خرج زيك من المنجم واستنشق هواء الجبل البارد. عندما استدار نحو المدخل تجهم حاجباه. بعد عودته من الصيد سرّه أن صاحب المنجم أبدى استعداداً للبيع. والأكثر من ذلك أن الرجل لم يطلب سوى جزء يسير مما توقع. لكنه أدرك الآن سبب السعر الزهيد. عندما فكر زيك في منجم تخيل ممرات مدعمة ومسالك مدروسة. غير أن ما وجده هنا كان بعيداً كل البعد عن ذلك. لم تكن حال القرية توحي بذلك لكن قبيلة آيسفانغ بدت خالية من المعماريين والحرفيين المهرة.
بالنظر إلى طبيعة القبيلة المحاربة لم يكن مفترضاً أن يفاجئه الأمر لكن حالة المنجم باغته مع ذلك. كان بدائياً للغاية. بصراحة إطلاق اسم منجم عليه كان مبالغة. بدا جلياً تماماً أن أحدا لم يبذل أي فكر أو جهد في هذا المكان. بصرف النظر عن البوابة المصنوعة بإتقان بدا جوف المنجم شبيهأ بكهف طبيعي أكثر من كونها بنية من صنع البشر. كانت الجدران خشنة وغير متساوية والممرات تتلوى يميناً ويساراً عشوائياً والدعامات منعدمة تماماً.
المفاجأة الإيجابية الوحيدة هي أن المكان لم يمتد إليه الانهيار حتى الآن. من خلفه خرج الكيميروي من المنجم وبدت ملامحهم مثقلة. بدا آش الذي تولى تفاوض الصفقة على هذا المكان قلقاً بشكل خاص.
قال: "سيّدي أنا... لم أكن أعتقد أن الأمر سيكون هكذا..."
تأمل زيك ملامحه المتوترة وعقد حاجبيه. لم يكن هناك سبب ليتحمل آش مسؤولية هذا. ففي النهاية أمره زيك بشرائه بغض النظر عن أي شيء. ومع ذلك بدا أن آش ما زال يعد هذا خطأه. هزّ زيك رأسه.
قال: "لا تقلق بشأن هذا. قد لا يكون المكان بكل ما كنت أتألمه لكني لم أتحر قط أن يكون مثالياً منذ البداية."
انقبض وجه آش ولم يتقبل كلماته.
قال: "يمكنني التعايش مع عبارة (ليس مثالياً) لكن... هل هذا صالح للاستخدام أصلاً؟"
أدرك زيك أن محاولة فاتر لإرضاء آش لن تجدي نفعاً فقرر اطلاعه على بعض خططه.
قال: "أنت مححق في أن المكان عبارة عن فوضى. لكن هذا يعني فقط أن التجديدات التي خططت لها ستكون أوسع نطاقاً بعض الشيء."
سأل آش وما زال الشك يعتريه: "تجديدات؟"
أومأ زيك برأسه.
قال: "حتى لو كان المنجم عالي الجودة فهو ليس مكاناً لأحد ليعيش فيه. لقد خططت دائماً لإعادة بنائه ليناسب احتياجاتنا. الآن أصبح لدينا عمل إضافي قليل فحسب."
بدأت ملامح آش المتوترة ترتخي قليلاً أخيراً. ورأى زيك فرصة لمنحه دفعة إضافية.
قال: "الآن بعد أن فكرت في الأمر قد تكون هذه فرصة لنا."
سأل: "ماذا تقصد؟"
ابتسم زيك حين رأى الكيميروي يوليان اهتماماً بالغاً.
قال: "كنت أفكر في طرق للتقرب من أهل هنا. على الأرجح لن يجدي الأمر نفعاً إن عرضنا عليهم الطعام علانية لينضموا إلى صفوفنا. لكن ماذا لو عرضنا عليهم الطعام مقابل العمل؟"
أمال فولكانوس رأسه.
قال: "كيف سيساعدنا ذلك؟"
رفع زيك ثلاث أصابع طاويا إياها واحدة تلو الأخرى أثناء حديثه.
قال: "أولاً سيساعدنا ذلك في الترويج لأسمائنا. في الوقت الحالي نحن غرباء بالنسبة لمعظم المواطنين. يجب أن يتغير هذا."
أومأ الكيميروي.
قال: "ثانياً سيثبت حقيقة بالغة الأهمية: نحن نملك طعاماً. قد ينتهي بنا الأمر بوضع هدف على ظهورنا لكن التبديل يستحق العناء."
أومأة أخرى.
قال: "ثالثاً والأهم أريد غرس مفهوم أن العمل لصناعتنا يمثل امتيازاً. سأجعل الناس يتدافعون للحصول على فرصة للعمل معنا."
هذه المرة لم يومئ الكيميروي. بل راحوا ينظرون إليه بنظرات مريبة.
سأل غرافيتاز بشك: "امتياز؟"
قال زيك بمرح: "ألا تصدقونني؟ دعوني أثبت ذلك إذن. أريد أن تذهبوا إلى السوق الآن وتطلبوا متطوعين ليوم الغد."
عقد آش حاجبيه.
قال: "ماذا المفترض أن نقول لهم؟"
قال: "أخبروهم أننا سنوظف عمالاً ليوم واحد في كل مرة. ستكون مهمتهم عملاً شاقاً والأجر سيكون وزنهم لحماً."
أومأ آش ببطء وبدو مرتبكاً مع ذلك.
قال: "لماذا ليوم واحد؟ أليس من الأسهل استخدام نفس الأشخاص باستمرار؟ بهذه الطريقة لن نضطر لشرح العمل في كل مرة."
هز زيك رأسه وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه.
قال: "هذا سيقضي على الخطة بأسرها. أريد أن توظفوا عشرة أشخاص بالضبط ولا شخصاً إضافياً واحداً لكن وضحوا أننا سنختار دفعة جديدة في اليوم التالي في نفس الوقت والمكان."
سأل آش: "بأي غاية؟"
ابتسم زيك بغموض.
قال: "ستكتشفون غداً. والآن اذهبوا."
بعد أن غادر الكيميروي استدار زيك مجدداً ليواجه المنجم وتلاشت الابتسامة ببطء عن شفتيه.
قال: "ماذا وجدت يا أكاشا؟"
[الرد]
الجدران غير مستقرة في عدة أجزاء من المنجم وتحتاج إلى تدعيم. لا توجد أنظمة دوران هواء أو فتحات تهوية مما يجعل الهواء ساماً في الأقسام الأعمق. لو قام بشر بالتعدين هنا لكانت هناك إصابات منذ فترة طويلة. من المرجح أن قبيلة آيسفانغ تخلت عن هذا المكان بعد أن عجزت بنيتهم القوية عن تحمل المشاكل الصحية بعد الآن.
أومأ زيك. كان هذا قريباً مما توقع.
قال: "أي أخبار سارة؟"
[الرد]
لقد وجدت رواسب معدنية كبيرة إلى حد ما في الأجزاء الأعمق من المنجم. من المحتمل أن المكان لم ينضب قط لكن القبيلة ببساطة لم تستطع التقدم إلى عمق أكبر.
رفع زيك حاجبيه.
قال: "ماذا وجدت؟"
[الرد]
لقد وجدت عدة رواسب حديدية كبيرة وعرقاً من الفولاذ المتجمد وكمية معتبرة من الحجر الجيري.
فرك زيك ذقنه. تلك فائدة غير متوقعة، ولا سيما الفولاذ المتجمد. مع ذلك، ظلوا بعيدين كل البعد عن الاستفادة منها. قبل كل شيء، وجب جعل الفضاء صالحاً للسكن.
قال: "ابدأ بحساب خطط التجديد المثلى."
بينما كانت أكاشا تعمل، شقّ زيك طريقه عائداً إلى مسكنهما الحالي. لم يكن يدري المدة التي سيسمح لهم فيها باستخدام بيت الضيافة، لكنه سيستغل ضيافتهم طالما دامت. وهي غالباً لن تدوم طويلًًا. حقيقة أن أحداً لم يكبّد نفسه عناء توفير الطعام لهم كانت تنبئ بالكثير. توقّع منهم القبيلة الرحيل فور نفاد مؤونتهم. لم يلم زيك أحداً على تلك المعاملة الجافة. في الحصار، كانت كل كسرة خبز ثمينة، ولم يقدروا على إهدار مواردهم على حفنة من الضيوف غير المدعوين.
مع ذلك، يعني هذا أيضاً أنه لن يشعر بذرة ندم واحدة بينما يستغل تماماً محنتهم الحالية. خلال رحلة صيدهم التي استغرقت ساعة، صادف زيك وفولكانوس وغرافيتاس بحيرة صغيرة في غابة مجاورة. حكماً من آثار الوحوش المتنوعة، كانت مورداً مائياً محلياً ترتاده حشود من الحياة البرية. لم يستغرق الأمر سوى حفنة دقائق قبل وصول الفريسة الأولى. لم ير زيك قط مخلوقاً مثله من قبل. كان الوحش ذو الأرجل الأربعة عملاقاً ضخماً بثلاثة قرون شبيهة بالحراب على أنفه.
كان جلده الرمادي الداكن صاسباً لدرجة أنه استطاع تجاهل نيران فولكانوس. مع ذلك، سرعان ما انهار تحت سحر غرافيتاس. انتهى القتال في لمح البصر، تاركاً مجموعتهم بلحم أكثر مما يمكنهم التعامل معه معقولاً. اضطروا إلى التخلي عن معظم الذبيحة بعد اختيار أفضل الأجزاء فقط. ورغم ذلك، بعد الدفع ثمن المنجم، ظلوا جالسين على كمية معتبرة من اللحم. وصل زيك إلى مقره المؤقت واستقر بجوار المدفأة، حيث لم يَبقَ سوى الجمرات.
مع ذلك، لم تعد حرارة الغرفة المتجمدة تزعجه. على الرغم من التجربة المروعة في المرة الأولى، لم يطق الانتظار لخوض الجولة الثانية من ترويض السموم. بعد الاستقرار، دخل الفضاء العقلي لمكتبة عقله. هذا المكان، الذي كان يوماً سهلاً أبيض فارغاً، خضع لعدة جولات من إعادة الهيكلة منذ أن تولت أكاشا السيطرة عليه. ظل زيك منذهلاً دائماً بالتغييرات في كل مرة يزور فيها المكان. ورغم ذلك، على الرغم من إعداد نفسه، ظل متفاجئاً بما وجده.
ضم مركز فضائه العقلي الآن إسقاطين ثلاثي الأبعاد هائلين للمنجم. أظهر الذي على اليسار المنجم في حالته الحالية المتهالكة. عرض الآخر المنجم وهو يُعاد بناؤها، مع حدوث تغييرات في الوقت الفعلي. ومع ذلك، لم يكن ما صدمه هو الإسقاط نفسه بل الشخصيات الواقفة حوله. كانت هيئة أكاشا البشرية لفتاة شابّة جميلة بشعر فضي وجسد متعرّج. لفترة طويلة، كان يرتبك كلما التقيا وجهاً لوجه، سيما أنها كانت صريحة للغاية بشأن تصميم مظهرها ليناسب تفضيلاته تماماً.
ورغم ذلك، على مدار العام الماضي، اعتاد إلى حد ما رؤية ها. ومع ذلك، لم تكن هناك الآن نسخة واحدة فقط، بل اثنتا عشرة نسخة على الأقل منها. لحظة ظهور زيك، التفتت نظراتهن الجماعية نحوه، موقِفات أنشطتهن. حتى بالنسبة إليه، كان هذا المستوي من الاهتمام خانقاً بعض الشيء.
سأل لكسر توحش اللحظة: "ما الذي يجري هنا...؟"
في تلك اللحظة، تجسدت نسخة أخرى من أكاشا بجواره بينما عادت الأخريات إلى مهامهن.
قالت أكاشا الجديدة كأن الأمر أشبه بأكثر شيء طبيعي في العالم: "أهلاً بك في بيتك."
رفع زيك حاجبها. بيتك؟ كان هذا المكان خلقاً من تقارب عقله، والذي وُجد داخل جسده.
تقنياً، كان في "المنزل"
دائماً. قرر عدم ذكر ذلك، مع ذلك، واجداً اللفتة مؤثرة إلى حد ما.
قال عوضاً عن ذلك: "سعيد بوجودي في بيتي. أتمانّع إخباري بما تفعلينه؟"
أومأت أكاشا بطاعة، مشيرة إلى الإسقاط الكبير.
"أنا في صدد التجربة مع خياراتنا لمشروع التجديد. المعايير هي السلامة والتوفر والوقت، متجاهلة عوامل التكلفة واليد العاملة."
أومأ زيك. كالعادة، استوعبت أكاشا نواياه سريعاً دون الحاجة إلى توضيح أي شيء. مع ذلك، لم يكن ذلك ما سأل عنه.
قال مشيراً إلى النسخ: "كنت أتحدث عن أولئك."
ذكرت أكاشا بجمود: "لا داعي لأن تعيرهن أي بال. إنهن مجرد تمثيلات للمهام المختلفة التي أؤديها حالياً."
أشارت إلى إحدى نسخها القريبة.
"هذه مسؤولة عن إنشاء قائمة بجميع الموارد المتاحة في هذه المنطقة."
انتقل إصبعها إلى التالية.
"هذه مسؤولة عن تجميع قائمة بمواد البناء التي يمكن إنشاؤها من تلك المواد الخام."
عندما أشارت إلى التالية، قاطعها زيك قبل أن تتمكن من الشرح.
"أنا أفهم المبدأ. ولكن لماذا تفعلين هذا؟ ألسن جميعهن... أنتِ؟"
أماتت أكاشا برأسها، مصارعة للإجابة.
قالت بعد حين: "لا أعلم."
تفاجأ زيك. عادة، امتلكت أكاشا سبباً لكل ما تفعله. حقيقة أنها لم تستطيع شرح فعلها كانت شيئاً لم يصادفه من قبل. أكان... أنها تشعر بالوحدة؟ وخز الفكر ضميره. بعد كل شيء، نادراً ما زار هذا المكان، وكان الشخص الوحيد الذي يمكنها حتى التواصل معه. تعهد بزيارتها بشكل متكرر أكثر من الآن فصاعداً. تنحنح زيك، متجاوزاً الموضوع.
"إذن، ماذا لديك حتى الآن؟"
قادته أكاشا إلى الإسقاط الثاني، والذي عرض النسخة المجددة من المنجم. رأى زيك أن الأرضيات والجدران والسقف كانت مدعمة جميعها بحجر أملس، وامتدت أعمدة مدعمة نحو السقف بفاصل منتظمة. قفزت حاجباه دهشة. لم يتوقع أن يكونوا قادرين على خلق شيء كهذا، بالنظر إلى معاييره ومارده المحدودة. جعلت الخطط المكان يبدو ملكياً تقريباً.
"كيف تخططين لجعل الجدران والأسقف ملساء هكذا؟"
"إنه مادة تسمى الأسمنت، وهي مزيج من الحجر الجيري والطين والرمل."
عبس زيك. كانت تلك كلها مواد شائعة. لماذا لم يسمع قط بهذا المزيج؟ بدت أكاشا وكأنها تقرأ أفكاره بينما شرحت فوراً.
"لا يُستخدم الأسمنت عادة لأن عملية الخلط تتطلب درجات حرارة عالية جداً. أنا أخطط للاستفادة من قدرات فولكانوس وغرافيتاس لخلق كميات كبيرة من هذه المادة."
انحنى زيك للأمام، مهتماً فجأة جداً بخطط التجديد.
"أخبرني بكل شيء!"