أدرك «زيك»
أن المجموعة التي تعترض طريقهم لا تنتمي إلى قبيلة «سونو»، فبدأ عقله يتسابق.
ألقى على الفور مهارة [صفاء الدم] ليمنح نفسه وقتاً للتفكير. بعد لحظة، غمرته عقلانية باردة مألوفة بينما توقف العالم عن الحركة. مع زوال جميع الأحاسيس الجسدية، استطاع التفكير في السؤال الوحيد الذي يهمّ. من هؤلاء؟ مع احتمال أن يكونوا جماعة مستقلة، أخبرته حدسيات خلاف ذلك. إن كان الأمر كذلك، فبدا مستبعداً أن يشتبكوا مع مجموعته بمثل هذه السهولة العلنية. لا.
لم يكونوا عابري سبيل عشوائيين، وحكماً على ردة فعل «سونو»، لم يكونوا حلفاء أيضاً.
لم يترك ذلك سوى احتمال واحد: إنهم من قبيلة معادية. غير أن هذا الإدراك رسَم صورة قاتمة. بعد كل شيء، لقد كادوا يبلغون الجبل. إن سُمح لقوة معادية بالتقدم إلى هذا الحد، فمن المرجح أن القبيلة لم تكن في وضع جيد. لا يهمّ. بوسعه معرفة الوضع بدقة لاحقاً. كان الهدف الأهم في الوقت الحالي هو منع الثلاثة من الافلات.
ومع حسم أمره، ألغى «زيك»
التعويذة. لم تمض سوى لحظة، ودون تفويت أي إيقاع، أعاد انتباهه إلى قوم الأفاعي. والآن بعد أن صار يمعن النظر، لم يكن صعباً تبين توترهم، واستعدادهم للانقضض في أي لحظة. رفع يديه سريعاً، ليظهر لهم أنه لا ينوي أذى.
"ليست لنا صلة بقبيلة الناب الجليديّ. جئنا نبتغي التجارة."
وبينما تبادل قوم الأفاعي النظرات، بعث «زيك»
برسالة عقلية سريعة إلى أتباعه.
"إنهم أعداء. هاجموا عند إشارتي. لا تدعوهم يفلاتون."
ما لبث الزعيم أن حسم أمره.
قال: "حسناً، سنرافقكم إلى القرية."
لاحظ «زيك»
تعبيرات البهجة على وجوه الاثنين الآخرين. بوضوح، كانا متعطشين لما سيحدث تالياً. لم يعودا يحاولان حتى إخفاء تعابيرهما الخبيثة. سخر في داخله. كيف ظنوا أن بمقدورهم خداع أحد بمثل هذا التمثيل الرديء؟
حتى دون تحذير «سونو»، لكان قد أدرك سريعاً أن ثمة خطباً ما.
ألم يُفترض بالأفاعي أن يكونوا أدهى من هذا؟ مع ذلك، تبنى خارجياً تعبيراً ممتناً.
"تفضلوا بقيادة الطريق."
لحظة أدار الثلاثة أنظارهم، شقّت يده الهواء.
انطلق «أش»، و«غرافيتاز»، و«فولكانوس»
إلى الفعل. في هذه المرحلة، بلغ تعاونهم مستوى يمكّنهم من تنفيذ مناورة كهذه دون أي ترتيبات مسبقة.
سُحق الأعداء فوراً تحت قوة «غرافيتاز»، مما أجبرهم على الجثو على ركبهم.
لقد تجرؤوا على الاقتراب أكثر من اللازم.
في الوقت ذاته، تحولت عينا «فولكانوس»
إلى اللون القرمزي، وتألقت الخطوط عبر جسده بالقوة. ضربت موجة من الحجارة المنصهرة الثلاثي، محرقة اللحم والحراشف.
في غضون ذلك، تحول «أش»
إلى ضباب، محيطاً بظهورهم، ومستعداً لاعتراض أي محاولات للهروب. غير أن الاحتياط ثبت عدم جدواه، إذ أُجهز على الثلاثة بسهولة بالهجوم المشترك. انتهى القتال في لمح البصر.
مع ذلك، لم يسترخ «زيك».
ربما لم يكن هؤلاء الثلاثة سوى جزء من قوة استطلاع، تعيق أي شخص عن الاقتراب من الجبل. إن كان تخمينه صائباً، فلن يكون حلفاؤهم بعيدين.
واجه «سونو»، التي ظلت إلى جانبه.
"أتعرفينهم؟"
أومأت «سونو»، وعيناها مثبتتان على الموضع الذي وقف فيه الأفاعي الثلاثة.
قالت: "من المرجح أنهم ينتمون إلى قبيلة قشور الجليد."
عضّت على شفتيها.
"لقد ظلوا يلاحقون جبلنا منذ زمن طويل."
تأمّل «زيك»
ذلك.
"أهم أقوى من قبيلتكم؟"
هزت «سونو»
رأسها.
"نحن متقاربون من حيث القوة، لكن زعيمهم ليس ندّاً لوالدي."
قطب «زيك»
جبينه. لم تكن هذه أخباراً سارة.
إما أن الأفاعي وجدوا حلفاء، أو أن مكروهاً قد أصاب والد «سونو».
غير أنه احتفظ بأفكاره لنفسه واكتفى بالإيماء.
"والآن بعد أن كُشف أمرنا، أصبح لزاماً علينا الاستعجال أكثر. بعد كل شيء، هي مسألة وقت فقط قبل أن يلاحظ أحدهم غياب هؤلاء الثلاثة. أريد أن أكون عند الجبل بحلول ذلك الوقت."
نظر إليه «أش»، وبلمحة قلق في عينيه.
"أمتأكد أنت يا سيّدي؟ إن تورطنا في هذا، فقد لا يكون رحيلنا أمراً يساراً."
تجهم «زيك».
كان مدركاً لذلك أيضاً.
بناءً على حال قبيلة «سونو»، قد يكون الوضع ميؤوساً منه.
ومع ذلك، ما الذي كان مفترضاً به فعله؟
أيتخلى عن «سونو»
ويهرب عائداً إلى الإمبراطورية؟ لم استطع فعل ذلك، ولا سيما والهدف ماثل أمام عينيه مباشرة. رفض الاستسلام الآن!
رأى «أش»
النظرة العازمة في عينيه ولم يعد يمحصه الجدال. بإيماءة حادة، شرع يقود الطريق، بينما تبعه الأربعة الآخرون عن كثب. والآن بعد أن قتلوا الكشافين، باتت كل لحظة تُحسب. بدل السفر جهاراً، قادهم عبر الشجيرات والأشجار، حائكاً بينهم وبين الأنظار قدر الإمكان. بيد أن ذلك لم ينفع طويلاً.
فكلما اقتربوا، زاد عدد أفراد قبيلة قشور الجليد الذين يصادفونهم، مما زاد في تقطيب جبين «زيك».
بدا أنه كان محقاً في افتراضه. فغالباً ما كان الجبل محاطاً بالكامل بالفعل. تمكنوا من تفادي عدة فرق استطلاع أخرى، ضم بعضها أكثر من دزينة شخص، وانحسروا خلف صخرة كبيرة تحيط بها الأشجار.
كانت نظرة «أش»
رصينة وهو يحسب مسارهم. لحسن الحظ، لم يبدو أن قوم الأفاعي يمتلكون حاسة شم أو سمع جيدة؛ وإلا لكان قد اكتُشف أمرهم منذ زمن طويل.
تمتم «أش»
بعد حين، ملتفاً ليواجه «زيك»: "لا مسلك."
كان وجهه جاداً بشكل لا يصدق.
"لا ثغرة في طوقهم يا سيّدي. لا يمكننا تجاوزهم."
عقد «زيك»
حاجبيه، مطلعاً في الغابة هو الآخر. بيد أنه لم يستطع حتى رؤية الأعداء من هنا. كان هناك فرق شاسع بين ما يستطيع كشاف متمرد مدرب فعله، مقارنة بإنسان.
وضع «أش»
يده على كتف «زيك»، مجاتباً اهتمام «زيك»
الكامل.
قال «أش»: "هذه نقطة اللاعودة. إن اخترقنا الحصار قوةً، فلن تكون هناك سبيلاً لنجاتنا."
"سيتعين عليك اتخاذ قرار."
أومأ «زيك»
ببطء. لقد بات الجميع يدركون الوضع الآن.
قبيلة «سونو»
في ورطة، وحتى إن اخترقوا الحصار بنجاح، فلا ضمانة للسلامة. السؤال هو، أينبغي عليهم المجازفة؟
أراد «زيك»
ذلك، لكن لم تكن حياته وحده المحك.
ألقى نظرة على «غرافيتاز»؛
كانت عيناها البنفسجيتان رصينتين لكنهما بلا خوف.
تلا ذلك نظرة إلى «فولكانوس»، الذي قابل نظرته بابتسامة وإيماءة، مبيناً شوقه للقتال.
وأخيراً، استقرت عيناه على «سونو».
كانت متوترة بلا شك، إذ تنقلت نظراتها بينه وبين الجبل البعيد. كان تفضيلها جلياً. بدا واضحاً أنهم مستعدون للاندفاع إن هو أصدر الأمر. بيد أن أكان ذلك كافياً حقاً؟
توجب على «زيك»
تذكير نفسه بأن مسؤولية ضمان سلامتهم تقع على عاتقه في نهاية المطاف. إن قرر الإقدام على هذا، ودفعهم نحو الخطر، فأقل ما يمكنه فعله هو ابتكار خطة بديلة.
خفض «زيك»
رأسه وأغمض عينيه. في تلك اللحظة الهادئة، تسابقت في عقله عشرات الخطط والسيناريوهات. كان هدفه واضحاً: إن عجز عن تدبير سبيل لإنقاذ شعبه إذا حدث الأسوأ، فلن يذهب.
انضمت إليه «أكاشا»
بعد لحظة، مجرية محاكيات مختلفة ومحددة لاحتمالية النجاح. لم يتكلم أحد.
ظل الجميع يترقبون، منتظرين قرار «زيك»، مدركين تمام الإدراك أنه قد يفصل بين حياتهم وموتهم.
عضّت «سونو»
على شفتها السفلى، مترقبة إياه بعيون متوسلة. من بين الجميع، كانت هي الأكثر توتراً بلا منازع. بعد كل شيء، تعلق الأمر بشعبها، بعائلتها، بوالدها.
بعد لحظة طويلة ومطولة، انفتحت عينا «زيك»
فجأة. لمع في نظرته ألق لم يكن موجوداً من قبل. بدا كوثوقية رجل مستعد لمواجهة العالم.
لحظة رأت وجهه، فارق التوتر جسد «سونو».
يصعب الجزم بما كانت ستفعله لو قرر «زيك»
الفرار. لقد كان الارتياح الذي غمرها في هذه اللحظة قوياً إلى حد أغرورقت معه عيناها بالدموع.
قالت قبل أن يتمكن «زيك»
حتى من إبلاغهم بقراره: "شكراً لك."
ابتسم لها «زيك»، مبعثراً شعرها بلطف.
"أوعدتك بإعادتك إلى الديار، أليس كذلك؟"
أومأت «سونو»
بحماس، وابتسامة عريضة تعلو محياها ووجنتاها متورّدتان.
ظلت نظرتها معلقة ب«زيك»، حتى بعد أن التفت ليواجه الآخرين.
ومع غموض أفكارها، احتوت عيناها على بريق.
سأل «زيك»: "أمعي أنتم؟"
على الرغم من ثقته، أراد سماعها من أفواههم. لقد قرر ألا يعاملهم كعبيد، وهذا يعني ترك الخيار لهم.
أومأ «فولكانوس»
دون لحظة إبطاء، وتلاه سريعاً «أش»
و«غرافيتاز».
توقع «زيك»
ذلك، لكن رؤيتهم يوافقون بمثل هذه السرعة أدفأت قلبه. حتى حين مُنحوا الخيار بالرفض، كانوا مستعدين لئلا يثقوا به إلا وأرواحهم بين يديه. بادل إيماءاتهم بواحدة قوية منه. حدث نفسه بصمت: سأخرجكم أحياء. رغم عجزه عن نطق الكلمات، كان هذا هو الهدف الذي يسعى إليه بكل كيانه. وثوقهم، ورغم إشاعته للحيوية، بدا كجبل جاثم على كتفيه. أهذا هو معنى أن يكون المرء قائداً؟ انقلبت نظرتّه حازمة؛
لقد حان الوقت ليكون على قدر دوره.
أمر بأوامر واضحة ودقيقة: "يا «أش»، تقدّم المقدمة. يا «فولكانوس»، الهجوم الرئيسي. يا «غرافيتاز»، تولّي المؤخرة."
"هدفنا ليس القضاء على الأعداء بل الاختراق. نتحرك معاً، ومهما يكن... لا تتوقفوا! مفهوم؟"
"نعم."
نطق ثلاثة أصوات بهدوء لكن بحزم.
نظر «زيك»
إلى كل منهم للمرة الأخيرة قبل الإشارة ل«أش»
بتقدم المقدمة.
في هذه الأثناء، كانت «أكاشا»
قد أنهت إلقاء مهارة [التخاطر]، رابطة بينهم ذهنياً. في المعركة، كانت القدرة على التواصل بصمت ميزة هائلة.
أمر «زيك»
متبعاً خلف «فولكانوس»: "نتحرك بصمت حتى نُكتشف."
"إلى أن يطلق «أش» الإشارة، نظل محتجبين."
تحركوا بوتيرة أسرع من ذي قبل، معتمدين على السرعة أكثر من المهارة. ومع ذلك، ظلوا غير مكتشفين طوال الطريق حتى حافة الغابة. بيد أنه مع بلوغ غطائهم نهايته، تعذّر الإفلات من عيون الأعداء. مع ذلك، وقبيل عزمهم على الانطلاق ركضاً، تردد صدى جرس بعيد. بوضوح، كانت تلك إشارة.
قال «أش»
تخاطرياً: "لقد وجدوا الجثث..."
أمر «زيك»: "انطلقوا."
ربما كانت هذه أفضل فرصة لهم. لعلهم يستفيدون حتى من الفوضى اللحظية.
دون تردد، حمل «سونو»
بوضع العروس وتبع «أش»
و«فولكانوس»
صعوداً نحو الجبل.
كانت «غرافيتاز»
مباشرة في الخلف، محافظة بشكل ما على سرعتها بينما كانت تمشي إلى الوراء.
بعث «أش»: "أعداء في المقدمة. أعدّ منهم أربعة."
بهذه الكلمات، تحول إلى ضباب.
متتبعاً ظله الضبابي، أبصر «زيك»
الأعداء أخيراً. كانوا متحصنين خلف حصن صخري صغير ناظرين باتجاه الجانب.
أدرك «زيك»
سريعاً أنها الوجهة التي صدر منها الجرس. على الأرجح، كان ذلك موقع معسكرهم.
ابتسم «زيك».
رغم موقعهم التفضيلي، استغرق الأعداء وقتاً طويلاً ليلاحظوا مجموعته— وقتاً أطول من اللازم.
بحلول الوقت الذي لمحهم العدو الأول، كان «أش»
قد وصل بالفعل. هيأه شكله الضبابي للتحرك بسرعات خارقة.
تحولت صرخة الهلع التي أطلقها العدو الأول إلى غرغرة مبتلة عندما جرفت مخالب «أش»
حلقه. سقط ثاني قبل أن يلاحظ حتى اقترابهم. كان الاثنان الأخيران على استحقاق لهما، ونجح أحدهما في صد الهجوم اللاحق.
مع ذلك، عجزا عن التعامل مع ضربة «فولكانوس».
اسودّت حراشفهما إذ تحولت الأرض تحت أقدامهما إلى لجة من الحجارة المنصهرة. صرخا بعنف محاولين شق طريقهما خروجاً من الحفرة. بيد أن ذلك لم يثمر سوى عن حرق جزئهما العلوي اللحمي.
ضم «زيك»
«سونو»
بقوة أكبر إلى صدره، مغطياً أذنيها بيديه. ودون التفاتة للوراء، جرى متخطياً الموقع المتحصن. وكما أُمر، لم يتوقف أحد. غدا واضحاً أن حظهم قد نفد عقب الهجوم الخاطف الأول— فلم تكن هناك سبيل لئلا يظل أعداؤهم على علم بموقعهم بعد تلك الصرخة. تأكد هذا التخمين حين سمع صوت هواء من الخلف. بدا كسهام تشق الهواء، لكن بأضعاف صوتها. أبان له وعيه [المكانيّ التامّ] هوية هذه الأجسام قريباً.
كانت رماحاً رمي.
كان طول كل رمح يتجاوز جسد «زيك»
مع رأس شائك بوحشية. وفوق ذلك، لاحظ إدراكه الحاد بريقاً غريباً. بدا أن ثمة سائلًا مدهوناً على النصول.
سمع نفسه يقول عبر التخاطر: "احذروا! الرماح مسمومة."
رغم أنه لم يكن هو من تكلم، بل «أكاشا»
متحدثة نيابة عنه.
حتى بلا تحذير، لم تكن «غرافيتاز»
لتسمح لهم بالوصول إلى مجموعتهم. أكبر نقاط ضعفها، النطاق المحدود لقدرتها، أُبطل تماماً عند الدفاع ضد المقذوفات. انحرفت الرماح جميعها عن مسارها وبدأت تطفو حولها ككواكب تدور في فلك الشمس.
دون توقف عن خطاه، تعجب «زيك»
للمشهد. كان هذا أحد الفروق الرئيسية بين سحر الجاذبية الخاص بها وتحريك الأشياء عن بعد.
لم تكن «غرافيتاز»
تتحكم بكل مقذوف على حدة. بدا الأمر أشبه بتغييرها للقوانين الطبيعية، مؤثرة في كل ما يحيط بها. غير أن مطاردي المجموعة كانوا لا يلينون، إذ استطاعت أجسادهم السفلية الأفعوانية اجتياز سفح الجبل الصخري بيسر مرعب.
من علو صراخهم، استطاع «زيك»
إدراك فوراً أن الأعداء يلحقون بهم. رغم ذلك، لم يدم هذا طويلاً.
ما إن كبرت حصيلة رماح «غرافيتاز»، حتى ردت.
بصراخ حاد يشق الهواء، أطلقت الرماح عائدة حيث أتت. حول هجومها الصراخ الهستيري إلى صرخات فزع، كأن الجحيم ذاته قد أُطلق.
تألم «زيك»
للصوت. كان هذا الجانب الآخر الأساسي لسحر الجاذبية؛ فطالما ظلوا في نطاق تأثيرها، تسارعت الرماح كأن وزنها يناهز جبلاً وهي تهوي رأساً للأسفل. لم تكن النتيجة صعبة التخيل. حين نفدت ذخيلتها، لم تعد هناك صرخات.
عجز «زيك»
عن التيقن ممّا إذا كان مطاردوهم قد ماتوا جميعاً أم تراجعوا فحسب، لكن لم يكن ذلك ذا بال. فالهروب هو ما يهمّ وحده. لفترة أطول قليلاً، أحرزوا تقدماً حسناً. كان الهواء يزداد برودة بالفعل، وظهرت القرية الأولى في الأفق.
استطاع «زيك»
تمييز الأسوار الحجرية المندمجة بسلاسة مع الجبل، فضلاً عن بضعة رؤوس تراقبهم من الأمام. لقد نجحوا!
غير أنه وما إن راودت «زيك»
تلك الفكرة، حتى تردد صداه عواء عالٍ من الخلف.
"قِفوا!"
كان الصرخ عالياً ومتسلطاً، وكاد «زيك»
يفقد توازنه عند سماعه. انطوى الصوت على جودة خفية يصعب مقاومتها. لاحظ أن الآخرين قد توقفوا تماماً.
اتسعت عيناه «زيك».
ماذا كانوا يفعلون؟
نادى تخاطرياً: "أمركم بالاستمرار في الركض."
لحسن الحظ، شرعوا في التحرك مجدداً.
هتف الصوت، بذهول جليّ: "ماذا؟!"
مهما ما أراد قوله سواه، فقد كان الأوان قد فات بالفعل.
وصل «ش»
و«فولكانوس»
بالفعل إلى السور الدفاعي المفتوح بنعمة.
دخل «زيك»
تالياً، لا يزال حاملاً ل«سونو».
في تلك اللحظة، بلغ أذنيه عواء مدوٍّ.
"ابقَ!"
رافق الكلمة صوت شق الهواء.
كان «زيك»
مستداراً في المنتصف وبإمكانه الآن رؤية ما يحدث. بيد أن المنظر الماثل أمام عينيه كان شيئاً تمنى لو أنه لم يره.