بصوت خافت سقطت بقايا الحطب وانطفأت الجمرات. انقضت ساعات منذ أن بدأ زيك عمله وبدأت حرارة غرفة الضيوف تتراجع تدريجياً. ظل زيك جالساً في مكانه تماماً ولم يتحرك شبراً طوال هذا الوقت. بدا وجهه أسوأ من ذي قبل. اختلط لون السم الأزرق سابقاً بيديه وذراعيه. غطى الآن ذلك الشحوب المريض بشرته كاملة. بدا كرجل على وشك التجمد حتى الموت. عزز ذلك الانطباع رجفانه المستمر واللون الأزرق الفاتح الذي كسا شفتيه.
لكن الضعف اختفى فوراً لدى النظر إلى عينيه. غاب اليأس وسط حالته وحل مكانه إصرار هادئ وعزم قاطع. أطبق على أسنانه وتحمل البرودة التي تغلغلت في جسده كله. تحكمت أكاشا بدقة في الجرعة ورغم ذلك ظل الإشعور مزعجاً للغاية. لم يشبه هذا البرد أي صقيع مألوف بل انبثق من داخله مما جعل المقاومة العادية لمثل هذا التهديد عديمة الجدوى تماماً. تدفق دمُه ببطء شديد وتجمد شبه كليّ جارفا طريقه في عروقه كدودة ضخمة تزحف في جوفه.
صتع هذا العذاب بنفسه. كان أي شخص آخر مصاباً بالسم قد قضى نتيجة فشل أعضائه قبل الوصول إلى هذه المرحلة. وحدها السيطرة التامة على الجرعات كفيلة بإطالة المعاناة إلى هذا الحد. مع ذلك لم يتذمر زيك. كان عليه البقاء في هذه المنطقة لفترة وربما تعني أي ميزة ضد قبيلة مقياس الصقيع الفاصل بين الحياة والموت. ينتمي زيك إلى نوعية البشر الذين يتحملون ألم الحاضر تفادياً لندم المستقبل.
[إشعار]
بلغ التقدم 92%.
أقرّ زيك بالتقرير في صمت. لم يجسر على الاسترخاء بعد لعلمه التام بأن هذه الخطوة الأخيرة هي الأصعب تحملاً. حاول بدلاً من ذلك تجاهل الألم وترك عقله يشرّد. تذكر شبابه في فيلدشتات وبالتحديد شخصاً عرفه: الع أرمل العجوز الذي عاش في الشارع المقابل لمنزلهم. أُطلق عليه اسم العجوز مايكل وهو جندي متقاعد يمتلك جسداً مليئاً بالعضلات والندوب. اعتاد العجوز مايكل كل عام مع بدء تساقط الثلوج وتجمد البحيرات اتباع روتين غريب: كان يغتسل في الماء المتجمد ويتحمل طالما استطاع.
وصفه أهل القرية بالمجنون. قالوا إنه سينتحر يوماً وأن جسده الهرم لا يتحمل هذا العبء. لكن مايكل لم يستمع لأحد. واصل حمامات الثلج سنة بعد سنة. سأله زيك ذات يوم عن سبب استمراره رغم تقدمه في السن.
تذكر كيف ابتسم له مايكل وقال: "إنهم مخطئون تماماً. السبب الوحيد لبقائي حياً حتى الآن هو استمراري في تحدي نفسي. لن يقتلني الاستمرار بل التوقف".
لم يدرك زيك تلك الكلمات تماماً في ذلك الوقت لكن الكثير من الشيوخ ماتوا في السنوات التالية بينما بقي مايكل سليماً كالثور. لم يصَب حتى بالزكام طوال معرفة زيك له. حافظ العجوز على لياقته البدنية القصوى حتى مغادرة زيك إلى الأكاديمية. أهي الإرادة التي مكنت العجوز من العيش طويلاً؟ أم أن الماء البارد قد درّب جسده حقاً؟ لم يعلم زيك الإجابة لكنه شعر بنوع من التقارب مع العجوز أثناء تحمله الصامت لألم البرد المبرح.
كم بلغ صعوبة تحمل البحيرة المتجمدة في مثل هذا السن المتقدم ومع جسد يضج بالندوب والإصابات القديمة؟ ومع ذلك فعلها كل عام بلا تذمر وبدون أن يجبره أحد. ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي زيك. إن استطاع العجوز مايكل فعلها فلماذا يعجز هو؟
[إشعار]
انتهى التدريب.
شعر زيك بأثر تلك الكلمات قبل أن يتمكن من رد الفعل: بدأ الأمر بوخز خفيف ثم تحول الإشعور إلى حرارة حارقة وكأن ناراً اشتعلت في عروقه. لم يكن الأمر كذلك بالطبع. تماماً كما تبدو المياه الفاترة ساخنة على الأيدي المتجمدة، بدا العودة إلى الحالة الطبيعية جحيماً بالنسبة لزيك. صكّ زيك على أسنانه بينما تصبب العرق من وجهه. بدا هذا أكثر إيلاماً من العملية نفسها! رغم نزق هذا الإشعور، لم يستمر سوى لحظات معدودة.
سرعان ما استبدل الألم دفء لطيف انتشر في جسده كله. أطلق أخيراً أنفاسه التي حبسها وأرخى جسده المتوتر.
[إشعار]
نتائج الجولة الأولى من التدريب: ارتفعت المقاومة ضد سم مقياس الصقيع بنسبة 22%.
رفع زيك حاجباً.
"هذا أكثر بكثير مما توقعت".
[إجابة]
المضيف محق: عادة لا تنتج عملية كهذه مثل هذه النتائج. يرجع هذا الانحراف غالباً إلى تقارب المضيف العالي مع سحر الدم والتدريب السابق بجوهر التنين.
أومأ زيك. بدا هذا منطقياً له. فالسم يسري في الدماء عادة. غير أنه لم يتوقع أن تؤثر الجوهر التنيني في النتيجة أيضاً. أدرك أنه لا يعرف كيف تتفاعل التنانين مع السموم. لكنه استبعد أن تسقط تلك الكائنات المفترسة بسهولة بسببه. فمن المرجح أن أجسادها شديدة المناعة. على أي حال. لن يتذمر من حصوله على نتيجة أفضل. ابتسم بخفة. نهض زيك من المقعد أهيراً. شعرت عضلاته بالألم بعد ساعات من القشعريرة.
لكن الإنزعاج بدأ يتلاشى مع تمدده. كانت إحدى أعظم ميزات تقارب الدماء لديه هي قدرته الهائلة على الشفاء الذاتي. طالما بقيت أطرافه متصلة. قلَّ ما يعجز عن التعافي منه. مقارنة بهذا. كانت آلام العضلات تافهة. ولن يستغرق سوى دقائق معدودة للتعافي من الإجهاد. راح زيك يخطو في الغرفة. ليمدد تشنجات جسده المتصلب. شعر بتحسن طفيف مع كل خطوة. وسرعان ما تلاشى آخر أثر للإنجاز. أخذ نفساً مريحة.
وعاد إلى مقعده. كانت النيران قد انطفأت تماماً الآن. وفكر زيك لحظة في إشعالها من جديد. بيد أنه لم يشعر بالبرد كثيراً في هذه اللحظة. ربما كانت حواسه تخدعه فحسب. فقد عانى لتوه من التجمد لساعات. ومن المحتمل جداً أنه عاجز عن تقدير درجة الحرارة بدقة. ليثبت فرضيته. توجه زيك نحو باب المسكن الصخري. فتح الباب شقاً ونظر إلى الخارج. كان المكان مقفراً تماماً. كان بيت الضيوف في موقع منعزل أصلاً.
وبدا أن القليل من الناس يتجولون في هذا الوقت من اليوم. اطمأن زيك. ففتح الباب على مصراعيه. مسموحاً للرياح الباردة بدخول الغرفة. ولحاجته. لم يؤثر فيه حتى هواء الجبل المنعش. وقف زيك أمام الباب المفتوح حائراً. تذكر شعوره بازدياد برودة الهواء أثناء صعودهم. لكنه لم يعد يشعر بالقرص برغم وجودهما في علوّ أكبر. أكانت هذه ميزة للقرية؟ لا. استبعد ذلك. حتى إن مرشدهم لمّح إلى أن هذا المكان هو الوحيد الذي يضم مدفأة.
إذن... ما الذي يجري؟
[تنبيه]
لقد رصدت شذوذاً في جسد المضيف. قد يكون هذا عرضاً جانبياً غير متوقع لعملية الصقل.
قطب زيك حاجبيه. لم يعجبه وقع هذا الكلام.
"وضّح."
[إجابة]
فرضية أولية: تكيّف جسد المضيف ليتحمل البرد بشكل أفضل. السبب غير واضح. لكن حرارة جسد المضيف الداخلية ظلت ثابتة رغم التغير الخارجي في درجات الحرارة.
اتسعت عينا زيك.
توقع أخباراً سيئة حين سمع عبارة "أعراض جانبية غير متوقعة".
لكن هذا... ألم يكن... خبراً جيداً؟ ومع ذلك. كان الوقت مبكراً للاحتفال.
"أكاشا. حللي جسدي بالكامل وقارنيه بحالته قبل إصابتي بالسم. أريد معرفة كل ما تغير."
صمتت أكاشا. لكن زيك اعلم أنها تنفذ ما أمرها به.
[إجابة]
اكتملت المقارنة بنجاح. تشمل الآثار الملاحظة زيادة معدل الأيض. وتحسين أكسدة الدهون. وانخفاض علامات الالتهاب. وتعزيز النغمة الوعائية ومرونتها. وانخفاض القلب والأوعية...
"توقفي."
قاطها زيك.
"أخبريني فحسب بما يمكنني توقعه من هذه التغيرات."
[إجابة]
مفهوم. أدت التعديلات على جسد المضيف إلى زيادة مقاومة السموم. ومقاومة أكبر للبرد. وتعزيز طفيف في متانة الأوردة.
كاد فم زيك يسقط من هذه الكلمات. لم يقتصر الأمر على زيادة مقاومة سم قشور الصقيع بشكل كبير فحسب. بل كانت هناك فوائد أخرى كذلك.
سأل زيك بلهفة: "كم مرة يمكننا تكرار العملية؟"
[إجابة]
يمكن تكرار هذه العملية عددً غير محدود من المرات. ومع ذلك. ستفقد المعالجة فاعليتها مع كل تطبيق لاحق. ومن المرجح أن الفوائد لن تستحق العناء بعد ثلاث أو أربع جلسات إضافية.
أومأ زيك برأسه مستغرقاً في التفكير. كان يعلم مسبقاً أن جسده يحتاج إلى بضع أيام من الراحة قبل أن يتمكن من صقله مجدداً. لكنه لن يتخلى عن هذه الفرصة بسهولة الآن بعد أن عثر على سبيلاً لتقوية نفسه. سار نحو الزاوية حيث ترك الجميع أمتعتهم. عبث بكومة الحقائب حتى عثر أخيراً على ما يبحث عنه. أخرج زيك غلافاً جلدياً قاسياً وحمله إلى الطاولة. احتوت هذه الحقيبة الخاصة على دفتر ملاحظاته وريشته الآلية.
كتب ببرود حركات بضع جمل. أوضح بسرعة وضعه الحالي وأنه بخير. وإلا لبدأت أمه وأخته في القلق إن لم يسمعا عنه. وصل أخيراً إلى الجزء الأكثر إثارة بالنسبة إليه بعد تلك الكلمات القليلة: قائمة تسوق. كانت تريدسباير عاصمة التجارة في العالم وفيها شتى أنواع البضائع المعروضة. بلغت أنواع السموم المعروضة مئات إن لم تكن آلافاً. كاد زيك يسيل لعابه عند تفكير التحسينات التي يمكنه إجراؤها بصقل جسده بها.
طلب تحديداً سموماً متعلقة بالبرودة أو الجليد أو الصقيع. ترتبط قبيلتا أنياب الجليد وحراشف الصقيع بذلك العنصر على أي حال. كان استدلال زيك بسيطاً: إن كان سم حراشف الصقيع قادراً على تعزيز مقاومته للبرودة فقد تمتلك السموم المماثلة الأخرى تأثيرات مشابهة عليه. دقق زيك محتويات رسالته بعد أن أتمها قبل إرسالها فوراً. أدى استخدام سريع لمهارة [النقل الآني] إلى اختفائها من بين يديه.
سحر الفضاء مريح حقاً في أوقات كهاذه. لم يستطع التواصل مع عائلته فوراً فحسب بل استطاع استعادة شيء صغير كقارورة سم بلا أي مشكلة. قلق بشأن تكلفة المانا للحظة. فقد صار أبعد بكثير عن تريدسباير مما كان عليه طوال حياته على أي حال. بيد أن المسافة لم تؤثر كثيراً في تكلفة التعويذة كما تبين. كان الاختلاف الأساسي يكمن في أن العثور على مناره قد غدا أصعب بكثير. بدا الأمر كمن يحاول لمس محطة إرشادية عبر ضباب كثيف.
استطاع إدراك موقعه العام مع ذلك وتطلب تحديد بدقة تركيزاً هائلاً. أدرك زيك بغريزته أنه لن يستطيع استخدام التعويذة مجدداً إن ابتعد أكثر من ذلك. سمع زيك خطوات تقترب من الباب للتو. تحرك سريعاً من مقعده وتهيأ لكمين. لكن يقظته تلاشت حين تعرف إلى الأشكال الثلاثة. كان آش وفولكانوس وجرافيتاس عائدين من مهمتهم.