رفعت غرافيتاس نقابها قسماً ومسحت قطرة عرق تنحدر على جبيها. إنها المرة الأولى منذ وصولها إلى هذا المكان الجليدي التي تعرق فيها حقاً، لكن الأمر لم يكن مفاجئاً بعد ساعات من نقل المواد. التفتت فرأت فولكانوس في حال مشابهة. العملاق الناري لا يمكنه العرق فعلياً، لكن الإنهاك على وجهه كان واضحاً وهو يحافظ على تعويذة التدفئة الخفيفة. تنهدت غرافيتاس ورفعت نظرها إلى السماء.
تلوحت طلائع الصباح الأولى، حمرة باهتة تختلط بالسواد. عملا طوال الليل. أعادت بصرها إلى الجدار الضالعي الذي يقفان عليه، وابتسامة خفيفة فخورة ترتسم خلف نقابها. رفعا معاً ارتفاعه قريباً من طول إنسان. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وسعا الممر بشكل ملحوظ ليصبح متيناً بما يكفي لحمل الرماة والمدافعين على امتداده. لعلها أقوى دفعة لدفاعات الحصن منذ سنوات. طليا الجدار الخارجي أيضاً بطبقة من حجرهم الفريد.
السطح الأملس للمخلوط المضغوط لا يترك موطئ قدم لأي عدو كي يتسلق. إن سمح الوقت، سيضيف رجال القبيلة طبقة إضافية من الجليد في الأعلى لمزيد من الحماية. حافظت غرافيتاس على سيطرتها على قوتها وهي تعجب بعملهما. يقتربان من إنجاز المقطع الأخير من الجدار، وقريباً يمكنهما الاستراحة أخيراً. في تلك اللحظة، ظهر القائد فروست على السور والحماس يلمع في عينيه. الحارسان اللذان يكتنفانه كانا أقل تماسكاً، وهما يحدقان علناً بالتعديلات.
حين التقت عيناها بعيني غرافيتاس، لاحظت الاحترام الحقيقي الذي يحملانه الآن.
قال فروست متوقفاً قرب المنطقة التي ينهيان العمل فيها: "بحق الأجداد! لقد فعلتموها حقاً. لم أظن الأمر ممكناً".
التفتت إليه غرافيتاس وبصيص مرح يرقص في مقلتيك: "بدوتَ واثقاً تماماً حين اقترحته الروح، أيها القائد فروست".
كل التعديلات صممتها أكاشا. مهما تكن، فالروح استراتيجية ومخططة بارعة. تعليماتها كانت دقيقة، وحتّى جدولها الزمني أصاب تماماً. حين شاركت أفكارها للمرة الأولى، كان فروست متحفزاً لدرجة أنه قد يهز ذيله لو كان يملك واحداً. سعال خفيف صدر عن فروست، وهو يشعر بالحرج الواضح من الذكرى.
"تلك… المرأة كانت مقنعة في ذلك الوقت. لكن لاحقاً، راودتني الشكوك. بدا كل شيء أجمل من أن يكون حقيقياً. ومع ذلك، لقد فعلتموها حقاً".
أومأت غرافيتاس برأسها وتفقدت عملهما بقدر غير قليل من الفخر. مع ذلك، أظلم وجهها قليلاً حين تذكرت ما تواجهانه.
سألت بخفوت: "هل سيكون كافياً؟".
تيبس الحرس خلف فروست لسؤالها. تنهد فروست بعمق، ودار نظره إلى قاعدة الجبل.
أضاف ملتفتاً إلى الحرس خلفه: "إن انضم الأب المؤسس شاسرا إلى المعركة، فلن ننجو على الأرجح من هذا اليوم… ما لم يشفَ والدي في الوقت المناسب".
أومأت غرافيتاس وماتزال تتابع الحوار باهتمام. يبدو أن فروست أخذ نصيحة أكاشا بجدية وبدأ بنشر شريعة تعافي وينتر. حركة ذكية، حتى وإن كانت الكذبة تزعجه بوضوح. ثم مجدداً، لن تعود كذبة إن شفاه سيّدهم في الوقت المناسب… بعد قليل، صلب الحجر تحت أقدامهم وأطفأ فولكانوس نيرانه. توقفت غرافيتاس عن الضغط وسمحت لعقلها بالاسترخاء أخيراً. بحذر، خطا فروست على الأرضية المشكلة حديثاً معجباً بصلابتها.
تمتم مختبراً قوتها بإضافة المزيد من الوزن تدريجياً: "هذا رائع حقاً".
قريباً، صار يمشي على السطح ويقفز صعوداً وهبوطاً. لم تظهر أي ندبة واحدة. هواء الصباح البارد ساعد المخلوط على الصلابة بسرعة حال جفافه.
ابتسم فولكانوس بافتخار: "مذهل، أليس كذلك؟ سيّدنا ابتكر الوصفة في ليلة واحدة".
استغرق فروست في التفكير: "أيكون مستعداً لمشاركة تلك الوصفة؟".
هز فولكانوس كتفيه: "إن نجينا في الايام المقبلة، فهذا أمر سيتناقش فيه والدك وسيّدنا".
أومأت فروست بعد تفكير، مدركاً على الأرجح أنه لن يكون مسؤولاً عن القبيلة حين ينتهي كل هذا بطريقة أو بأخرى.
قال: "لقد قدمتما مساهمة بارزة الليلة وسأحرص على أن تريا مكافأة عليها".
قبل أن تتمكن غرافيتاس من الرد، لوح له فولكانوس بيده: "لا حاجة لذلك. لا ينقصنا شيء، وإن نقصنا، فسيّدنا سيوفر".
نظر إليه فروست مطولاً، ثم قال: "أمر يثير الحسد بحق".
ابتسم فولكانوس: "ربما يُسمح لك بالانضمام إلينا إن طلبت بلطف؟".
هز فروست رأسه: "تلك ليست طريقي. على أي حال، يجب عليكما نيل بعض الراحة الآن. ستجتاجان إلى كامل قوتكما لما هو آتٍ".
أومأت غرافيتاس ونزلت عن السور، وسبقها فولكانوس بخطوات خلفها قبل أن تبلغ أصل السلم حتى. وصلا قريباً إلى دار البلدية حيث خُصّصت لهما غرفة بعد إغلاق المناجم. فور دخولهما، وجدا آلاش نائماً بوضعية الجلوس وظهرة مستند إلى الجدار. ما إن أصدر الباب أصغر صوت حتى انفتحت عيناه برمتهما ليراقبهم بتركيز. حتى في النوم، لم يخفض ذئبي حذره.
سأل فوراً: "كيف سير الأمور؟".
شرح فولكانوس متثائباً بعمق: "سير كل شيء على ما يرام. تماماً كما قالت المرأة المخيفة".
أومأت آلاش متفحصاً وجهيهما المتعبين: "عليكُما الراحة الآن. لا تقلقا، سأقف حارساً للساعات القليلة القادمة".
منحته غرافيتاس إيماءة امتنان متوجهة نحو أحد الأسرة الثلاثة الفارغة. دون عناء خلع ملابسها، انزلت تحت الغطاء كما هي. ومع تولي آلاش الحراسة، لم يقف شيء في طريق راحتها المستحقة. ومن طرف عينيها رأت فولكانوس يفعل الشيء نفسه، لكن جفنيها كانا قد أُغلقا قبل أن يسحب الأغطية فوق نفسه حتى.
* * *
أيقظ صوتٌ جرافيتاس من نومها، وقال: "حان الوقت".
فتحت عينيها ببطء؛ لم تحمل النداءَ أيُّ عَجلة، فلم تتعجل.
تمتمت بنعاس: "أحدث شيء ما؟"
أجاب آش بالهدوء نفسه: "العدو هنا".
فتحت جرافيتاس عينيها على وسعهما فجأة.
سألت وهي أكثر يقظة: "أهناك؟"
كان آش يقف عند نهاية السرير، ويقابل نظرتها بعينين هادئتين.
"لقد ظهروا للتو. سيمضي وقت قبل أن تبدأ المعركة حقاً".
هدأت جرافيتاس قليلاً لكنها قررت النهوض من السرير على أي حال. لم يُكلفا بموقع في خطوط الدفاع، لكنها أرادت مع ذلك شهود بداية القتال. سيتضح الكثير حين ترى العدو في الميدان. فكرت جرافيتاس في طرق شتى للهروب منذ أن قررا المشاركة إن تبين أن المعركة خاسرة. وبما أن سيدها قد رحل، فقد بات عليها وحدها الوفاء بوعده. ستضمن نجاة الجميع مما هو آتٍ. انتقلت نظرتها إلى فولكانوس الذي كان ينهض بدوره.
كانت معظم مخاوفها تحوم حوله. لا مفرّ ممّا قد يفعله إن فقد السيطرة في خضم القتال. حقق العملاق الناري التقدم الأكبر منذ أن علمهما سيدهما تقنية غليان الدم، لكن أسلوب قتاله صار أكثر تهوراً نتيجة لذلك. والمثالي هو إبعاده عن القتال قدر الإمكان...
هتف فولكانوس وعيناه تلمعان حماسة: "لنذهب!"
وراهنت جرافيتاس على ألا أحد أشد تلهفاً للقتال منه. تحرك نحو الباب يكاد يثب وثباً، بلا أي إحساس بالخطر. تبادلت جرافيتاس نظرة فهم مع آش قبل أن يتبعا خطاه. وبدا واضحاً أن محارب الذئاب يشاطرها القلق. عوضاً عن صعود التحصينات، توجها نحو أحد أبراج المراقبة الذي كان يرتفع حتى أعلى من السوار. ومن هناك، تمكنا من مراقبة الجبهة برمتها مع البقاء على مقربة كافية للتدخل أو الفرار عند الحاجة.
وعندما بلغا القمة، استقبلهما حارس واحد. لم تكن جرافيتاس قد رأت تلك المرأة من قبل، لكنها بدت صبيّة — أكبر من سنو ببضع سنوات على الأكثر. كان شعرها أبيض كمعظم أبناء القبيلة، ولها أذنان مكسوتان بالفراء وذيل كثيف. غير أن أكثر ما لفت الانتباه كان عينيها المرتجفتين وهي ترمق الحشد المتقرب. وبدا جلياً سبب تمركزها هنا — فهي أصغر من أن تُحارب وغير مستعدة لذلك. وضعت جرافيتاس يدها برقة على كتف الفتاة.
ومع رؤية أعداد العدو للمرة الأولى، كان الرعب في عينيها مفهوماً. امتد الحشد الزاحف من الشرق إلى الغرب ليحيط بالحصن تماماً. وكان منظر رجال الأفاعي وهم يتحركون في تشكيل محكم مروعاً، كمدٍّ يتحدى الجاذبية. وقارب تحركهم المتعرج المتناغم أن يكون منومًا. ركّزت جرافيتاس بصرها ولاحظت أن كل واحد منهم يحمل على ظهره جعبة تضم ما لا يقل عن نصف دزينة من الرماح. قطبت جرافيتاس جبينها عند المرئي.
وعرفت من خبرتها الشخصية أن الرماح مطلية بسم زعاف؛ فحتى جرح طفيف منها قد يكون مميتاً. وبمجرد النظر، استطاعت تقدير أنهم يملكون ما يكفي لردي كل فرد من أفراد القبيلة قتيلاً مراراً وتكراراً. ومن الواضح أن قبيلة صقيع القشور كانت أكبر بكثير من قبيلتهم. أيعني هذا أن أفرادهم أضعف فرادى؟ وما إن راودتها تلك الفكرة حتى ضجّ صخب هائل بين المحاربين الواقفين فوق السوار. تتبعت جرافيتاس نظراتهم وأدركت سريعاً ما حدث.
وقف وسط تشكيل العدو أحد عشر شخصاً يمشون على ساقين. وبدوا قطعا من سلالة الدم النقي. وظهر أن عشرة منهم أطفال لمتأصل صقيع القشور، لكن الشخص الحادي عشر هو الذي أثار ذلك التفاعل. لقد كانت بولاريس. سارت ابنة الشتاء بجيش نحو موطنها القديم مرفوعة الرأس. ولم تظهر على وجهها أية بادرة ندم، كأنها تؤدي أبسط مهمة في العالم. وحتى حين كال مئات الأصوات الشتائم ولعنوا اسمها ووبخوها، ظلت غير آبهة البتة.
وسرعان ما بلغ جيش العدو محيط السوار. رفع أحد أصحاب الدم النقي بجانب بولاريس ذراعاً واحدة، فتوقف الجيش في الحال. إن لم يكن لشيء آخر، فانضباطهم كان جديراً بالثناء. ثم تقدم النقي نفسه خارج صفوفه وواجه السوار وحدَه. وحين رأته جرافيتاس عن قرب، عرفت الرجل. إنه الشخص نفسه الذي تعقبهما في يومهما الأول وألقى برحى رماح الفولاذ الفراغي التي كادت تقتلَها. وهو ذاته من أصاب سيدها.
تفحص الرجل السوار بتعفن، ووحى نظره وقوامه بأنه بلا هموم قط. ومن هذه المسافة، استعصى الجزم أإن كان هدوءه قناعاً أم ثقة حقيقية. وشكت جرافيتاس في أنه الأول. ففي معركة كهذه، لا يمكن لأحد ضمان النجاة، والاطمئنان المبالغ فيه سمة أحمق لا محارب عظيم.
وبعد أن فرغ من عرضه، ألقى الرجل رأسه إلى الوراء ونادى: "أياً كان المسؤول — أنا مستعد لقبول استسلامكم الآن".
تردد الصدى، وسمع كل رجل وامرأة وطفل في الححصن إعلانه.