ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 33 — إمبراطورية باومغارتن السفلية ٢

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 33 — إمبراطورية باومغارتن السفلية ٢ باللغة العربية على مانجا تايم.

نظر زيك إلى الكيان القائم في منتصف الغرفة. اتخذ هيئة بشرية إجمالاً، غير أنه لم يكن بشرياً البتّة. تيقّن زيك تقريباً من أن المخلوق الواقف أمامه ليس كائناً حيّاً أصلاً.

أراد التأكد من صحة حدسه، فسأله: "من أنت؟"

لم يتحرك الكيان ولو لتمريرة ميليمتر واحد، وبدا لوهلة كأنه لن يجيب أبداً.

ثم ردّ باللغة ذاتها التي استعملها سابقاً: "عُثر على لغة مجهولة. هذا الجهاز عاجز عن تقديم نتيجة لبحثك."

قال زيك متمئناً: "هممم، شيء من قبيل: عُثر على لغة مجهولة. هذا الجهاز عاجز عن تقديم نتيجة لبحثك. لا أحيط بكل الكلمات التي تلفظ بها، لكنها تبدو الرسالة الأساسية. لا تقلقي، فقدرتي على الترجمة ستتحسن كلما طال بنا الحديث معه."

استدار إثر ذلك نحو الكيان مجدداً، وأخذ يخاطبه باللغة عينها التي نطق بها للتو. بدت كلماته مترددة ومتقطعة في البداية، غير أن مهارته تصاعدت مع انقضاء الدقائق. كابد زيك لمدّ عمر نسخته المطورة من تعويذة استيعاب اللغات قدر استطاعته، مطراً الكيان بشتى الأسئلة، إذ صمّم على استيعاب أكبر قدر ممكن من تلك اللغة.

ازداد طلاقة تدريجياً في تلك اللغة التي تُدعى "بوي"، وتعلّم بعض المعطيات حول طبيعة هذا المكان.

أفضى به الأمر عاجلاً أم آجلاً إلى عجز تام عن الحفاظ على التعويذة، فهوى للأمام لولا أن تلقته فيولا. سألته عما إذا كان بخير، فأجابها بأنه مجرد أثر لاستخدام سحره وأنه في أتم سلامة. شرع بعد ذلك في إطلاعها على ما حصله من معلومات أثناء استجوابه. تبين أن الغرفة التي تواجدان فيها تشكل إحدى بوابات المدينة المتموضعة في قلب إمبراطورية باومغارتن السفلية. على أن لقب إمبراطورية بدا لزيك مضللاً، إذ لم تملُك سوى تلك المدينة العملاقة المفردة وأميال متلاحقة من الأنفاق المحيطة بها، وهو ما عجز عن عده إمبراطورية بحال.

بدأ يشتبه في أن مَن بنوا هذا المكان كانوا أطواراً بعض الشيء. أوضح لفيولا إضافة إلى ذلك أن دخول المدينة يشرط على كل فرد اجتياز اختبار ما. سألته فيولا آنذاك عما يؤول إليه حال من يعجزون عن عبور الاختبار. وقف زيك وفيولا أمام الكيان المهيب المعروف الآن بالحارس 543، وعجز زيك عن طرد شعور بالقلق تملكه. خامره ظن خفي بأن الاختبار اللازم لدخول المدينة الواقعة في قلب إمبراطورية باومغارتن السفلية قد لا يكون بالبساطة التي يبدو عليها.

مع ذلك، لم يكلف نفسه عناء سؤال الحارس عما يحل بمن يخفقون. أخذ الحارس وقته كعادته قبل الرد على تساؤل زيك.

وما إن نطق أخيراً حتى استحال كلامه طلاسم مبهمة بالنسبة لفيولا، إذ قال: "إن عجزت عن اجتياز الاختبار، فلن ينجو أحد."

لعن زيك بصوت خفيض، وشعر بثقل كلمات الحارس يقع عليه وطأة ثقيلة.

قال بصوت مشبع بالسخرية: "حسنٌ، نعلم الآن على الأقل أين انتهى المطاف بكل أولئك المغامرين المفقودين."

لم تدرك فيولا شيئاً مما تلفظ به الحارس، ولم تفقه منطق زيك، فسألته: "أترغب في تنويري؟"

شعر زيك ببعض الحرج لنسيانه الترجمة مجدداً، فأخبرها بأن الحارس قال: "كل مَن يخفق في الاختبار سيُقتل."

تجلت خطورة الموقف جلية لهما، وأدركا حاجتهما إلى الاستعداد التام إن أرادا اجتياز الاختبار والنجاة. سألت فيولا زيك بعدها عما إذا كان على علم بطبيعة ذلك الاختبار. أومأ زيك برأسه وأخبرها أن الحارس سيختبر قدرتهم على مقاومة سحر العقل الخاص بالقلب. اتضح أن القلب يقع في مركز المدينة، ويتولى السيطرة عقول من يفتقرون إلى القوة الكافية لمقاومته. رمق زيك فيولا بعينين يملؤهما القلق.

لم يشغل بملك بنفسه، فهو ساحر عقل يمتلك دفاعاً طبيعياً منيعاً ضد سحر العقل بأسره. أما فيولا فخلوّها من ذلك هو ما أثار هواجسه. أدرك أنها ستضطر إلى توخي أقصى درجات الحذر طوال الاختبار إن أرادت الاجتياز والنجاة. اكتفت الفتاة بابتسامة ماكرة ردّت بها عليه.

"ماذا، أظنك تعتقد أنني لن أنجو؟ درّبني جدي على مقاومة سحر العقل منذ أن كنت طفلة صغيرة. لا تقلق، سيكون هذا الاختبار سهلاً للغاية!"

على الرغم من مظهرها المتبجح، استشف زيك قلقاً طفيفاً يخامره، لكنه تيقن أيضاً أنها لن تتراجع عن التحدي. أخذ كفها بين كفيه، وتفسح نفساً عميقاً، ثم أبلغ الحارس بأنهما مستعدان. غمرت زيك إحساسات غريبة فور انطلاق الاختبار. بدت ملايين الهمسات منبعثة من كل اتجاه، مع عجزه عن تبين مصدرها. التفت يميناً ويساراً محاولة تحديد مصدر الأصوات، فبدا وكأنها تتأتى من كل مكان ولا مكان في آن واحد.

استطاع زيك رغم هذا الشعور الغريب مقاومة الضغط الذهني لتلك الأصوات، وبدت له مجرد إزعاج بسيط لا أكثر. ما إن التفت نحو فيولا حتى تبين له أنها تعاني أمراً أشد قسوة. تشبثت كفها بكفه بقوة، وأحس بتيبّس جسدها مع اللحظة الأولى للاختبار. تجمّع العرق على جبينها، وارتسمت على محياها ملامح تركيز مطلق. أدرك أن هذا الاختبار أثقل وزناً عليها منه، ولم يستطع دفع شعور بالأسى نحوها.

مرت الدقائق، وشعر زيك بالضغط يتصاعد. بدت الأصوات أعلى وتيرة وأشد إلحاحاً. عاين إجهاداً بادياً على وجه فيولا، وتيقن من مكابرتها لمواصلة الصمود. توقفت الأصوات، وساد صمت وجيز قبل أن ينطق الحارس.

قال بلغة بوي: "تهانينا على اجتياز الاختبار. يمكنكما دخول المدينة الآن."

أطلق زيك تنهيدة ارتياح والتفت إلى فيولا. لا زالت متعرقة وتبدو عليها علامات الإعهاق، لكن بريق الانتظار لمع في عيناها. استدارا معاً وولجا المدينة، مستعدين لكشف أسرارها وسبْر أغوار إمبراطورية باومغارتن السفلية. ذهلا بما رأيناه كليهما ما إن توغل زيك وفيولا أكثر في أعماق المدينة. وجدا نفسيهما في أرض مواتٍ خراب من المباني المتهالكة والأنقاض. نحتت المنازل داخل الصخور، وبدت جميعها متجهة نحو الداخل لسبب ما.

تعرضت أغلب الأبنية لأضرار بالغة، وتجلى بوضوح أن المدينة هُجرت منذ آلاف السنين. غير أن ما فاجأهما حقاً هو وجود بشر، إذ لاحظا أناسًا آخرين يتحركون في أنحاء المدينة. بدا جلياً أنهم مغامرون يرتدون العتاد ويحملون الأسلحة، وينقبون في المنازل والأنقاض. تبادل زيك وفيولا نظرات حائرة، متسائلين عن سبب خلوّ النقابة من أي خبر يخص هذا المكان مع وجود هذا الحشد الكبير هنا. عجزرا عن كبح شعور بخيبة الأمل مع استمرارهما في استكشاف الخراب.

لم يكن هذا المعقل إمبراطورية تحت أرضية مهيبة كما تخيلا، بل مدينة منسيّة مهجورة، نهبها مغامرون سبقوهما إليها. لم يسعهما سوى التساؤل عما آلت إليه أحوال مَن قطنوا هذا المكان فيما مضى، وعن السبب الذي هوى بالمدينة إلى هذا الدرك من الخراب. رغم خيبة الأمل، تبادل زيك وفيولا نظرة سريعة قبل التوجه نحو مجموعة المغامرين الأقرب إليهما. مع اقترابهما، توتر الحارسان الواقفان في الخارج للحظة، لكنهما استرخيا مجدداً عندما أدركا أنهما مجرد طفلين مقبلين.

سألت فيولا وقد غلبها الفضول: "ما الذي يجري هنا؟"

ابتسم الرجل بمكر، وجال ببصره مفحصاً اليافعين.

سأل بنبرة يملؤها المرح: "أأنتما هنا لأول مرة؟"

استطرد بنبرة جادة: "هذا المكان يا آنستي الصغيرة، يُعرف بالحي الخارجي للمدينة. لا يمكنكما دخوله مالم تجتازا ما نطلق عليه الاختبار الأول. ينبغي أن تكونا على دراية بهذه الحقيقة مسبقاً. ودعيني أخبرك، كل مَن عبروا الاختبار الأول توافقوا على التكتم بشأن هذا المكان، تجنباً للمنافسة التي ستعقب معرفة وجوده. خصوصاً حين نعبر جميعاً الاختبار الثاني"، وأضاف ملمحاً بغموض.

تباادل زيك وفيولا النظرات مذهولين من هذا الكشف. أدرك زيك أن الاختبار الأول لابد أنه يعود لاختبار سحر العقل الذي اجتازاه للتو، فما عساه يكون الاختبار الثاني إذن؟ استبد به شعور بالريب وهو يفكر بالأخطار المحتملة الكامنة أمامهما. عجزرا عن التفكير فيما يستتبعه الاختبار وكيف سيتسنى لهما عبوره. عرض الرجل، إدراكاً منه لحيرتهما، تقديم مزيد من الشرح حول الاختبار وطريقة اجتيازه.

حذرهم مقلباً بصره بين زيك وفيولا: "الاختبار مزيج من القتال البدني والذهني والسحري. لن يعبره سوى أقوى المغامرين وأكثرهم مهارة. ضعوا كلماتي نصب أعينكم، هذا الاختبار خطير للغاية وفقد كثيرون أرواحهم سعياً لاجتيازه."

وأردف: "ولي طلب أتوجه به إليكما معا. اقطعا لي وعداً بألا تتحدثا عن هذا المكان بعد مغادرتكما. أمتفقان؟"

أومأ اثناهما موافقين على حفظ سر هذا المكان.

أضاف الرجل: "يمكنكما نبش كل المنازل هنا، لكن حذارِ، فقد جُرد معظمها من محتوياته نتيجة سنوات من تنقيب المغامرين بحثاً عن الكنوز."

قدم زيك وفيولا الشكر للرجل على معلوماته وشرعا في استكشاف الحي الخارجي للمدينة. لم يسعهما سوى استشعار رهبة طغت عليهما وهما يجوبان الشوارع إزاء العمارة العتيقة والنقوش البديعة المزخرفة على المنازل. تبينا أن المنازل كانت فخمة وجميلة يوماً ما، لكنها لم تعد سوى أنقاض ذوت جماليتها بمرور الزمن وجشع البشر. تبيّن لهما أثناء تفقد المنازل صدق الرجل، إذ نُظّف جلها بالفعل. مع ذلك، ظفرا ببعض الحُليّ والآثار الصغيرة التي أغفلها المغامرون السابقون.

أثارتهما تلك المكتشفات، لكنهما علما بضآلتها أمام الكنوز المختبئة بيقين في الأحياء الداخلية للمدينة. استغرق الاثنان في التفكير بالاختبار المنتظر خلال تجوالهما في الحي الخارجي. دريا أن الأمر لن يكون يسيرًا، لكنهما عقدا العزم على اجتيازه وكشف أسرار إمبراطورية باومغارتن السفلية. أمضيا بقية اليوم في استكشاف الحي الخارجي وإعداد العدة للاختبار، مدركين أن رحلتهما لكشف أسرار المدينة قد بدأت لتوّها.