ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 318 — الرمح

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 318 — الرمح باللغة العربية على مانجا تايم.

ضاقتا عيناك زيك. شيء ما يطير نحوهما بسرعة وضراوة لا تصدقان. تحرك بسرعة جعلت صوت شق الهواء يتخلف عنه. ركّز بصره حتى تعرف إلى الجسم أخيراً. رمح مزخرف، بدا نصله الأسود بطول سيف قصير، ويستدق نحو جسم معدني أسود أنيق. تُستخدم هذه الأنواع من الأسلحة عادة في القتال القريب، لكن هذا لم يبدو مُهمّاً إذ كان الرمح يخرق الهواء بقوة مميتة تخص رماح القذف وحدها. تتبع مساره ولاحظ أنه يتجه مباشرة نحو...

غرافيتا؟ ارتبك زيك. ما جدوى هذا الهجوم؟ حتى لو تحرك بسرعة أكبر، أكان سيخترق مجالها الجاذبي حقاً؟ لكن عينيه اتسعتا في اللحظة التالية. تعرف إلى اللمعان الأسود للسلاح؛ إنه مصنوع من حديد الفراغ. هل يحذرها؟ لا، لم يكن هناك وقت كافٍ لتسمع كلامَ نبراته وتفهمه وتستوعبه قبل وصول الهجوم، فضلاً عن رسم خطة. كان عليه التحرّك. أفلت سنو بلا أي تردد. وبدفعة خفيفة، ضمن أن تهبط على قدميها.

في اللحظة التالية، اختفى. كانت أكاشا قد بدأت بالتحرّك لحظة تبلور الخطة في ذهنه، فنقلته آنياً. في تلك اللحظة، دخل الرمح نطاق غرافيتا. بقيت هادئة وهي تهدف إلى حرف مساره. لكن السلاح حافظ على مساره هذه المرة. استدعت قوة أكبر، لكن دون جدوى. تراقص الخوف في عينيها الأرجوانيتين حين أدركت أن سحرها عجز عن حمايتها. ظهر زيك أمامها في تلك اللحظة. وضع نفسه تماماً بينها وبين الرمح.

اتسعتا عيناها لتصرفاته غير المتوقعة، لكن زيك لم يملك وقتًا للانتباه. كان عليه استغلال كل ثانية. برزت أربعة محاجم دم من ظهره واخترقت ملابسه متجهة نحو المقذوف القادم. تقاطعت الأطراف الأربعة الشبيهة بالسيف أمامه لتقلد واقي سيف. كانت أفضل دفاع استطاعت أكاشا حشده بالوقت القصير المُعطى لها. ولم يكن زيك، من جهته، خاملاً أيضاً. في لمح البصر، شيد حاجزاً مكانياً. تبعه حاجز ثانٍ بعد لحظة، وثالث.

مع أن هذا كل ما امتلكه من وقت قبل وصول الرمح. انقبضتا عيناه حتى صارتا بحجم إبرة بينما ركّز كلياً على الوميض الأسود للمعدن. لن يحصل سوى على هذه الفرصة الوحيدة. قد يظن المرء أن محاولاته لاستخدام السحر لإيقاف السلاح حمقاء، لكن زيك كان أعلم. حديد الفراغ مقاوم للمانا وليس طارداً لها. يعني هذا أنه لا يتأثر مباشرة بالسحر. ومع ذلك، لم يحمِ هذا الرمح من تأثيرات السحر. على سبيل المثال، عجز حديد الفراغ عن المرور عبر صخرة مُستحضرة.

إنه حصين ضد التأثير المباشر للسحر لا مظاهره. بصرخة حادة، وصل الرمح واخترق الحاجز الأول. بدا الأمر كزجاج محطم لدى ثقب التعويذة. لم يبدو أن زخمه قد تباطأ قط. حذو الحاجزان الثاني والثالث حذوه فتحطما عند أقصر ملامسة. كانت القوة الكامنة خلف الرمي مستبدة كلياً. تلاها اصطدام الرمح بمحاجم الدم. اخترقتها بلا عناء ناشرة قطرات حمراء على وجه زيك وجسمه. لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.

وما إن تحطمت الأطراف حتى أعادت تشكيل نفسها متصرفة بدقة سائلة. بتوجيه من أكاشا، انزلقت المحاجم حول عمود الرمح مشددة قبضتها كأربعة ثعابين حمراء. نجح هذا أخيراً في إبطاء الرمح. مع ذلك، وجب أن تذهب كل تلك القوة إلى مكان ما فتوتر جسم زيك بأسره تحت الجهد. خلفت قدماه أخدودين عميقين على الأرض وهو يُدفع إلى الوراء. ومع ذلك، لم يكفِ الأمر. استمر الرمح في الحركة، وبات الآن على بعد ذراع تقريباً من صدر زيك.

لمع ضوء قاسٍ في عينيه. ومع زوال كل دفاعاته السحرية، لم يبقَ سوى شيء واحد يستطيع الاعتماد عليه: جسمه. تشبث زيك بالنصل القادم بيديه العاريتين. حاول تجنب لمس حواف النصل، لكن القوة كانت أعظم من أن توصف. ومع إحكامه قبضة أصابعه، غاص بعمق في راحتيه. جزّ زيك على أسنانه مقاتلاً الرمح بكل قوته. توتر ظهره، وصطكت عظامه، ونزفت راحتاه بغزارة وهو يصارع زخم الرمي الذي بدا مستحيلاً إيقافه.

انثنت ذراعاه تحت قوته لتسمح للنصل بالاقتراب أكثر فأكثر من لحمه. لا! بئير صاخب، تغيرت هالة زيك. انقبضتا حدقتاه وتحولتا إلى شقين. انتفخت ذراعاه للحظة وجيزة قبل أن تنكماشا. في هذه اللحظة، شعرت أليافه العضلية كأنها صُنعت من صلب متين. انفجر بقوة لا مثيل لها موقِفاً الرمح لحظة ملامسة نصله لصدره. في تلك اللحظة، بدا أن الزمن قد توقف. وقف زيك بلا حراك ممسكاً بالرمح المرتجف خفيفاً بيديه الملطختين بالدماء.

صرخ جسمه طلباً للراحة، لكنه لم يشعر بشيء. جعل جوهر التنين الساري في عروقه مخدراً تجاه ذلك كله... عدا الغضب المتصاعد في قلبه. تركزت عيناه على تلك الشخصية البعيدة التي ألقت الرمح. رصده فوراً. واقفاً في منتصف المنحدر، أشع الرجل خطورة رغم المسافة. وقف بزاوية، ممتداً بيد إلى الأمام بينما سُحبت الأخرى خلف جسمه وما زال في وضعية الرمي. حَدّتا عينا زيك التنينيتين لتمكناه من تفحص المهاجم كأنهما على بعد خطوات معدودة.

بدا جسمه العلوي العاري والمضلع شاحباً على غير الطبيعة. ومع ذلك، ما ميزه عن البقية كان ساقيه البشريتين. فعلى عكس بقية قبيلته، افتقر إلى نصف سفلي أفعواني أو أي حرراشف، وبدو بشرياً تماماً. تبادر لفظ واحد تلقائياً إلى ذن زيك. نقي الدم. يُرجح أن الرجل سليل مباشر. لكن على عكس سنو، فقد بلغ منذ زمن طويل. حُكماً بقوته الجسدية الهائلة، بدا كأنه يضاهي ساحراً عظيماً. كاد رميه العرضي يقتله على الرغم من كل استعداده.

تلاقت عيناهما. عبس زيك وتسلل شعور بعدم الراحة إليه. لم يكن مظهر الرجل وسيماً بوضوح ولا قبيحاً، ومع ذلك كان فيه شيء مقلق للغاية. امتلك شعراً رمادياً، وجلداً شاحباً، وأنفا حاداً مسطحاً، وفماً عريضاً بشفاه دقيقة. لكن سماته حملت صفة غرائبية؛ فمه أعرض بأجزاء من المئة ومنخراه اضيق بقليل... —سيّدي! نادى صوت. أنهى النداء المواجهة مخرجاً زيك من حالته المعززة. فجأة، تدفق إرهاق جسمه وألمه مندفعين.

لقد استهلك كل قوته في تلك اللحظة الواحدة وضربته العكسية كمطرقة ثقيلة. ترهلتا كتفا زيك بوضوح وهو يواجه المنادي. انتشرت نوبة ضعف طاغية في جسمه، ومع ذلك نجح في رسم ابتسامة حين واجه غرافيتا وجهاً لوجه. بآخر قطرة قوة استطاع حشدها، ناولها الرمح. —احذري في المرة القادمة. حاول تجاوزها، لكن قدميه فقدتا القوة. لكان قد سقط لولا يد التقطته في اللحظة الأخيرة. ما الذي جرى؟ —سيّدي!

انظر! قالت غرافيتا مجدداً، ولاحظ زيك أخيراً ما كانت تنظر إليه. تحولتا يداه إلى الشحوب وأخذت حواف الجروح لوناً أخضر مريضاً. سمّ؟ وحالما اولي زيك انتباهاً دقيقاً، بدأ يشعر به. انتشر الألم من يديه صعوداً عبر ساعديه ووصولاً إلى كتفيه. وما عزاه أولاً إلى عضلات مجهدة تبين أنه ذو مصدر أبعد خبثاً. بشكل منعكس، أدار زيك رأسه والتفت نحو الشخصية البعيدة. هكذا إذن. لا عجب في أن الرجل واصل التبسم له رغم إيقاف هجومه.

—افعلي ما استطعتِ، أكاشا، أمر زيك. بلا تغير في التعبير، أدار زيك رأسه إلى الأمام مجدداً. لم تُضيع غرافيتا أي وقت وساعدته على صعود التل. كانا على بعد خطوات معدودة من سور الدفاع ودخلت بقية المجموعة بالفعل. تحول وجهها إلى مزيد من القلق وهي تحمله شبه حمل عبر الفتحة. كان السور تحصيناً ضخماً لكنه فظّ مُحفاراً من صخور صلدة. وما إن وطئ الاثنان النفق حتى أُنْزِلَت بوابة حجرية ضخمة.

بصوت ضجّ، سقطت البوابة الهائلة في مكانها محكمة إغلاق الباب عليهما بفعالية. لم توجد مصادر إضاءة داخل النفق، ووحدها توهّجات المخرج البعيدة دلت على الطريق. رغم حالته، أبقى زيك عينيه متوجهتين للأمام. سيكون هذا أول احتكاك له مع قبيلة سنو. كان لا بد من التعامل معه بعناية. خطا هو وغرافيتا إلى الضوء وخرجا في نوع من باحة تحيطها جدران شاهقة وتمتلئ بعيون مترقبة. كان الهواء ثقيلاً بالتوتر مع انبثاق مزيد ومزيد من الأشكال من الظلال وتعبيراتها مستعصية على القراءة.

جالت نظرة زيك على المجموعة المجتمعة مستوعبة سماتها المميزة وزيها. بوضوح، كان هؤلاء بشراً محاربين استناداً إلى طريقة سيرهم. امتلكوا شعراً أبيض تماماً مثل سنو. لكن على عكسها، أظهر كل فرد منهم أثاراً لنسبه الوحشي. كانت مخالبهم وأنيابهم وفراؤهم معروضة بالكامل لتميز سلفهم كنوع من الذئاب. للوهلة الأولى، أشبهوا آش، سليل ذئب ماشي الضباب. لكن سلوكهم اختلف بوضوح. شعرت ببرودة جليدية تشع من هؤلاء الشيميروي.

كان إشعاعاً مختلفاً كلياً. عندئذ لاحظ الوضع. كان آش وفولكانوس محاطين بدزينة من الأشخاص تتوسطهم سنو. كانت تحاول بيأس شرح شيء ما بينما وجّهت الشخصيات المحيطة أسلحتها جميعاً نحو المجموعة. عبس زيك لدى رؤية المنظر. لم يتوقع ترحيباً كبيراً، ألم يستحقوا مستوى أساسياً من الضيافة على الأقل؟ ألم تكن سنو ابنة الزئيس؟ وبإشارته، قدمت به غرافيتا إلى الأمام منضمة إلى رفقائهما. —ما معنى هذا؟

سمع سنو تسأل. لم يوجد رد، لكن هذا لا يعني انعدام رد الفعل. تعرف الرجال عليها بوضوح. رأى زيك أكثر من زوج يتبادل نظرات قلقة بينما واصلوا توجيه أسلحتهم نحو مجموعتهم. —أطالبكم بإرسال مساعدة إلى الخارج، لقد تعرضنا للهجوم و— —لا تقلقي، قاطع زيك واصلاً إلى جانبها. —لقد نجونا. وسماعاً لصوته، شعرت سنو بارتياح واضح، لكن حين التفتت تواجهه، بدا جلدها الأبيض الثلجي أشحب بدرجة أخرى.

—أ-أانت بخير؟ حاول زيك إبعادها بيده لكنه عجز عن رفع ذراعيه في تلك اللحظة. غالباً ما عجز حتى عن الوقوف لولا إسناد غرافيتا له. استعاض عن ذلك بابتسامة. —سأكون بخير بعد قليل من الراحة. ثم أومأ نحو المحاربين المحيطين بهم. —ما الذي يجري؟ التفتت سنو نحو قومها وحلّ عبوس محل تعبيرها القلق. —يبدو أنهم أُمِروا بوقفنا. ومع ذلك، لا أعرف من قد يصدر أمراً كهذا. في تلك اللحظة، خرق صوت آمر صاخب المواجهة.

—سيكون أنا.