"سيصل الفتى الجليدي وقومه قريباً."
علق فولكانوس عرضاً وهو يهمس بلا مبالاة ويحدق في الفراغ. أومأت غرافيتا برأسها وبدت نظرتها حادة وهي تمسح البلدة ببصرها. أخذت حراستها بجدية على عكس رفيقها حتى لو خلا الأمر من المتاعب عادة. لم يتوقع اثناهما سوى القليل من المشاكل غير أن أحدهما ظل يقظاً على الأقل.
سأل بعد صمت قصير: "أأكلت شيئاً؟"
أجابت دون أن تحول بصرها عن محيطها: "سأتناول لقمة حين يعفيني آش."
قال فولكانوس: "يا لكِ من محظوظة. أتمنى لو انتهت مناوبتي بالفعل."
رمقته غرافيتا بنظرة جانبية.
"لك حريّة المبادلة معي إن رغبت في مناوبة الليل."
هزّ فولكانوس رأسه بسرعة.
"لا شكراً! أفضل نوماً طويلاً للغاية."
تمطّى بهيكله الضخم وتثاءب بصوت عالٍ مع تلفظه بذلك. بدا جليّاً أنه استيقظ للتوّ. شعرت غرافيتا بوخزة غيرة فليلها كان طويلاً وبارداً وهو أمر لن يدركه العملاق الناري أبداً. غاب المغزى عن توبيخه مع ذلك. لم يرتكب فولكانوس خطأ ورغم أنه بدا حارساً سيئاً فلم توجد من تفضّل وجودها خلف ظهرها في معركة سواه باستثناء إزيكييل ربما. بدا معلّمهما محتفظاً بحيلة أخرى في جعبته دوماً برغم سنه وضعفه النسبي.
آمنت حقاً بعجز العالم عن إيقافه متى توفر له الوقت الكافي. غير أن العالم بدا حريصاً للغاية على حرمانه من ذلك الوقت في كل منعطف. مثل الآن... عجزت عن فهم ما يفعله داخل ذلك الجهاز البشع تماماً غير أن ذكاء غرافيتا أسعفها لإدراك خطته. حاول معلّمها تعويض الوقت الذي سلبه إياه العالم ليستميت في إنقاذ القبيلة وسنو. أثار اسم الفتاة البريئة مشاعر معقدة في نفسها. تعاطفت غرافيتا مع محنتها.
عثرت سنو على قبيلتها شفا الهلاك ووالدها يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد لمّ شملها بعائلتها أخيراً وهو مصير بائس حقاً. اقتصر الأمر بالنسبة لغرافيتا على ذلك لا أكثر. لم تكن مجبرة على المخاطرة بحياتها لإصلاح الأمر. رأت الأسوأ واختبرته وعانت منه خلال نشأتها في المدينة السفلى. لِمَ تخاطر بحياتها الجديدة الآن مقابل فرصة ضئيلة لإنقاذ شخص آخر؟ أدركت غرافيتا استحالة تفردها بذلك القرار برغم شكاويها كافة.
اتخذ معلّمها قراره وما زالت تثق بوعده القاضي بعبورهم نحو الأمان رغم اختبار ذلك الإيمان خلال الشهرين الماضيين. غاب التواصل المباشر منذ أن عزل إزيكييل نفسه. أتى التواصل مع معلّمهم عبر تلك المرأة الغامضة الكامنة في داخله فحسب. لم تحبها غرافيتا. استحال عليها الوثوق بها مهما بدا كلامها منطقياً لنبرتها الخالية من المشاعر وطبيعتها الحسابية... انقطع حبل أفكارها مع بروز شخص من المنجم.
ظهر آش مستيقظاً للتوّ هو الآخر. لم تحقد غرافيتا على راحته على خلاف فولكانوس. وضحت هالات عينَي مستذئب السوداء حجم إرهاقه. تحمل جبلاً من المسؤوليات الجديدة منذ انعزال معلّمهم شأنها تماماً. خدم آش بوصفه صوتهم داخل القبيلة وأثمرت جهوده. نسج علاقات عديدة ونال احترامهم حتى في أرفع اجتماعات القبيلة. نبع معظم شأنه من ثقة القائد فروست به والخدمة التي قدمها معلّمهم بالطبع. ظلّ مكانة يعجز أي غريب عن إدارتها خلال فترة قصيرة كهذه رغم ذلك.
عامل البعض منهم كفرد حقيقي من القبيلة حتى. ابتسم آش بإرهاق.
"عمل رائع. سأكمل من هنا."
أومأت غرافيتا برأسها وتراجعت إلى داخل المنجم بلا كلمة. لم تفصح عن إعجابها بإنجازات الرجل قط رغم إجلالها لها. مثلت كلمات التوكيد مفهوماً غريباً طوال معظم حياتها ولم يأتها مدح الآخرين بطبيعة الحال. تساوى الإعجاب الخالي من النوايا الخفية مع المطر في الصحراء في عالم يأكل فيه القوي الضعيف. تقهقرت غرافيتا إلى غرفتها وهوت على الفراش الخشن. استبعدت التفكير في النوم فوراً رغم إرهاقها.
مدت يدها تحت وسادتها واستلت إحدى أغلى ممتلكاتها بدل ذلك: كتاباً سميكاً بخط اليد حمل عنوان: فهم المانا - المجلد الأول. بدا العنوان متواضعاً للوهلة الأولى غير أن محتواه تجاوز المألوف بمراحل. ألّفه معلّمها خصيصاً لها ووسّعت كل صفحة مداركها. عجزت الكيميروي عن استخدام المانا كالسحرة البشر غير أنها وجدت المعرفة قيّمة على أية حال. راقت لها أقسام الرموز والنقوش الرونية خصيصاً.
أشبهت الرونية لغة مكتوبة تتيح لأي شخص غرس تأثيراتها في الأشياء بمجرد معرفة الحروف. أخبرها معلّمها سراً باستحالة استخدام مصدر مانا مستقل لتشغيل هذه الأجهزة نظرياً. انطوت هذه المهنة على إمكانات هائلة إن صحّ ذلك. زعم الكتاب حديث العهد بالمجال أيضاً إذ خلت معظم التعاويذ المعروفة من نظير روني. ركزت غرافيتا وجعلت حصاة قريبة تدور حولها. استهدفت هذه التمارين المبتدئة مؤخراً تعزيز سيطرتها.
اعتادت توجيه قوتها بإيماءات محددة خلال سنواتها في الحلبة. غير أنها لاحظت خلوّ طريقة معلّمها من الاعتماد على تلك الأساليب. أشار الكتاب إلى دلالة استخدام الإيماءات والتعاويذ على نقص الكفاءة أيضاً. ينبغي للمعلم الحقيقي السيطرة على تعاويذه بذهنه وحده. حاولت إبقاء الحصاة طافية أثناء القراءة. فشلت ذريعاً في البداية وأسقطتها فور إبعاد نظرها عنها. استطاعت الحفاظ على طفوها لفترة الآن قبل اهتزاز تركيزها.
تمثل المفتاح في حصر جزء يسير من انتباهها على المهمة دون السماح لها بالتحول إلى مشتت. مثّل ذلك أمراً بالغ الأهمية لإلقاء تعاويذ متعددة في آن واحد وفقاً للكتاب. ستتقدم قوتها بشكل ملحوظ إن بلغت ذلك. لغدت لا تقهر في الحلبة لو استطاعت الهجوم والدفاع في آن واحد. توجّهت رغبتها في القوة بقوة أكبر من ذي قبل رغم ابتعادها عن المصارعة. أشعل تقدم فولكانوس السريع بمهارة غليان الدم روحها التنافسية.
رفضت التخلف عن الركب مهما تطلب الأمر من تضحيات بالنواميس. شعرت غرافيتا بتعب شديد حال دون استمرارها بعد ساعة من القراءة والمحاولات الفاشلة لتمرينها. أعادت الكتاب تحت وسادتها بحذر وتمددت بكامل جسدها. استغرقت في نوم عميق فور إغماض عينَيها. غير أن الأقدار خبأت خططاً أخرى إذ اقتحم أحدهم غرفتها بعد دقائق معدودة. هبت غرافيتا واقفة بقبضتين مطبقتين وعينين حادتين. استرخى توترها قليلاً فور إدراك مجيء فولكانوس وظلّ ضيقها بانقطاع نومها قائماً.
همست: "من الأفضل أن يكون الأمر طارئاً."
بدا وجه فولكانوس صارماً.
"إنه كذلك."
سارعت لارتداء ردائها وقناعها لوعيها بجدية العملاق اللطيف لأول مرة.
"ما الذي جرى؟"
أوضح فولكانوس: "لم يأتِ فروست. بل أرسل رسولاً. سيُعقد اجتماع طارئ."
اتسعت عينا غرافيتا. لم يُدعَ لمثل هذا قط طوال مدة مكوثهما هنا. استحال أن يكون ما جرى عادياً.
"أتحتاج لبقائي في الحراسة؟"
هزّ فولكانوس رأسه.
"سأقوم بذلك. يريد آش انضمامك إلى الاجتماع."
أومأت غرافيتا ببطء. انطوى حضورها على حكمة بالغة. امتلكت أهدأ غرائز سياسية بين الثلاثة لتتمكن من استشعار أي أجندة خفية إن اعتور الأمر شائبة. رمقت فولكانوس بنظرة عميقة.
"ستحتاج لليقظة التامة أثناء غيابنا."
أومأت العملاق بعمق.
"لن يصيب المعلم سوء؛ لكِ كلمتي."
تجاوزت غرافيتا رفيقها متجهة نحو المخرج لطمأنتها بملامحه الجادة. انتظرها آش بملامح عبوسة مسبقاً.
سأل مع اقترابها: "أجاهزة؟"
أومأت غرافيتا باختصار وتوجه الاثنان نحو قاعة البلدة أكبر مباني المستوطنة. وضح انتشار أنباء الوضع أثناء مسيرهما. بدت القلق واضحاً على الوجوه رغم جهلهم بالتفاصيل على الأرجح. غير أن مغادرة أصحاب المقامات معاً لا يفسر إلا بنذير شؤون. حيّا آش بعض المرتادين على طول الطريق محاولاً جمع المعلومات غير أن أحداً لم يدر بما حدث. بلغا قاعة البلدة ومنحا إذن الدخول سريعاً. ابتعد الحراس الموالون لفروست والمألوفون لدى آش وغرافيتا بنظرة واحدة.
تجاوزا الممر الطويل وولجا القاعة الكبيرة لمجريات الاجتماعات. امتلأت عن آخيرها بوصول الكثيرين قبلهما. تجادل فروست بحردة مع الشيخ فانغ الرجل الذي التقياه في يومهما الأول على منصة صغيرة. بدت حدتهما واضحة رغم خفوت الحوار. مسح فروست القاعة المزدوجة والتفت للجمهور تاركاً الشيخ فانغ خلفه بعد لحظة. بدت ملامحه صارمة ولمست غرافيتا القلق جلياً في عينيه.
بدأ بصوت يتردد صداه: "محاربو القبيلة الشجعان لقد وقع حادث يستدعي جل اهتمامنا."
سكنت القاعة فوراً وسمّرت كل عين نحوه.
"لقد اختفى أحد أعضاء القبيلة رفيعي المستوى وجهلنا تماماً كيفية حدوث ذلك..."
سأل رجل شاهق: "من؟"
تعرفت عليه غرافيتا بابهام كمحارب ذي صيت ووجب عليها توخي الحذر عند مجابهته. تحولت نظرة فروست إلى الحدة.
"...أختي بولاريس."
ترددت شهقة داخل الغرفة.
سأل صوت آخر: "ألم تكن أختك في الحرم؟"
أومأ فروست.
"كانت كذلك وجهلنا كيفية اختفائها. لم يلاحظ الحراس مغادرة أحد للكهف."
التفتت عيون كثيرة نحوها فجأة. حارت غرافيتا لبرهة من هذا الاهتمام قبل إدراك السبب. انطوى معلّمهم على القدرة الوحيدة في القبيلة للذهاب والإياب بحرية وأدى غيابه الطويل للريبة بطبيعة الحال. لم يشكُ بهما فروست بعد لحسن الحظ إذ واصل مسحه لعموم القاعة.
سأل الرجل الأول: "ما مقترحك للتعامل مع هذا؟"
ركّز فروست عليه.
"تتواصل التحقيقات حالياً غير أنني أخشى وجوب استعدادنا للأسوأ..."
"وهو... ماذا بالضبط؟"
صرح فروست بوضوح: "وجود خائن بيننا يستطيع مهاجمتنا في أي وقت."
عمّ الصمت القاعة مجدداً والتفتت عيون إضافية نحو آش وغرافيتا. غدا الغرباء المشتبه بهم الأوائل بطبيعة الحال. لم تملك غرافيتا رغبة للتعامل مع شكوكهم. اشتبه معلّمها بوجود خائن منذ زمن ولم يشكل الأمر مفاجأة. هلعها تمثل في سيناريو أسوأ بكثير مما تصوره فروست.
تمتم بلا تفكير: "إنها هي..."
تفشى صوتها داخل القاعة الصامتة كالموت. اتجهت الأنظار نحوها سريعاً وأدركت غرافيتا ما تفوهت به متأخرة.
تساءل فروست من منصته: "ماذا تقصدين بذلك؟"
تصلب ظهر غرافيتا. لم تخطط لأن تكون بؤرة الاهتمام في هذا الوضع. غير أن الحديث أصبح حتمياً الآن.
أوضحت غرافيتا: "لا أظن الأسوأ هو ما طرحته يا قائد فروست."
طالب الرجل بصوت فولاذي: "فسّري كلامك."
أوضحت غرافيتا: "ماذا لو لم تُختطف أختك... بل اختارت المغادرة بمحض إرادتها؟"
هتف أحدهم: "هراء! أترانا نجهل ما تحاولون فعله؟ من الواضح وقوفكم أيها الغرباء خلف ذلك ومحاولتكم تشتيتنا بتلك الاتهامات العبثية."
عبست غرافيتا خلف قناعها واحتفظت بهدوئها.
"أترون من المعقول حقاً تسللنا للجبل واختطاف شخصية بقوة الليدي بولاريس دون ملحوظة؟ أليس ذلك أغرب بكثير؟"
انتزع كلامها بعض الإيماءات مما شجعها على الاستفاضة.
"يعلم أغلبكم بمساعدتنا للقائد فروست في تأمين الطعام علاوة على ذلك. لتوافرت سبل أبسط كثيراً لخيانتكم حال رغبتنا بذلك..."
حمل كلامها مسحة تهديد غير أن العارفين أخذوا يومئذٍ فهماً. لعدّ لعب أطفال إرشاد الأعداء لمواقع صيدهم مما يؤول لحتفهم. لهلكوا حتى وإن امتنع السحر البشري عن إرجاعهم للقبيلة.
سأل فروست وقد لان طبعه كثيراً مقارنة بسابق عهده: "فماذا قصدتِ بكلامك السالف إذن؟"
أخذت غرافيتا نفساً عميقاً.
"إذا خانتنا الليدي بولاريس حقاً..."
توفقت لتترك ثقل كلامها يتغلغل. غدت الوجوه صارمة وتلاشى الازدراء السابق. أدرك معظمهم جدية الوضع بوضوح. عرفت بولاريس الكثير لتكشف أسرارهم بما في ذلك طرائق تدبير الطعام والأهم الحقيقة المزرية لوالدها.
أعلنت بصوت صافٍ: "...فينبغي للقبيلة الاستعداد للحرب إذن."