلة تعني الموت تحت هذا الوابل المتواصل. وينطبق الأمر عليهما؛
واضطر آش لتفادي الرمي بستماتة مراراً لئلا يُخترق. هجمت غرافيتا بعشوائية بلا تفريق بين صديق وعدو. رغم ذلك تقدما بثبات وبلغا محيط السوار قريباً. تساءل فولكانوس كيف سيتسلقانه؛ فآش لا يملك قوة القفز بوجوده معه وزناً. وما إن شرع بالتفكير حتى شعر بخفة مفاجئة. اتسعت عيناه شاعراً بنفسه يحلّق في الهواء. أكان... قد رماه اللعين؟ هب الهواء البارد ليلفه صاعداً السوار وقبل بلوغ المنتصف خبت طاقته.
بالطبع لم يكفِ ذلك. بمَ كان آش يفكر؟ وما إن همّ بشتم الذئبي ثانية حتى شعر بقوة أخرى تمسكه. اتسعت عيناه معرفة. استخدمت غرافيتا قوتها لقلب الجاذبية مستمرة صعوده. عاود الحركة. س... سيعيش! وما إن خطر الأمر بباله حتى لاحظ وابل قذائف مقبلاً. كانت محاولة قبيلة قشور الجليد الأخيرة لقتله وكانت ممتازة. كاد يعجز عن تمييز الرماح الفردية. سيتحول لمنفاخ إبر! عاصفة جليدية التفت بأطرافه وعاصفة رماح متجمدة مرت متهادية تستهدف القذائف.
لم يكن فروست ورجاله كسالى وصدوا الهجوم بقوة مثيلة. أغمض فولكانوس عينيه آملاً الخروج سليماً. بصوت اصطدام ألف شيء التقت الموجتان. أنين ألم صدر عن فولكانوس حين ضربه حطام نزف جروحاً قديمة وجديدة. لم يشعر سوى بالألم والبرد. ثم التفت ذراعان دافئتان بظهره.
وهمست غرافيتا بإذنه: "أمسكت بك".
كانت ألطف عبارة سمعها يوماً. استرخى فولكانوس مستسلماً لإعهاق عميق.
تمتم قبل أن يبتلعه الظلام: "لقد عدت".