افاق زيك من أفكاره حين بدأ العالم من حوله يتغيّر. راحت حواف المكتب أمامه تصبح ضبابية. رفع بصره مذهولاً فرأى الغرفة بأسرها تخضع للتحوّل نفسه. غدت دراسة ماكسيميليان دوامة من الألوان والأشكال. وبينما كان يراقب هذا العرض الغريب، أظلم بصره تدريجياً وتلاشَت كل الحواس. بعد لحظة، شعر زيك بالانزعاج. قطّب حاجبيه واعتدل في جلسته من وضعية انبطاحه على الأرض. كان جسده يؤلمه برمّته.
جائعاً ومتعباً ومجفّفاً ومتيبّساً من النّوم في وضعية شبه جالسة. أحقّاً كان في مثل هذه الحالة المزرية؟ استعاد زيك بوهن ذكرى استغراقه في النّوم، لكنّه لم يدرك كم كانت حالته سيئة. لابدّ أنّ أيّام العذاب الذهني قد طغت على كل شيء... اتّسعت عينا زيك حين أدرك أنّ الأجواء الضاغطة التي شعر بها في الأراضي الميتة قد اختفت. التفت حوله بسرعة، لكنّ الظلال المخيفة السابقة قد زالت.
ورغم أنّه كان ما يزال محاطاً بضباب داكن، لم يعد يبدو مهدِّداً. لم يكن يختلف عن الظلام العادي. ابتسامة ظهرت على وجهه حين أحسّ أعصابَه المشدودة ترتخي ببطء. كان اليومان الأخيران قاسيَين عليه، ولم يدرك تماماً إلا الآن كم كانت تلك الحالة مرهقة لذهنه وجسده. دون إبطاء، نهض واقترب من النار الصغيرة المشتعلة في منتصف معسكرهم. كان غرافيتاش وآش وسنو ينامون بالقرب بينما كان فولكانوس جالساً باستقامة يتعهد النار حارساً.
بدا أنّ الثلاثة قد ابتكروا نظاماً دونه. مع اقترابه، التفت فولكانوس بحدة وعيناه تتوهجان بخفوت. كان المخلوق في أهبة الاستعداد بوضوح. غير أنّ اللحظة التي لمح فيها زيك أفسحت فيها حذره المجال للمفاجأة وانحسرت الأجواء المحتدمة سريعاً.
قال بحذر: "سيّدي؟ أأنت مستيقظ؟"
أومأ زيك وجلس مقابل الرجل الضخم: "ألدينا أيّ طعام متبقٍ؟ إنّي أهلك جوعاً."
ابتسامة سرعان ما انتشرت على وجه فولكانوس: "أتشعر بتحسّن؟"
لقد مضى وقت طويل منذ أن طلب زيك شيئاً وعادة ما اضطرّت سنو إلى إقناعه بالأكل.
ابتسم زيك بالمقابل: "نعم، أشعر بتحسّن كبير الآن. عذراً على الإزعاج."
"لا، لا. لم يكن إزعاجاً يا سيّدي. دعني أسخّن شيئاً بسرعة."
بينما استخدَم فولكانوس نيرانه لِشَوي قطنة ضخمة من فخذ الذبيحة، استشار زيك أكاشا. كان يحتاج إلى معرفة كيف تقدّموا حتى الآن. ورغم أنّه كان مستيقظاً، تركته حالته المعذّبة في غير مزاج يتيح له إيلاء أي اهتمام للحالة العامة للرحلة. بحلول الوقت الذي وصلت فيه رائحة اللحم المشوي السماوية إلى أنفه، كان زيك مدركاً لكل شيء. لقد كانوا يمشون لخمسة أيّام بالفعل، ووفقاً لحسابات أكاشا سيحتاجون إلى يومين آخرين للوصول إلى نهاية الأراضي الميتة.
ومع ذلك اعتقد زيك أنّ بإمكانهم بلوغها أسرع الآن بعد أن تحسّنت حالته. بعد وجبة دسمة وكميّة وفيرة من الماء، شعَرَ أخيراً بالحياة تسري في جسده. فارق التيبّس عضلاته وبدأت آلام كثيرة طفيفة في التلاشي بالفعل. عجب زيك لمعدل تعافي جسده. طالما اهتمّ بنفسه ولو قليلاً فسيعود جسده سريعاً إلى ذروة حالته. والآن، كان يحتاج فقط إلى بضع ساعات من النّوم. لم يتعافَ ذهد زيك خلال وقته في عالم الأحلام.
كان الأمر منطقياً — فقد كان جسده خاملاً لا ذهنه. وإن يكن، فإنّ لقاءه بشيول لم يضف سوى المزيد من الإجهاد إلى ذهنه المنهك أصلاً. تمنّى لفولكانوس ليلة سعيدة قبل أن يأمر أكاشا بإيقاظه، ثم غطّ مجدداً في سبات عميق. وللمرّة الأولى منذ ما يقارب أسبوعاً، استطاع زيك أن يستريح براحة دون أحلام أو كوابيس تضايقه.
* * *
مضى يومان في لمح البصر. تحولت الرحلة الشاقة سلفاً إلى مسير رتيب. لم يواجهوا أي عوائق، ودون أي كوابيس تعكر صفوه، كانت رتابة المحيط هي العقبة الكبرى. راحت الأرض المُسوّدة تقرمش تحت حذائه. انخرط زيك في روتين يومي، عارضاً قدماً أمام الأخرى دون اهتمام يذكر بما يحيط به. لا تزال أفكاره منشغلة بنقاشه مع شيول. لقد فتحت أحاديثهما عن الروح عينيه على عالم من الإمكانيات بلا حدود.
وما إن أتيح له الوقت لهضم كل ما تعلّمه، حتى أدرك تبعات أسلوب كهذا. استطاع شيول حرفياً التواجد في عدة أماكن دفعة واحدة، ليقوم بتحركات مستقلة — جيش من رجل واحد بمعنى الكلمة. مستغرقاً في أفكاره، بالكاد لاحظ زيك مرور الوقت. بيد أنه، ومع انقضاء اليوم الثاني، طرأ تغيير. بدأ الضباب الأسود الحالك الذي لفّ كل شيء بالانقشاع. بعد خطوات قليلة أخرى، تراجع الظلام، كاشفاً عن مشهد لم يره طوال الأسبوع المنصرم.
توقف مكانه مشدوهاً أمام المنظر المهيب. حدق زيك في الرؤية البانورامية للوادي الممتد أمامه، بينما ألقت شمس المساء توهجاً أحمر خلاباً وهي تغطس تحت الأفق. تسللت ابتسامة إلى وجهه. أخيراً، بلغوا حدود الأراضي الميتة. بعد أيام من الضباب الأسود الرتيب، كانت الألوان النابضة بالحياة تكاد تعشي الابصار. بدا خضر الغابات، وزرقة البحيرة، وحمرة الشمس أقرب إلى لوحة فنية منها إلى الواقع.
لفترة طويلة، اكتفى بالوقوف هناك مستمتاً بالمنظر. كان رفاقه قد توقفوا هم الآخرون، متنعّمين بالمنظر إلى جانبه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها زيك خارج القارة، وأثارته الفكرة. كانت الفروق واضحة جليّة للعين. لم يكن هناك أي أثر للحياة المدنية في أي مكان — لا طرق، ولا قرى، ولا مدن، وحتى دخان نار بعيد خلت منه المنطقة. بدا المشهد أمامه بدائياً، بصورة تكاد استعصي على الوصف.
ظهرت الغابات والحقول والبحيرات وكأنها برية تماماً. بدا الأمر أشبه بعثوره على قطعة أرض لم تكتشف من قبل. بعد تأمل هذه المناظر لفترة، استدار نحو سنو بابتسامة على وجهه.
"كيف تشعرين وأنت في الديار؟"
بدت الفتاة متحمسة لكنها هزت رأسها مع ذلك.
"لم نصل بعد".
قطب زيك جبينه. وفقاً لحسابات أكاشا، كان مفترضاً أن يكونوا قرب قبيلة سنو. ألا تشعر بأنها في الديار إلا حين تعود بين عائلتها؟
"أتعرفين الطريق؟"
ابتسمت له سنو ابتسامة خبيثة لم يتبين مغزاها تماماً.
"يصعب إغفاله"، قالت قبل أن تشير بيدها الرقيقة.
تتبع زيك إصبعها وفهم فوراً. كانت تشير إلى جبل منفرد يبرز من الأرض كسنّ رمح. بلغ من الارتفاع مبلغاً غطى الثلج قمته طوال العام على الأرجح. التفت إليها.
"هناك تعيشين؟"
هزت سنو رأسها وقد تجلى الفخر جلياً على وجهها.
"أنا وأبي الوحيدان المسموح لهما ببلوغ القمة".
أومأ زيك برأسه دون تفاجئ. بما أن سنو كانت نقية الدم، فهذا يعني أن أحد أبويها على الأقل كان سلفاً. بدا أن ذلك الشخص هو أبوها. خطر بباله أمر آخر في تلك اللحظة. أشار بيد نحو الجبل البعيد.
"أهناك تنمو تلك الزهور؟"
عضت سنو شفتها، مستغرقة في التفكير للحظة، لكنها هزت رأسها في النهاية. كان موقع الزهور ورقة مساومتها، لكن بدا أنها باتت تثق به بما يكفي لكشفه. لم يملك زيك إلا ابتسامة ساخرة. حتى لو عرف مكانها، فإن الحصول عليها دون مساعدتها يبدو مستحيلاً تقريباً. إن كان أبوها يعيش هناك، فمحاولة سرقتها تعد انتحاراً. على المرء أن يأمل أن يكون الرجل مقدراً للأمور بعد لم شمله بابنته الضائعة منذ زمن.
مع ذلك، تصاعدت لمسة إثارة داخله. بنظرة أخيرة نحو غروب الشمس، أصدر زيك أمره سريعاً.
"لنقضِ الليل هنا".
نصبوا معسكرهم بالقرب من الأراضي الميتة، وهم يدركون تماماً أن معظم الكائنات لا تجرؤ على الاقتراب من الضباب الأسود. مر الليل بلا حوادث تذكر، وبدأت المجموعة رحلتها مع خيوط الشمس الأولى. توقع زيك ألا تستغرق الرحلة سوى بضع ساعات، لكن حين أفل اليوم، بدا أن المسافة بالكاد تقلصت. الفرق الوحيد تمثل في زيادة حجم الجبل. ضيق عينيه. ما حجم هذا الشيء يا ترى؟ استغرق الأمر أربعة أيام أخرى لبلوغ محيط الجبل.
لكان بإمكانهم قطعه في نصف تلك المدة لولا الهجمات المستمرة. بات جلياً أن البرية لم تكن الوحيدة غير المروضة هنا. جابت الوحوش السهول والغابات، تنافس بلا منازع في هذه البيئة الطبيعية. وحدها اللحظة الراهنة جعلت زيك يدرك كم الجهد الذي تبذله نقابة المغامرين والممالك خلف الكواليس. بغض النظر عن مناطق الخطر المحددة، نادراً ما يرى المرء أي وحش على القارة. هنا، لم تمضِ ساعة واحدة دون مشاهدة أحدهم.
معظمهم لم يجرؤ على مواجهتهم، لكن بعض القطعان لا تزال تختار تحدي مجموعته، مؤمنة بتفوقها العددي. كان هذا مكاناً يموت فيه الضعيف، لغذاء لحمه الأقوياء. لحسن الحظ، لم يصادفوا أي وحوش يعجزون عن التعامل معها. في الواقع، تطلع الشيميروي، الذين أتقنوا جميعاً تقنية غليان الدم، بشغف لكل معركة جديدة. باتت دوامة العنف والمكافآت مدمنة بحق. حتى أاش وغرافيتاس طورا شغفاً بالمكاسب السريعة.
مع ذلك، وكلما اقتربوا، قلّت الوحوش التي يصادفونها. يرجح أن حملات الصيد المتكررة لقبيلة سنو كانت تكبح جماح الحياة البرية. تذمر الشيميروي قليلاً، لكن زيك سرّه هذا الاستراحة. فالبقاء على أعصابهم باستمرار بدأ ينال منهم. توقفت مجموعتهم، وتفقد زيك المشهد أمامهم. عند سفح الجبل، برزت أولى علامات الحضارة: قرى متناثرة تنقط المنحدر. تقبع القرية الكبرى في القاعدة، تليها قرى أصغر تدريجياً كلما ارتفعنا.
حدق زيك بعينيه محاولاً تبين القمة، لكن القمة المغطاة بالغيوم ظلت محجوبة عن الأنظار. درس زيك الطبيعة وقدر المسافة. لقد صار أفضل بكثير في الاهتداء بالاتجاهات، وظلت حواسه تخبره بقدرتهم على بلوغ القرية الأولى قبل غروب الشمس — إن أسرعوا على الأقل. وحين هم بإصدار الأمر، جلب حفيف الأجمات انتباهه. لاحظ الشيميروي الاضطراب في آن واحد. اتخذوا مواقعهم فوراً، والترقب بائن على وجوههم.
لقد مضى وقت طويل منذ معركتهم الأخيرة، وبدوا متحمسين بوضوح لإطلاق العنان لأنفسهم للمرة الأخيرة قبل بلوغ القرية. بيد أن ما خرج لم يكن وحشاً بل رجلاً. أو هكذا ظن زيك في البداية. كان للرجل شعر أسود طويل وجزء علوي عضلي، عارٍ إلا من حزام جلدي يحمل خنجراً عظمياً بدائياً. ومع اقترابه، لاحظ زيك خلوّ الرجل من الساقين؛ وبدلاً من ذلك، استدق جذعه العلوي ليغدو ذيل أفعى طويلاً.
خلف الرجل، برز اثنان آخران. بدوا من المنحدر نفسه، إذ امتلكوا ذيولاً عوض الساقين بالمثل.
"من أين أنتما؟"
أزّ الرجل الأول. تذوق لسانه الطويل المشقوق الهواء وهو يتفقد مجموعتهم بحذر. تقدم زيك، متخذاً تعبيراً ودوداً.
"سلام أيها الأصدقاء. جئنا لزيارة القرية واللقاء بالزعيم".
ضيق الرجل عينيه.
"ما صلتك بقبيسة أنياب الثلج أيها البشري؟"
همّ زيك بالإجابة حين شعر بشدّ على كمّه. التفت ليجد سنو ترمقه بنظرة لم يهد لها مثيلاً قط. اتسعت عيناه، وكانت تهز رأسها بخفة، متقلبة بنظراتها المحمومة بينه وبين الغرباء. تحول تعبير زيك إلى الجهامة حين استوعب مغزاها: لم يكن أولئك قومها.