طرق خفيف هزّ سكون عزلة زيك، وتردّد صداه في الغرفة فانتشله من غيبوبته. رفع رأسه بارتباك، يكارع لحظة لاستعادة وعيه. كأنه يستيقظ من حلم طويل، واستغرق منه الأمر لحظة ليتذكّر أين هو وماذا كان يفعل.
تمتم: "كم مرّ من الوقت، أكاشا؟"
[الإجابة]
مضت ستة أيام تقريبا.
قطب زيك جبينه، متفاجئا بالرد غير المتوقع. ألم يدخل الغرفة للتو؟ طاق طاق طاق—تردد صدى الطرق مجددا. لم يستطع زيك الرؤية عبر الضباب الكثيف لكن كرة إدراكه كانت أوسع من أن تحيط بقطعة من العالم الخارجي أيضا. وبها استطاع رؤية غرافيتا واقفة هناك، مستعدة للطرق مرة أخرى. اتصل بعقلها على عجالة.
سأل: "أحدث شيء؟"
جاء الرد فورا.
"لا، يا سيّد، لم يحدث شيء. لكن مرّ أسبوع على الغارة الأخيرة، وجاء فروست يسأل إن كنت مستعدا لإرسال رجاله للخارج مجددا."
صفا ذهن زيك الضبابي أكثر، وبدأ يستعيد تفاصيل الموقف. لقد وعد فروست بالفعل بإرسال رجاله مرة كل أسبوع للصيد. فقط لم يتوقع أن يمضي ذلك الوقت بهذه السرعة.
أرسل يقول، وهو ينهض ببطء: "أخبره أنني قادم حالا."
شعر بغرافيتا تبتعد بينما كان يكارع للتأقلم. كانت عضلاته متخشّبة ومتصلّبة بسبب الخمول الطويل، فبدا كآلة صرير تدار لأول مرة منذ سنوات. غير أنه تمكن في النهاية من شق طريقه متعثرا نحو المخرج.
أمر وهو يقبض على الذراع: "أطفئها، أكاشا."
على الفور، ملأ المكان صوت الصمامات وهي تغلق والتروس وهي تصطكّ. باتّخاذ هذا تأكيدا، بدأ زيك ببطء يدير المقبض، مفككا ختم المدخل. لحظة أن فُكّ قفل اللوحة تماما، انتُزعت من قبضته بينما اندفع الغاز المتبقي هربا، رافضا البقاء محبوسا. راقب زيك باهتمام والدخان الرمادي يتصاعد في الغرفة الأكبر قبل أن يتبدد تدريجيا. في أقل من دقيقة، اختفى الغاز العجيب كليا. في الظروف العادية، لكان زيك تساءل عن مكان الغاز، مهتما باندماجه في العالم المحيط.
غير أنه لم يكن في حالة تسمح له بالالتفات إلى هذه التفاصيل. انهار زيك على أربع، قابضا على الألواح الزجاجية بيأس. شحب وجهه، وشعر بثقل في جسده كله. كانت كل نفس مكابدة عذبة، وشعر بغثيان أشد من أي وقت مضى. وكأن كل المشاعر البهيجة للأسبوع المنصرم كانت تنعكس الآن، كأنه يسدّد دينا كارميا. نجح في التماسك للدقائق القليلة الأولى، لكنه لم يعد قدان مقاومتها أكثر من ذلك في النهاية.
تقيأ بعنف، طارحا كمية الطعام الصغيرة التي تناولها، تلاها الماء في معدته، وأخيرا عصارة المعدة نفسها. ورغم عدم بقاء شيء ليخرجه، هزّ جسده تشنجات لا تتوقف، وما زالت معدته تطالب بالمزيد لتفرغه. غير أن أسوأ آلامه لم يكن التقيؤ—بل التنفس. بعد أسبوع من العزلة، بدا أن جسده طوّر حساسية تجاه الهواء نفسه. بدت كل نقرة نفس كنار مصهورة تكوي رئتيه. شُلّ زيك بسبب الألم، وغير راغب بتاتا في التنفس أصلا.
لو لم يكن يعلم أنه سيموت في غضون دقائق بلا هواء، لربما رفض التنفس بالكامل. ومع ذلك، أبقى أنفاسه سطحية، محاولا التأقلم مع الإحساس الغريب. كان عذابا مطلقا. إذ ضاقت به الحيّل وعجز عن التفكير بوضوح، فعل زيك الشيء الوحيد الذي خطر بباله لإنهاء عذابه. فصل روحه عن جسده واستخدم تقنية التحريك التي طوّرها بنفسه ليصبح متفرجا على حالة جسده البائسة.
على الفور، تلاشى كل إحساس إذ بات بإمكانه الآن "الرؤية"
فقط عبر إدائه المكاني.
فكر زيك وهو يراقب أطرافه تختلج بلا سيطرة، وجسده يتخبط بغريزة بحتة: "لم أظن أن الأمر سيكون سيئا هكذا."
استخدم سحر الدماء سريعا ليثبت نفسه، مانعا أسوأ الرعشات لتجنب الإصابة أو إضرار الآلة. وما عدا ذلك، لم يكن هناك المزيد مما يمكنه فعله.
[ملاحظة]
من المرجح أن الآلة لم تُصمم أبدا للاستخدام المطول. فربما صممها المخترعون بديلا للموارد النادرة، لا أداة لتسريع تقدم الساحر.
فكر زيك في الأمر. في حالته المجردة، لم يكن مقيدا بالاستجابات العاطفية التي اعتاد عليها، لكن الخبر لا يزال يزعجه.
"ماذا يعني هذا بالنسبة لخططنا؟"
[الإجابة]
شدة الحالة لا تزال مجهولة، لكن لا ينصح للمضيف إعادة دخول الغرفة حتى تزول كل الأعراض. بالإضافة إلى ذلك، سيكون من الحكمة دراسة العواقب طويلة المدى، إذ يتوقع أن تصبح هذه الآثار أكثر وضوحا مع كل تكرار.
طالب زيك: "أعطني تقديرا."
[الإجابة]
بناء على معدل التعافي الحالي، يجب أن تهدأ أسوأ الأعراض في أقل من ساعة. غير أن التأقلم التام قد يستغرق يوما كاملا.
راقب زيك جسده وهو يصارع، ووجهه ملتوٍ من الألم. لم يكن هذا جيدا. خسارة يوم كل أسبوع قد تكون محتملة، ولكن ماذا لو تفاقمت الأعراض؟ بينما كان في أمان الآن، لو اشتدت الأعراض مع كل جلسة، فقد تصبح حياته على حافة الهلاك بعد مرات قليلة أخرى داخل الغرفة. من جهة أخرى، لم يكن قادرا على إطالة مدة بقائه في الخارج. قد تصمد القبيلة لثلاثة أشهر، لكنها لن تنجو لعام كامل. بينما كان يراقب حالته عن كثب، أخذ يفكر في خطوته القادمة.
لم يكن مستعدا للتخلي عن خططه بعد هذه النكسة، لكنه ظل يخشى عواقب أفعاله المتهورة. ماذا لو عجز عن استخدام الغرفة مجددا بعد تلك الأشهر الثلاثة؟ أكان حكيما حقا أن يخاطر بفقدان أقوى أسلحته فقط لكي ينقذ القبيلة؟ شعر زيك بالتردد. كان يهتم لأمر سنو ووعد أباها بأنه سيبذل قصارى جهده، ولكن أكان مستعدا حقا للمخاطرة بمستقبله مقابل فرصة ضئيلة كهذه للنجاح؟ حتى لو تجاوز كل عقباته وبلغ مرتبة الساحر الأعظم في الوقت المناسب، لم يكن واثقا من إنقاذ وينتر.
في أفضل الأحوال، منح نفسه فرصة متساوية للنجاح. مع مرور الدقائق، لاحظ زيك أن تنفسه بدأ ينتظم، وخف التعبير الملتو بحذر، حاول العودة إلى جسده، مستعدا للهروب بسرعة مجددا إن كان الألم مفرطا. في الحواس الجسدية عادت إليه فوراً. احترقت رئتاه وشعر بخشونة في حلقه، لكن الأمر كان محتملاً. تجهم وهو يحاول الجلوس؛ فقد تسبب التشنج في عضلات بطنه ببعض التمزقات البسيطة، مما جعله يشعر وكأنه للتو قد أتم أقسى تمرن في حياته.
مع ذلك، لم يكن زيك غريبا عن الألم وتحمل ما هو أسف بكثير. بأنين خفيف، نهض على قدميه وترنح خارج الغرفة. حاول تركيز عينيه الجافتين ولمح بسرعة مؤؤنه على مقربة. تخلص باحراج من ثيابه الملطخة وارتدى طقماً جديداً. من زاوية عينه، لمح انعكاسه على سطح بلوري علقوه للزينة. بدا فظيعاً. كان وجهه شاحباً كالموت، وعيناه حمراوين، وما زالت آثار القيء تحيط بفمه. لو تجول في ماغوسبورغ أو ترايدسبير وهو بهذا المنظر، لظنه الناس متشردًا.
ضحك زيك لهذه الفكرة. ماذا سيقول الناس لو علِموا أن العبقري الشاب الشهير، المُحتفى بموهبته في جمع الثروة، يعيش في كهف متدعٍ ويبدو كمتسول؟ لم يكن الثراء والشهرة بالروعة التي تصورها القصص بالتأكيد. في نواحٍ كثيرة، كانت حياته أبسط وأكثر بهجة عندما كان مجرد صبي بلا اسم في قرية مغمورة. الآن، وُضع أمام حتمية تقرير مصائر البشر بين الموت والحياة، يزن إيجابيات وسلبيات كل قرار بينما لا يملك ظاهرياً سوى خيارات سيئة لينتقي منها.
أكان هذا هو معنى تولي المسؤولية؟ بشكل غير متوقع، شعَرَ زيك بموجة تعاطف تجاه إمبراطور أركانهايم. إن كان زيك يعاني مع هذا القدر المحدود من النفوذ، فكم سيكون الأمر أصعب حين يتعلق بحكم إمبراطورية كاملة؟ طرد تلك الأفكار من ذهنه قبل أن تكتمل تماماً. لم تكن هناك جدوى من التردد أو التعاطف مع عدوه. لقد وضعهما القدر في طريقين متعاكسين، وكان زيك واثقاً من أن الإمبراطور لا يهدر وقته في اجترار معاناته أيضاً، فلماذا يفعل هو؟
رش حفنة ماء على وجهه ومسحه سريعاً. لقد مضى وقت ليس بالقصير منذ أن وعد بلقاء فروست، ولا بد أن الرجل بدأ يشعر بالنفاد. حاول زيك إرخاء جسده واتخاذ وضعية منتصبة، متجاوزاً احتجاج عضلاته. حين شعر برضا معقول عن جهوده، غادر غرفته متجهاً نحو النقطة التي يتخذونها محطة انطلاق. فور عبوره الباب، سُمّرت عليه عديد الأعين في الحال. كان حراسه الثلاثة هناك، إلى جانب فروست وقرابة العشرات من أتباعه.
حاول زيك أن يبتسم، لكن شفتيه كانتا جافتين، وشعر بهما تقاومان الحركة.
قال فروست، وبدت على وجهه سيماء التوتر: "تبدو بحال سيئة".
هز زيك كتفيه وقال: "لم أقل قط إن هذا سيكون سهلاً".
صمت فروست، وبدا تعبير وجهه مركباً.
تمتم بعد لحظة: "لم أكن أظن أنك ستذهب إلى هذا الحد...".
تردد صدى ردة فعله لدى غالبية رجاله. بدا أن زيك لم ينجح في إخفاء حالته بالقدر الذي ظنه.
قال زيك كاسراً الصمت الثقيل: "لكل شيء ثمن. إن أردت زيادة قوتي بسرعة، فسيعقب ذلك مصاعب بطبيعة الحال. إنه ثمن أنا مستعد لدفعه...".
احتفظ بالجزء التالي لنفسه، رغم أنه أضاف في ذهنه عبارة "في الوقت الحالي".
أومأ فروست برأسه، مستعيداً ملامحه الصارمة.
"أبإمكانك إرسال رجالي؟"
تأمل زيك الأمر لثانية. أكان قادراً؟ جلس بسرعة في مكانه المعتاد وأغمض عينيه. حاول التركيز على المنارة البعيدة، متفحصاً ما إذا كان لبه يعمل بصورة طبيعية. للمفاجأة، كانت العملية يسيرة، واستطاع الاتصال بالمكان البعيد بمجرد خاطرة. رغم المعاناة التي كابدها خلال الساعة الفارطة، كانت التحسينات التي طرأت على لبه لا تُنكر. فمع نمو ثلاث صفات توافقياً، خطا لبه قفزة نوعية هامة.
استطاع زيك أن يشعر غريزياً بزيادة المانا التي بات قادراً على توجيهها. كانت هذه أثمن طفرة في القوة يختبرها طوال حياته. عادة، قد يستغرق تقدم كهذا ما يصل إلى عام كامل.
قال وبسمة صادقة ترتسم على محياه: "لنبدأ".
تلو الآخر، اختفى الصيادون من الكهف، ولم يشعر زيك بأي تعب بعدها. اعتيادياً، كان سيحتاج إلى استراحة قصيرة مع النهاية، أما الآن فشعر بأنه قادر على احتمال المزيد. بدأ يدرك السبب الذي جعل الكيميروي يدمنون تقنية غليان الدم. كانت الطفرة المفاجئة في القوة جذابة بلا شك. بعد أن مغادر فروست، تجول زيك في أرجاء المنجم. لقد تغير الكثير خلال الأسبوع المنصرم، وكان غرافيتاس يرافقه ليريَه الأرجاء ويبلغه بكل المستجدات.
مع ذلك، ورغم محاولاته للتركيز، كان عقل زيك في مكان آخر... مهما حاول جاهداً، ظلت أفكاره تعود إلى النشوة الخالصة التي شعر بها طوال الأسبوع الماضي. اضطر زيك إلى كبح نفسه بالقوة لئلا يندفع بالعودة إلى الغرفة كي يختبرها مجدداً على الفور.