وصل زيك إلى مكتبه وشرع فوراً في ترتيب المكان. نجح في تدبير كرسيين مقبولين، ووضع أحدَهما خلف مكتبه والآخر مقابله. إن أراد فروست اجتماعاً، فسيضمن زيك أن يحظى بكل الرسمية والضيافة اللائقتين بلقاء رسميّ. جلس وانتظر، وهو يقلّب في ذهنه الأسباب المحتملة كافة التي قد تدفع فروست لطلبه. لم يطُل الانتظار حتى سمع خطوات تقترب، تلاها طرقات حين توقفت خارج الغرفة.
قال زيك ببساطة: "ادخل".
انفتح الباب، ونظر زيك إلى ضيفه للمرة الأولى. بدا فروست في حالة سيئة. تعرّقت بشرته المكشوفة، وتشرنقت فيها عروق زرقاء داكنة. حتّى مع بنيته القوية، كان واضحاً أنّه لا ينبغي له النهوض والتجوال. كلّ ما جلب إلى هنا لا بدّ أن يكون عاجلاً.
قال محاولاً اتخاذ نبرة متعجرفة لكنّه أخفق تماماً: "إذن ههنا كنت تختبئ. كنت أعلم! عيناي لم تخدعاني. كنت عند البوابة هذا الصباح".
قال زيك دون أن يؤكد كلامه أو ينفيه: "ما الذي أستطيع فعله من أجلك، سيدي فروست؟".
نقر فروست بلسانه، متفحصاً الغرفة بدل الإجابة.
"هذه قاعدة ممتازة بنيتموها لأنفسكم. لم أكن أصدق الإشاعات حين سمعتها، لكنّها تبدو صحيحة...".
قطب زيك حاجبيه. إلى أين يرمي فروست بهذا؟ أكان يهذي فحسب؟
أردف فروست: "مع ذلك... إن ظننت أن هذه الجدران ستحميك حين يقتحم العدو معقلنا، فأنت مخطئ. بأس زعيمهم ليس شيئاً توقفه الحواجز".
سأل زيك: "ما الذي تحاول قوله؟".
قال فروست: "أريدك أن تنضم إليّ، أن تنضم إلى فصيلتي. في المقابل، سأحرص على سلامتك وأصعد بك الجبل. يمكنك الاختباء هناك، إلى جانب أختي، إن كانت هذه رغبتك".
اضطربت ملامح زيك، عاجزاً عن فهم ما دفع إلى هذا الطلب. لكنّه سرعان ما استعاد هدوءه.
"وماذا ستطلب في المقابل لهذه المنحة؟".
خطا فروست خطوة إلى الأمام لكن فولكانوس اعترض طريقه فوراً.
"نجوت من السم؛ أرى هذا جلياً. كنت على شفير الموت حين التقينا أول مرة، لكنّك بخير الآن. لا تنكر هذا!".
لم يكن زيك قد أخفى أمره لهذا الاجتماع، وبدا واضحاً جلياً أنّه لم يعد يعاني.
اعترف قائلاً: "فعلت".
طالب فروست: "كيف؟ أأداة هي؟ سحر بشريّ؟ أخبرني!".
عبس زيك، لا سخطاً بل لعدم توقّعه هذا الطلب. أصيب فروست بالسم، نعم، لكنّه سيتعافى بمفرده. لذا لم يكن هذا الطلب ليقصد سوى...
صرح زيك: "تريد مني إنقاذ رجالك".
صرّ فروست على أسنانه.
زمجر قائلاً: "آمرك بهذا!"، محاولاً التقدم خطوة أخرى ليتم اعترضه مجدداً.
ظلّ وجه زيك بلا تبدل. وحتّى بلا حضور فولكانوس، شكّ في قدرة فروست على مجاراته في حالته الراهنة. بدلاً من ذلك، تأمل الرجل بتمعن أكبر، ملاحظاً الإرهاق والعجز المتوارمين خلف قناع القوة. استند زيك إلى كرسيه، مستغرقاً في التفكير. بدا هذا التحول غير متوقع، لكن اهتمام فروست الصادق برجاله غيّر نظرة زيك إليه. لم يكن أمير الحرب القاسي الذي تخيله زيك. حتّى الآن، نظر زيك إلى فروست باعتباره عقبة يجب تجاوزها فحسب، لكنه بدأ يدرك احتمال وجود مسار آخر.
المشكلة الوحيدة هي... أيمكنه المساعدة أصلاً؟ نهض زيك، ودار حول الطاولة، واقترب من النقيّ. رماه فروست بنظرة حذرة، متصلباً كلما اقترب زيك. رغم أن الرجل بدا بشرياً تماماً، كان جلياً أنه عكس ذلك. استيقظت غرائز كيميروي الحيوانية مستشعرًا الخطر. وقبل أن يتحرك فروست، توقف زيك على بعد خطوة واحدة.
قال بصدق: "لا أضمن أن طريقتي ستنقذ رجالك. عليّ إجراء تجربة أولاً، لكن لا بد من تحذيرك، سيكون الأمر غازياً للغاية".
بدا فروست مرتبكاً للحظة، ثم تجلّى له الإدراك.
سأل بعد تصديق: "تريد إجراء تلك التجربة... عليّ؟".
أومأ زيك.
بصق قائلاً: "أنت واهم إن ظننتني أضع حياتي بين يدي بشريّ".
ظلت ملامح زيك ثابتة.
قال ببساطة: "لا يشترط أن تكون أنت. يمكنك اختيار أيّ من رجالك بدلاً منك. لكن عليّ تحذيرك، بناءً على حالتهم، ثمة خطر حقيقي بموتهم".
رماه فروست بنظرة حارقة لكنه بقي صامتاً ساكناً. استمر الهدوء المزعج إلى أن أطلق النقيّ زفرة خاذلة.
"افعلها".
أومأ زيك واقترب أكثر. ومع مدّ يده، اخترقت خويطة دم جلد سبابته، مشكلة خيطاً رقيقاً. توتر فروست لدى رؤيتها.
قال بصوت هادئ: "استرخِ. لن تشعر بأي ألم".
لحظة خروج الكلمة الأخيرة من فمه، بلغ الخيط الموضع فوق معصم فروست ووخز جلده. أغلق زيك عينيه وركّز على اتصاله بالخيط. وفي الوقت ذاته، أمر المزيد من دمه بالدخول إلى جسد النقيّ. كان فروست متوتراً في البداية، مما أعاق تقدمه، لكنه بدأ يسترخي حين لم يحدث أي مكروه. وبحكم هذا الاتصال الوثيق، شعر زيك بالدم الغريب يدعوه. السيطرة على دم ساحر آخر تكاد تكون مستحيلة لارتفاع تشبعه بالمانا، لكن زيك أدرك سريعاً أن كيميروي أكثر عرضة لمثل هذه الهجمات.
والآن وقد امتزج دماؤهما، أيقن زيك قدرته على تجفيف الرجل من دمه بفكرة واحدة فحسب. كانت حقيقة تعقله تفرض عليه مراعاتها لاحقاً، لا الآن. فلديه عمل ليقوم به. كانت خطته الأولى تقضي بترك عكاشة تتولى هذه المهمة، لكنه امتنع في النهاية. ورغم براعة الروح في المهام المعقدة، افتقرت سيطرتها على سحر الدم بشدة مقارنة به. كانت روح عقل في جوهرها، بينما امتلك هو توافقاً مثالياً مع سحر الدم.
ركّز زيك، مستخدماً اتصالهما للسيطرة على دم فروست. ولاحظ فوراً أنه مخفف، كأن سائلاً مختلفاً امتزج به. وفي حين اعتبر هذا مشكلة كبرى للآخرين، بدا الحبيبان بالنسبة لحواس زيك متميزين تماماً. برز السم بحدة، كمنارة في الظلام، وكان وجوده غير طبيعي بشكل صارخ. خطوته الأولى كانت فصل المادتين وخلق طبقة عزل حول السم. مستخدماً آثار دمه في نظام فروست، كوّن بسهولة غشاء رقيماً. ومع تعاون دم فروست كلياً، مضت العملية، رغم إنهاكها، بسرعة.
فقد زيك إحساسه بالوقت أثناء عمله. ولم يستعد وعيه إلا حين عجز عن رصد أي أثر للسم. سحب دمه بحذر، مجمعاً إياه في كرة عند طرف اصبعه.
أمر قائلاً: "أحضر لي إحدى القارورات"، فهب فولكانوس للتنفيذ.
بعد أن ناوله الوعاء، فتح زيك الكرة وسمح للسم بالتدفق، ناقلاً إياه إلى الزجاجة. بقي فروست متجهاً في مكانه، مراقباً بعينين واسعتين. وحين رفع زيك رأسه، رأى التغيرات الكبرى: بدا الرجل معافى. ورغم عدم تعافيه تماماً، كان واضحاً في طريق الشفاء. مسح زيك قطرة عرق من جبينه وابتسم.
"نجحت الأمر".
طرف فروست، ملاحظاً التغيرات أخيرًا. قبض كفه وضرب الهواء تجريبياً. اتسعت عيناه أكثر مدركاً مدى تعافيه.
تمتم ووجهه يعكس ذهولاً طفولياً: "مذهل".
مع ذلك، استعادة عيناه حِدتهما قريباً وهو يرمي بنظرة حارقة، لا نحو زيك، بل صوب فولكانوس الواقف بجانبه.
أعلن بصوت جاد: "لن أستطيع أخذك من هنا. مع ذلك، لك مني وعد بأن أحضر المزيد من الرجال".
طرف زيك، فرمى نظرة على فولكانوس، ثم عاد بتركيزه إلى فروست. استغرق الأمر لحظة لإدراك ما يجري، لكن حين أدرك، أفلتت ضحكة من شفتيه.
أكد له: "لا داعي لذلك".
احتج فروست: "لا! عليك إنقاذ رجالي! يجب أن تفعل!".
رفع زيك كفيه مهدئاً.
أكد بثقة تامة: "سأفعل. فولكانوس، اتركنا".
التفت الرجل الضخم نحوه بملامح قلقة.
"أمتأكد أنت؟".
"أنا كذلك".
امتثل فولكانوس على رغمه. مع ذلك، لم ينسَ رمي نظرة تحذيرية حارقة على فروست قبل مغادرة الغرفة. حلّ السكوت قبل أن يتسنى لفروست الكلام.
"أنت... لست سجيناً؟".
أومأ زيك. فاغف فروست فاه كمن قيل له أمر لا يُصَدَّق.
"أنت القائد؟".
أومأ زيك مجدداً.
اندفع فروست صارخاً: "كيف؟ قد لا أكون مألوفاً بالبشر تماماً، لكن حواسي تخبرني أن أيّاً من هؤلاء الثلاثة قادر على هزيمتك بسهولة بالغة".
أجبر زيك نفسه على ابتسامة. رغم ألم الاستخفاف به بهذه السهولة، لم يستطيع إنكار الحقيقة.
قال بدلاً من ذلك: "براعة القتال ليست كل شيء".
سخِر فروست، دون أن يشاطره الرأي قطعاً.
لكن قبل أن يفتح فاه، تابع زيك: "رغم قوتكم كافة، قوة قبيلتك، وقوة أبيك، لا يوجد سواي من يستطيع إنقاذ رجالك، أليس كذلك؟".
طبق فروست فاه، وابتسم زيك بانتصار.
أردف مكرراً: "براعة القتال ليست كل شيء".
بدا فروست كمن أُجبر على ابتلاع ليمونة، لكنه لم يرد. ربما اقتنع فعلاً، أو خشي تراجع زيك عن وعده إن ضغط عليه. تحولت ملامح زيك إلى الجدية.
"لا داعي للقلق، سأنقذ رجالك حتماً. لكن، ثمة بعض الشروط...".
صر فروست على أسنانه، متخيلًا الأسوأ غالباً.
أخرج صوته دافعاً: "تكلم. لكن إن أردت مني خدمتك مثل هؤلاء الثلاثة، فانسَ الأمر. بقدر رغبتي في إنقاذ رجالي، لن أتخلى عن كبريائي".
هز زيك رأسه، وبابتسامة خافتة على شفتيه.
"لا أنتظر منك خدمتي، لكني أود اقتراح اتفاق".
سأل فروست محاولاً الحفاظ على ملامح حيادية: "أي اتفاق؟".
مع ذلك، عجز وجهه البائس في إخفاء توتره. استطاع زيك استشعار قلق الرجل واهتمامه برجاله. كان بإمكانه استغلال هذا لدفع النقيّ إلى حفرة من اليأس إن شاء. لحسن حظ فروست، لم يكن ذلك مراده. بل اختار نهجاً مختلفاً تماماً.
سأل زيك فجأة: "أتعرف أصل الصراعات كافة، سيدي فروست؟".
لم يجب الرجل، لكن زيك لم يتوقع إجابة أساساً.
أجاب سؤاله بنفسه قائلاً: "إنه تصادم الطموحات والمثل. شخصان يرغبان في المرأة نفسها، أو المكانة، أو الشيء. من هنا تنبع الصراعات كافة".
سأل فروست: "إلى ماذا تروم؟".
"إن أراد شخصان الشيء نفسه، استحال تجنب المواجهة ما لم يتخلَّ أحدهما عن ادعائه. وفي الوقت ذاته، إن غاب هذا التصادم، انتفت الحاجة إلى الصراع".
أصغى فروست باهتمام لشرح زيك، مندمجاً ومستغرقاً بما يقوله بوضوح.
"أخبرني، سيدي فروست، أأية فكرة لديك عما أريده من قبيلتك؟".