وقف آراش أمام المنجم مكتوف الأيدي بملامح صارمة. تصدّره عشرة عمّال استأجروهم بالأمس؛ ثمانية رجال وامرأتان. حرص عند اختيارهم على انتقاء أشدّهم بنية، لكن مع معيار آخر: اختار اليائسين حقّاً. حدث هذا بالطبع وفقاً لتوجيهات سيّده. إن كان صادقاً مع نفسه فلم يكن متأكداً من نجاح هذه الخطة، لكنّه مضى فيها بلا شكوى. نجح سيّدهم دائماً في معالجة أي مأزق واجهوه، وهو يستحقّ هذا القدر من الثقة على الأقل.
ما زال آراش يتذكّر بوضوح لقاءهم الأول مع التايتان في أدغال إيروك. تيقّن حينها من نهاية حياته. بكلمات معدودات من سيّدهم انجلت الأزمة. لم يكتفِ بذلك بل حول اللقاء الخطير إلى فرصة. لذا مهما بدت أوامر سيّدهم غريبة أحياناً فسينفّذها بأمانة وحرفية. حتى ملامحه الصارمة الآن جاءت بأمر من السيّد. درس السيّد كل تفصيلة صغيرة وقدّم تعليمات دقيقة له ولمقيت وفولكانوس. حضر الباقون أيضاً واقفين على بعد نصف خطوة خلفه من الجانبين.
إشارة واضحة للتراتبية حيث يتولى آراش القيادة. مع ذلك لم يجسر على السماح لهذا الدور بركوب غروره. أدرك تماماً عجزه عن مجاراة مقيت أو فولكانوس في القدرات. سيطر الثنائيان تماماً أيام الحلبة بينما بالكاد انتزع هو لقباً واحداً. رغم ذلك تسلّل إليه شعور خفي بالفخر. عهد إليه السيّد بقيادة هذه العملية في النهاية. يعود ذلك بالطبع إلى جذوره في قبيلة أنياب الجليد، لكنّه عزم على استغلال الفرصة أقصى استغلال.
أعاد كتفيه إلى الوراء وبارز بصدره محاولاً الظهور بأكبر قدر من الترهيب وهو يوجه كلامه للعمّال.
"جيد، لقد وصلتم جميعا في الموعد."
أثمرت محاولته فرض الهيبة حين استقاموا استجابة لكلامه.
أومأ آراش وتابع: "سأكرر شروط اتفاقنا. مقابل يوم من العمل الشديد سينال كل منكم لحماً طازجاً يعادل وزن جسمه. يُصرف الأجر نهاية اليوم. هل من أسئلة؟"
تقدّم رجل ضخم البنية وتساءل: "هل يمكنني رؤية اللحم قبل أن نبدأ؟"
هزّ آراش رأسه فوراً.
"لا يمكنك؛ هل من شيء آخر؟"
عاد الرجل نفسه للكلام دون إتاحة المجال لأحد غيره.
"إذن، كيف نثق بامتلاككم لكل هذه الكمية من اللحم؟"
ثبت آراش نظراته على الرجل والتزم الصمت طويلاً. لم يبدُ الرجل، الذي رجّح أنه محارب سابق في القبيلة، خائفاً البتّة.
أخيراً تكلّم آراش: "إن لم تصدقونا، فيمكنكم المغادرة."
"ماذا؟"
"لا أحد يجبركم على البقاء هنا،"
قال آراش ببرود.
"منحتُم فرصة، وأخذها أو تركها يرجع إليكم."
جال بنظراته على الجميع.
"لكن إن غادرتم فلن تحظوا بأي فرصة مستقبلاً."
جزّ الرجل على أسنانِهِ دون أن يبرح مكانه. صدق ما قالَه السيّد تماماً: حتى لو تعرضوا للخديعة فلن يخسروا سوى القليل من الوقت. لا يذكر هذا أمام المكاسب المحتملة. ستكفيهم وجبة تعادل أوزانهم وقتاً طويلاً أو تطعم عائلاتهم لأيام.
لاحظ عدم وجود أسئلة أخرى فاستأنف: "إن لم تكن هناك استفسارات فلنبدأ. سيرافق نصفكم الآنسة مقيت إلى الجليد القديم. وسيبقى النصف الآخر معي."
لم يستغرق تنظيمهم وقتاً طويلاً، وسرعان ما تبع خمسة من العمّال مقيت دافعين عربات اليد العملاقة المستأجرة لذلك اليوم. وتبعه الخمسة الآخرون ومعهم فولكانوس إلى داخل المنجم. تمثلت مهمتهم في تجهيز المنجم لإعادة الإعمار. تطلب ذلك استقامة الممرات من ضمن أمور أخرى. وزّع آراش المعاول على العمّال أثناء مرورهم. التقطوها صامتين وشرعوا في العمل على الجدران كما أُمروا، ولم تمضِ سوى لحظات حتى أصابتهم الدهشة المطلقة.
ابتسم آراش لهذا المشهد. لم تكن الأدوات التي وزّعها عادية أبداً. استطاع أي مدقق ملاحظة ذلك بمجرد تفحصها. بدت المعاول قانية الحمرة بالكامل من المقبض إلى الرأس كأنها صُنعت من الدم. هذا ما صُنعت منه بالفعل بالطبع. استعمل السيّد إحدى تعويذاته الغريبة لصنع هذه الأدوات من دمائه الخاصة. انتاب الشك آراش والوحوش الثلاثة الأخرى. لكن بعد استعراض سريع اقتنعوا تماماً؛ تقطع هذه الأدوات الصخور كالسكين الحامي في الزبد.
يختبر العمّال الخمسة الآن لحظة الإدراك ذاتها متبادلين النظرات بين الجدران والأدوات بأيديهم. راقبهم آراش بملامح جامدة بينما ابتسم في داخله. وسائل سيّدهم عصيّة على الفهم حقاً. يبدو امتلاكه للمزيد من الحيل في جعبته دائماً.
"عودوا إلى العمل،"
هتف آراش مفزعاً العمّال. لكنهم استأنفوا مهمتهم سريعاً. سار العمل بسلاسة طوال الساعات التالية ونجحوا في توسيع الممر بشكل ملحوظ. لحسن الحظ لم يقلقوا بشأن الانهيارات في الوقت الحالي. زوّدهم السيّد بمخطط مفصل للمناطق الأكثر خطورة، وهم يعملون حالياً في أحد أكثر المواقع أماناً. حلّ منتصف النهار وعادت مقيت. أمضت الساعات الفائتة في جمع الطين من الجليد القديم ناقلة إياه عربة تلو الأخرى.
لاحظ آراش تبدل نظرات العمّال إليها. حتى ذلك الرجل الضخم الصاخب صباحاً بات أكثر تحفّظاً بكثير. نادى آراش مستعلناً عن استراحة لدى دخولها المنجم، ولاحت الحماسة على وجوه رجال القبيلة. وعدوهم بغداء، وبدا الترقب جلياً في عيونهم. ابتسم آراش ومَدّ لهم ما أعدّوه. قطعة لحم مطهوّة هائلة بحجم رأس إنسان تقريباً. بدت كمية سخيفة بالنسبة لبشري. لكنها مجرد حصة عادية تليق بوحش بالغ.
رغم ذلك لمعت عيون العمّال وانبسطت أجسامهم المشدودة لدى رؤيتها. بدا أنهم صدقوا أخيراً حقيقة المكافأة الموعودة. واصل العمّال أعمال الهدم بعد الغداء مطهرين قطاعات أوسع. ستتحول هذه المساحات إلى غرف مستقبلاً. واصل آراش الإشراف على العملية بينما انشغل فولكانوس ومقيت بأمر آخر. جهل آراش كلياً طبيعة عملهما، لكن الإجراء بدا معقداً. على حد شرح سيّدهم، سيتمكنان من خلق صخور سائلة عبر خلط مكونات معينة بطريقة خاصة، لكن آراش شكّ في الأمر.
فما من قدرة لدى مقيت أو فولكانوس على التأثير في الصخور أصلاً. بدا السيّد واثقاً؛ ومع ذلك لن يصدق آراش أمراً كهذا إلا برؤيته بعينيه. مرت الساعات منكبّاً على المخططات المُسلّمة إليه. تمثل التحدي الأكبر أمامه في توجيه العمّال بل قياس المسافات بدقة. بلغت الخطة من الدقة حداً قد يخلق مشاكل لاحقة جراء أي حيود. أخبره السيّد بقدرته على إصلاح الأخطاء البسيطة، لكن آراش سعى للكمال قدر استطاعته.
أعلن نهاية اليوم بعد ساعات أخرى وقاد مجموعته للخروج من المنجم. علت وجهه ابتسامة خفيفة لنجاحهم في التقدم على الجدول الزمني. لكن عند بلوغه الممر الأول، تجمدت قدمه في المنتصف. رفعت مقيت وفولكانوس رأسيهما عما يشغلهما. ارتسمت على وجهيهما أمارات الشماتة لرؤية وجهه المذهول. بالكاد لاحظ آراش ذلك، فقد ثبتت عيناه على أرضية الممر الذي نظّفته مجموعته صباح اليوم فقط. بدت ملساء تماماً.
سارع بإخراج العمال اليوميين من المنجم وحرص على حصولهم على أجرهم من اللحم كما وُعِدوا. حاول الكثيرون محادثته، ربما لإقناعه بتوظيفهم مجدداً لليوم التالي، لكنه تجاهلهم وعاد مسرعاً. لم يرغب فقط في رؤية كيفية ابتكار الآخرين لهذه الأرضية المذهلة، بل نفّذ تعليمات السيّد أيضاً. عاد إلى المنجم فرأى فولكانوس مستخدماً نيرانه لتسخين الأرضية بينما ضغطت عليها مقيت بقدرتها. بعد دقائق معدودة صلب جزء جديد.
لم يلبثوا أن سكبوا دفعة جديدة من الوحل الرمادي على الأرض وكرروا العملية. كان الأمر فاتناً. انتزع آراش ناظريه بصعوبة بالغة بعد وقت طويل. لا يستطيع قضاء وقتاً طويلاً هنا. فلديه عمل آخر في النهاية. توجّه بخطى سريعة نحو ساحة السوق. اقترب موعد اختيار عمّال الغد. أحس بأجواء غريبة لحظة وصوله السوق. بدا مزدحماً بشكل غير معتاد. لم يتواجد في هذا المكان نصف هذا العدد بالأمس. رفع دروع حمايته لدى رؤية ذلك.
أكمين هذا؟
انطلقت الصيحات فور تعارف أول شخص عليه: "أيها المحارب الذئب الرمادي، خذني أرجوك!"
"أيها الجنرال الذئب الرمادي، سأعمل بجد!"
"أيها السيّد الذئب الرمادي، لدي خبرة في العمل بالمنجم!"
هبت الهتافات من كل الاتجاهات مغرقة إياه للحظة. كمين بالفعل. لكنه كمين مغاير تماماً لما توقعه. استمات هؤلاء الناس للعمل لديه. أو بالأحرى، للحصول على الطعام الذي يوفره. لمح آراش بين الحشود بعض عمّال اليوم. لمعت عيناه بالفهم. أدرك أخيراً سبب أمر السيّد بإنهاء عملهم مبكراً في اليوم الأول. هكذا يتسنى لهم إخبار زملائهم بهذه الفرصة العظيمة. لكن آراش استخف بحجم الضجة التي ستثيرها هذه الدعوة تماماً.
تصرفوا بهستيرية مفرطة كأنهم وحوش بريّة. غمر شعور بالحنين آراش. نشأ في المدينة السفلى ولم يكن غريباً على هذا المشهد. اعتاد وحوش المدينة السفلى الجنون التام كلما وصل السحرة بإمدادات الطعام، ولم يكن آراش استثناءً. لكنه يقف اليوم للمرة الأولى في حياته على الجانب الآخر من هذا التفاعل. ما عاد كلباً جائعاً يتوسل الفتات.
أعلن بصوت قاطع: "سأقوم باختياري الآن،"
فصمت الحشد فوراً. انتشرت ابتسامة على وجهه للمشهد. طالما تبع إزيكييل فلن يعود لتلك الحال أبداً.