تابع زيك بعينيه مصدر الصوت. لمس بصره هناك رجلاً وسيمًا بشعر أبيض وعينين حمراوين. بدا الوافد حاد الملامح ووحشياً، بأنف دقيق مستقيم ونظرة ثاقبة. بدا في منتصف العشرينيات من عمره وطويل القامة تماماً. والأهم من ذلك كله أنه بدا بشرياً بالكامل. رمق زيك سنو بنظرة جانبية. لم تكن الحاجة لذكاء خارق لتمييز الشبه بينهما. كان لون الشعر والعينين متطابقين تقريباً، وبالنظر إلى كون هذا الرجل يبدو نقياً دموياً هو الآخر، فمن المرجح أن رابطة قوية تجمعهما.
وكما كان متوقعاً، اتسعت عينا الفتاة فور وقوعهما على هذا الشخص.
"ما الذي تفعله هنا؟"
تجاهل الرجل سؤال سنو ليمسح مجموعتهم ببصره. مرّت نظراته على غرافيتا وسولكانوس، لكنها توقف لبرهة عند آش. لم يكلف نفسه حتى عناء النظر إلى زيك قبل أن يستقر ببصره في النهاية على سنو.
قال متأخراً: "أنا المسؤول عن الدفاعات في الوقت الحالي".
والتوت شفتاه.
"كما قد تكونين أدركتِ، نحن في حالة حرب".
قطبت سنو حاجبيها.
"أين الأب؟"
التوى وجه الرجل باشمئزاز.
"لا يزال السلف في القمة. إنه يتعافى من إصابات بالغة".
اتسعت عينا سنو.
"مستحيل! كيف يُعقل أن يُصاب؟ فقيلة قشور الصقيع لا تمتلك القوة..."
عند كلماتها، لاحظ زيك تغيراً في الجو المحيط. نظر بعض المحيطين إلى سنو بشفقة، وبعضهم بغضب. قطب حاجبيها. كان هناك شيء غير مألوف. فاتتْه قطعة معلومات حاسمة. تحولت نظرة الغريب إلى البرود عند كلامها.
"أنت محقة؛ لكان مستحيلاً على قبيلة قشور الصقيع مجاراة سلفنا... في الظروف العادية".
قد تكون سنو صغيرة، لكنها لم تنقصها الفطنة. فقد التقطت هي الأخرى الجو الغريب.
سأل بحذر: "ماذا تقصد بذلك؟"
سخر الرجل.
قال مشدداً على الكلمة بطريقة غريبة: "بعد أن "اخُتفتِ"... تتبع السلف أثرك بقصد إعادتك. لكنه بدلاً من استعادتك، اصطدم بفخ خبيث ونجا بحياته بأعجوبة".
عند كلماته، تحول وجه سنو الشاحب أصلاً إلى شحوب أشد.
سأل الرجل والاتهام واضح في نبرته: "أخبريني، يا سنو الصغيرة، ألا تعرفين شيئاً عن ذلك؟"
"ماذا... تقصد؟"
"ألا ترين الأمر مريباً؟ تختفين دون أثر وتتسببين حتى في إصابة سلفنا، والآن تعودين..."
ترك الكلمات معلقة في الهواء، دون أن ينعتها صراحة بالخيانة، لكن المعنى المبطن كان واضحاً للجميع. احمرت عينا سنو وهي تهمهم بالفراغ أمامها. وجعلت شفتاها المرتجفتان الأمر واضحاً بأنها على وشك الانفجار بالبكاء. فلتت من شفتيها مناشدة خافتة.
"أخي... ارجوك... لا تقل ذلك"
لقد رأى زيك ما يكفي. لقد استنتج إلى حد ما ما يدور، ولم يكن بمقدورهما السماح باستمرار هذا الوضع. كان واضحاً أن هذا الشخص يحاول تشويه سمعة سنو وربما إلحاق الأذى بها أيضاً. وباعتبارهم ضيوفاً لها، فلن يبشر ذلك بخير لهم. مع ذلك، لم يكن في وضع يسمح له بالكلام. فقد لاحظ منذ فترة طويلة أن أياً من الشيميروي هنا لم يكن ينظر إليه حتى. وفي الوقت الذي ألقوا فيه نظرة عرضية على غرافيتا وسولكانوس، جرى تجاهله تماماً.
كان مرجحاً أن مكانة البشر هنا متدنية للغاية أو حتى تُعامل بعدائية. عصف عقله، محاولاً الخروج بخطة. تذكر النظرة التي وجهها شقيق سنو نحو آش، وسرعان ما خطرت بباله فكرة. قد تفلح هذه حقاً. على الرغم من الألم والضعف، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه. استخدم [التخاطر] للاتصال بمجموعته، موجهاً إياهم. جاءت الاستجابة فورية وتغيرت وجوههم. رفع غرافيتا حاجبها، والتوى فم آش، وذهل سولكانوس بفتح فمه على مصراعيه صدمةً.
لكن زيك لم ينوِ التراجع عن كلامه. إن أرادوا تهدئة الأمور، فهذه هي الخطة المثلى. بدا أن آش أدرك هذه الحقيقة أيضاً فتحرك فوراً. وبخطوة واحدة، ظهر أمام سنو، محجباً إياها وراء ظهره بحماية. أثار هذا انتباه الجميع، وشدد الجنود قبضاتهم على أسلحتهم مستعدين للقتال. مسح آش بصره محيطاً بالجميع، ناظراً إلى كل فرد بازدراء بالغ.
قال في النهاية موجهاً كلامه لشقيق سنو: "تبدو جريئاً..."
تفحص الرجل آش صعوداً وهبوطاً مقدراً إياه.
"من أنت؟"
تجاهل آش السؤال والتفت نحو الحراس.
"قد لا أكون على دراية بتقاليد قبيلة أنياب الجليد، لكن حيث أتيت، يُعد اتهام شخص دون ذرة دليل أمراً مخادعاً".
راقب زيك الحراس بعناية ولاحظ أن العديد منهم كانوا يتحركون بعصبية، مع إلقاء نظرة عرضية نحو شقيق سنو. ابتسم زيك في قرارة نفسه. بدا أنه كان على حق. فعلى الرغم من غيابها المطول، لم تكن مكانة سنو منخفضة في القبيلة. بدا أن شقيقها يتجاوز حده باتهامها علانية هكذا. منحه هذا ثقة أكبر في خطته. وما إن بدأ شقيق سنو بالانزعاج من تجاهله، حتى أعاد آش انتباهه إليه.
"سألت من أنا؟ أنا الشخص الذي أنقذ أختك".
ترك العبارة معلقة في الهواء للحظات قبل أن يتابع.
"وجدتُها في بلدة بعيدة، أسرها بشر وبِيعت كسلعة".
في تلك اللحظة، ألقى سولكانوس شيئاً على الأرض -حلقة معدنية سوداء، أحد أطواق الرقبة السابقة لجلابيسهم. كان زيك قد أحضرها للدراسة، لكنها خدمت الآن كدعامة مفيدة. ومع اتهام شقيق سنو بالتحدث بلا دليل، فإن أي دليل سيقدمونه سيعمل على جعل قضيتهم أكثر تصديقاً.
تابع آش: "تعرفت على أصلها النبيل فوراً وحررتها من ذلك المأزق. وكنت أنا وأصدقائي نسافر منذ ذلك الحين لإعادتها إلى قبيلتها. تخيلوا مدى مفاجأتي عندما قوبلنا بالاتهامات والعداء بدلاً من المديح والاحتفالات..."
عند تلك الكلمات، أشاح بعض الحراس بأعينهم خجلاً. بدا جلياً أنهم لم يكونوا مرتاحين لهذا المسار من التصرفات أيضاً. مع ذلك، ظلت مجموعة صغيرة بمنأى تام عن التأثر. إن وجد ما يقال، فبدا أنهم أصبحوا أشد عدائية بعد سماعهم كلام آش. لاحظ زيك هؤلاء الأشخاص، متذكراً وجوههم. من المرجح أنهم أتباع مقربون لشقيق سنو أو جزء من فصيلته. سيتعين عليه الحذر منهم. وكما هو متوقع، تقدم أحدهم في هذه اللحظة.
كان رجلاً ضخماً بملامح وحشية. لكاد يمر كبشر لولا أنيابه البارزة وشعر جسده المتكاثف.
"هذا لا يثبت شيئاً! كيف لنا أن نتأكد من براءتكم بمجرد كلامكم؟"
ابتسم زيك بسخرية من محاولة الرجل الخرقاء لتشويه سمعتهم. مقارنة بتجار تاجسپاير الأذكياء أو حقل الألغام السياسي للإمبراطورية، كانت هذه الجهود لطيفة تقريباً. أوجز لآش بسرعة كيفية التصرف، ثم استند إلى الخلف. وباعتباره لا يشكل مركز الاتمام للمرة الأولى، بدا هذا أشبه بمشاهدة مسرحية، وهو يلعب دور المخرج. واجه آش الرجل بنظرة هادئة.
"إثبات براءتنا؟ أهكذا تسير الأمور؟ ألا يتوجب عليكم إثبات إدانتنا عوضاً عن ذلك؟ وإلا، أفأدعوك بالخراقة أنت أيضاً وأراقب كيف تتخبط باحثاً عن دليل غير موجود؟"
بعد هذه الكلمات، تجاهل الرجل تماماً وأعاد تركيزه إلى شقيق سنو.
"...علاوة على ذلك، لم يصدر اتهام حقيقي بعد. بل مجرد حفنة من التهديدات المبطنة المختبئة خلف تلميحات مبهمة. أتساءل إن تجرأ أحد على توجيه أصبع الاتهام حقاً؟"
لم يكن آش يوجه كلامه لشخص بعينه، لكن كان واضحاً من يخاطب. قبض شقيق سنو على قبضتيه لكنه ظل صامتاً. من الواضح أنه لم يكن مستعداً للالتزام بهذا المسار من العمل دون بعض الأدلة. عوضاً عن ذلك، انطلق صوت جديد.
"أود معرفة ذلك أيضاً".
التفتت الأنظار نحو المتحدث، وحتى سنو التي كانت منطفئة منذ بدء الأمر، انتعشت عند رؤية هذا الرجل.
صاحت: "العم فانغ!"
كان "العم فانغ"
الخاص بسنو رجلاً مُسناً تخطت التجاعيد العميقة وجهه. وعلى الرغم من تقدمه في السن، فقد وقف باستقامة لا تُغض الطرف عنها، منبعثة منه هيبة جندي. فرض حضوره الطاعة، وأحاطت به هالة من الخطر. وظلت ملامحه الصارمة ثابتة وهو يتفحص الحضور بعينين زرقاوين باردتين كالفولاذ. فقط عندما مرت عيناه على سنو، اهتزت ملامحه، وعادت تلميحة من الدفء إلى ملامحه. بيد أن ذلك الدفء تبخر فوراً عندما حطت نظراته على شقيقها.
"ما معنى هذا يا فروست؟"
لم يتراجع شقيق سنو، المسمى فروست ظاهرياً، في مواجهة العم فانغ. لكنه لم يجسر على فرض سيطرته كما في السابق.
"تقريراً للعجوز، لقد احتجزت هذه المجموعة مؤقتاً. وبما أننا لا نستطيع التأكد من دوافعهم، فقد وجدت من الحكمة التصرف بحذر".
حدق العم فانغ في فروست دون أدنى اهتزاز في المشاعر. ثم أشار إلى سنو.
"ألا ترين أختك بينهم؟"
"قد يكون هذا كله خدعة لـ..."
قاطعه العم فانغ: "أي خدعة؟ أيمكنهم فعل أي شيء بثلاثتهم فقط؟"
لم يمتلك فروست إجابة صائبة، لكن بدا جلياً أنه غير راغب في التراجع.
"إذن... ماذا عن البشري؟"
هز العم فانغ رأسه.
"ألا ترى أنه قد أُصيب بسم قشور الصقيع؟ من المرجح أنه لن ينجو حتى خلال الليلة".
عند كلماته، تجمعت الأنظار على نقطة واحدة: كفّي زيك. تحولت أطراف جروحه منذ ذلك الحين إلى السواد، وتغير لون يديه وذراعيه كذلك. كان جسده يرتجف، وازرقّت شفتاه. وعلى الرغم من جهود أكاشا المستمرة، إلا أن السم كان ما زال ينتشر. بالنظر إلى حالته الضعيفة ووجهه الشاحب، بدا كلام العجوز حقيقياً. عند هذه النقطة، عجز فروست حتى عن الجدال أكثر.
"كما تشاء، أيها العجوز. لدي ترتيبات أخرى لأقوم بها، لذا سأترك هذا الأمر بين يديك".
وبرمية أخيرة من البصر تجاه سنو، غادر بصحبة أتباعه المقربين. وما إن غادر، حتى لان التعبير على وجه العجوز فانغ.
قال لسنو: "تعالي، يا بنيتي".
مع ذلك، كانت كلماته زائدة عن الحاجة إذ كانت سنو تجري نحوه بالفعل. ومن على بضع خطوات، قفزت إليه، فالتقطها برشاقة بين ذراعيه. وبدا جلياً فوراً أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تفعل فيها شيئاً كهذا، إذ كانت الحركة طبيعية كالتنفس. لفترة طويلة لم يتحرك أحد، لكن زيك استطاع رؤية جسد سنو الصغير وهو يرتجف بينما تشبث بقوة بالعجوز. على الرغم من وضعهم الحالي وحالته الخطرة، ابتسام زيك.
لقد وفى بوعده وأعادها إلى ديارها. بعد أن هدأت سنو، أمسكها العجوز من كتفيها وتحدث إليها برفق.
"تعالي، سأصحبك لرؤية أبيك".
أشرقت عينا سنو، وأومأت بسعادة. بيد أنه وفي اللحظة التي استعدوا فيها للمغادرة. تذكرت سنو شيئاً. التفتت إلى الوراء، لتلتقي عيناها بعيني زيك.
سألت ملاحظة أن الدعوة وُجهت على الأرجح لها وحدها: "وماذا عنهم؟"
حافظ العم فانغ على صرامة هيئته وهو يتفحص المجموعة.
"أنت تعرفين القواعد، يا صغيرة. لا يُسمح لهم بمتابعتنا ما لم يأمر السلف بذلك".
"لكن..."
"لا لكنات، يمكنك إقناع أبيك بنفسك. وحتى ذلك الحين، سيبقون هنا".
عبست سنو في وجه العجوز، عائدة بشيء من طبيعتها العنيدة.
"العم..."
تنهد العجوز.
"لا يد لي في هذا، يا صغيرة. لكني سأحرص على تخصيص مكان لهم للبقاء فيه حتى يقرر السلف ما يجب فعله".
لم تبد سنو سعيدة للغاية حيال ذلك لكنها أدركت صعوبة تغيير رأي العجوز الآن وقد قال ما قال. تملصت من قبضته ورجعت إلى مجموعتهم، مقتربة من زيك. بخطوات خفيفة، وصلت أمامه ووقفت على أطراف أصابعها لتصل إلى أذنه.
همست: "لا تقلق، سأقنع أبي. أنت... عليك فقط الصمود".
شعر زيك بالدفء في قلبه لاهتمامها، لكنه لم يرى ذكاءً في إظهار أي علامات خارجية لذلك هنا. اكتفى بالإيماء، متجاهلاً إياها تماماً بعد ذلك. ومع ذلك، بينما استدارت مبتعدة بتعبير محبط بعض الشيء، رن صوته في رأسها.
"لا تقلقي بشأني يا سنو. سأكون بخير. اذهبي لرؤية أبيك أولاً؛ كل شيء آخر يمكنه الانتظار".
توقفت قدماها باختصار؛ ثم تابعت وكأن شيئاً لم يكن. لكن بالنسبة لأي شخص ملاحظ، كان واضحاً أنها تمشي الآن بخطوة متجددة النشاط.