وجد زيك نفسه في غابة متفرّقة. كانت الشمس تسطع ببهاء. وبدا الهواء النقيّ كأنه صباح ربيعيّ جميل. صنعت أوراق الشجر المتراكمة والنسيم العليل مشهداً هادئاً. لكنّ حاجبيه كانا معقودين على عكس الجوّ الساكن. أطرق ببصره وفحص الأرض تحت قدميه. كان العشب غضّاً وأخضر. نظر إلى الأشجار ولم يجد فيها عيباً واحداً. ما الذي كان يجري هنا؟ تذكّر بوضوحٍ أنه استغرق في النوم ضمن الأراضي الميتة.
وكانت تلك واقعة غريبة بذاتها. عادةً لا يُدرك المرء أنه يحلم وهو لا يزال داخل الحلم. بيد أن ما بدا أشدّ غرابةً هو كم بدا هذا الحلم واقعياً على غير العادة. فلم تكن هناك شائبة واحدة أو تنافر في محيطه بدءاً من العشب وانتهاءً بالأشجار. عقد زيك حاجبيه وقبض على كفّيه تجربةً. بدا جسديّاً بخير. لكنه سرعان ما لاحظ انعدام قدرته على الوصول إلى سحره في هذا الحلم الغريب. بدت مجرّد عدم حيازته لكرة الإدراك أمراً مقلقاً.
صدق ما قالوه حقّاً: لا تعرف قيمة الشيء إلا بعد زواله. رفع زيك بصره والتفت حوله. بدا هذا المكان مألوفاً بشكل غريب لسبب ما. وكأنه كان هنا من قبل رغم أنه لم يستطع تحديد— تجمد عقله حين لمس بصره بناءً بعيداً يطلّ عبر قمم الأشجار. تحرك نحوه مشدوداً بقوة لا تُقاوم خطوةً بخطوة كأنه مسحور. بعد لحظات اخترق الشجيرات ليصل إلى باحة ما كان أشدّها ألوفةً. كان يقف أمام قصر ماكسيميليان.
اندمج البناء المكون من ثلاثة طوابق بسلاسة في الغابة كأنه جزء من الطبيعة نفسها. تشابهت أعمدته العتيقة مع جذوع الأشجار. وأضفت الكروم النضرة المتسلقة على جدرانه مسحةً من السكينة. طالما اعتقد زيك أن هذا البيت يقف على الشعرة الفاصلة بين الطبيعيّ والمتعمد ممّا جعله يبدو بريّاً وراقي غاية الرقيّ. تشكّلت غصة في حلقه عند رؤية بيته القديم. لقد كان المكان الوحيد الذي شعر فيه حقّاً بالترحيب بعد وصوله إلى الأكاديمية.
اقترب زيك بحذر من المدخل ومدّ يده نحو مقبض الباب. انفتحت الأبواب بصرير مألوف كاشفةً عن جوّ البيت الداخليّ. أطلّ برأسه ليجد كل شيء تماماً كما تذكره. غير أن الغياب التام للبشر جعل المشهد المألوف يبدو متناقضاً على نحو غريب. خطا زيك إلى الداخل وتفقد الغرف واحدة تلو الأخرى. كانت أجنحة الخدم وغرفة المعيشة وحتى المطبخ خالية جميعاً. لم يوحِ المكان بأن البيت قد هُجر منذ زمن طويل بل بدا كأنه وصل في وقت لا يوجد فيه أحد.
تساءل عرضاً عمّا آل إليه هذا البيت بعد فرارهم من الإمبراطورية. وعلِم أن اسمهم ورتبتهم قد سُحبا وأُعيدت أراضيهم إلى التاج لكنه لم يعرف مصير ممتلكاتهم قط. وحسب علمه قد لا يكون هذا البيت موجوداً من الأساس. صعد زيك السلالم واتجه نحو غرفة نومه السابقة. دخل من غير طرق ونظر حوله. كان كل شيء على ما يُرام تماماً مثلما عاش هناك. حتى ممتلكاته عادت. استقرت عصا المعركة التي صنعها ماركوس له في زاوية.
وُرقد صندوق بلورات الجوهر الذي أهدته إياه فيولا بمناسبة عيد ميلاده مفتوحاً على مكتبه. ووُضع صندوق الألغاز الذي استرده من أطلال جيجر بدقة على رفّ. يا له من شعور بالحنين! وقف زيك مسمّراً في مكانه مستغرقاً في ذكريات زمن ولّى. تساءل كيف كانت لتكون حياته لو أنه لم يغادر الإامبراطورية مطلقاً. ولو أنهم لم يحاولوا نشر تقنية التأمل. ولو... أن ماكسيميليان عاش. في تلك اللحظة التقطت أذنا زيك صوتاً جذب انتباهه.
التفت رأسه فجأة نحو مصدر الصوت واتسعت عيناه. إن صحت حواسه فقد أتى الصوت من مكتب ماكسيميليان. أسرع في الرواق المألوف وتوقف بغتة أمام باب خشبي مزخرف. ارتفعت يده لفتحه لكنه تردد في اللحظة الأخيرة. كان قلبه يخفق بجنون. أيمكن أن يكون هو؟ حين استعاد السيطرة على تنفسه طرق زيك ثلاث مرات من باب العادة أكثر من أي شيء آخر قبل أن يفتح الباب. وقع بصره على مكتب السنديان الكبير الذي استغل مساحة شاسعة وعلى الكرسي الخشبي ذي الظهر الصلب الذي اعتاد ماكسيميليان الجلوس عليه.
ووجد هناك شخصاً ينظر إليه بعينين هادئتين. بيد أنه بدلاً من الفرح اكتست ملامح زيك بالحيرة. هذا... لم يكن ماكسيميليان. بدا الرجل متوسط السن ذا شعر أسود ممشّط إلى الخلف وعينين سوداوين ثاقبتين. منحته أنفه الدقيقة وشفتاه النحيلتان مظهراً واهناً بعض الشيء. ومع ذلك حملت نظراته حدة قليل من يضاهيها. والأهم من ذلك كله أنه كان غريباً تماماً عن زيك. بينما كان يفحص الرجل بادلَه الأخير النظرة بادياً بفضول مماثل تجاه زيك.
لفّ الصمت بينهما فترة بينما درسا بعضهما البعض بتركيز. بعد هنيهة همهم الرجل متدبراً والتقى بنظرة زيك.
قال الرجل: "لقد أتيت".
لم يدر زيك تماماً كيف يتفاعل مع هذا. أكان متوقعاً؟ بدا غريباً أن يُرحّب به في بيته الخاص شخص غريب تماماً.
سأل: "من تكون؟"
قال الرجل مبتسماً بابتسامة خافتة: "أتراك تحزر؟"
تلك كانت المرة الأولى التي تتغير فيها ملامحه. فحص زيك نظيره. وممّا أسف له أنه لم يستطع الاعتماد على أكاشا إذ كان بإمكانها تحديد هوية الرجل بسهولة لو كان شخصاً بارزاً. ومع ذلك راودت زيك شكوك قوية.
خمن قائلاً: "أانت ملك الموتى؟"
عاد تعبير الرجل إلى حالته الطبيعية مأخوذاً شكل العبوس تقريباً.
"من بين كل أسمائي وألقابي أكره هذا الاسم أكثر من غيره".
تخطف أنفاس زيك. حتى هذه اللحظة كان الأمر مجرد تكهنات لكنه حزر صواباً. لم يكن الرجل الماثل أمامه سوى ملك الموتى ذي السمعة السيئة حاكم الأراضي الميتة وأحد أقوى الكائنات على القارة. لمَ... كان هنا؟
"أأنت تتساءل عن سبب مجيئي؟"
لابد وأن السؤال كان مكتوباً على وجهه بوضوح ولم يملك زيك خياراً سوى الإيماء بطاعة حين سأله الرجل.
قال ملك الموتى: "لا داعي للخوف. أنا أزور كل كائن يعبر نطاقي".
عقد زيك حاجبيه. أيمكن أن يكون ذلك صحيحاً بالفعل؟ رغم الادعاءات العديدة بلقاء ملك الموتى إلا أن عددهم يقل بكثير عن المسافرين الذين يعبرون الأراضي الميتة كل عام. بدا غير مرجح أن يلتقي الملك بكل شخص على حدة هكذا. مرة أخرى بدا أن الرجل قد قرأ أفكاره.
"ألا تصدقني؟"
هز زيك رأسه.
"أعتقد أن ثمة ما هو أعمق من ذلك".
حدق فيه ملك الموتى مطولاً قبل أن يومئ برأسه إيماءة تكاد تبدو غير مرئية.
"أنت محق. في أغلب الأحيان لا ألتقي بالناس هكذا. لكن أحياناً أُضطر لاستثناء. وهذه إحدى تلك الحالات. أتدري لماذا؟"
هزّ زيك رأسه. لم يكن هناك ما يخصه مما قد يجذب انتباه كائن بهذه القوة. ما لم يكن يقصد خايزار. لكن إن كان ملك الموتى مهتماً بالتنين أفلا ينبغي أن يكون هنا؟ بدا أن ملك الموتى أدرك أيضاً عدم دراية زيك بشيء إذ تحدث مجدداً.
"طوال آلاف السنين راقبت الجسر بين العوالم. أحكم على كل العابرين: أتجاهل التافه وأقضي على المؤذي. الأفعال الماضية والخطط المستقبلية كلها ضمن نطاق رؤيتي".
كان زيك يستمع بانتباه لكن الجملة الأخيرة للرجل ضربته كصاعقة. أيعقل؟ لحظة سماعه كلمات الأفعال الماضية والخطط المستقبلية سطع الإدراك في عقله وصار الاحتمال عصياً على الإنكار الآن بعد أن عرفه.
سأل زيك بصوت مرتعش: "أأنت... تقرأ أرواحنا؟"
صفق ملك الموتى وبدت على وجهه ملامح الرضا.
"توقعت أن تفطن للأمر. أحسنت".
سأل زيك: "كيف تفعل هذا؟ ولمَ لم تفعل ذلك معي أيضاً؟"
توقف ملك الموتى قبل الإجابة كأنه يزن كلماته بعناية.
"أنا ألتقيك هكذا لأنك كنت تقاوم تدقيقي. وبشراسة بالغة لكي أكون دقيقاً".
أنا اقاوم؟ لقد فعلت؟ فجأة اتصلت النقاط بعضها ببعض في عقله. الليالي المقلقة والظلال التي تراقبه وشعور الضغط والاضطراب منذ دخوله الأراضي الميتة. أكانت تلك محاولات لقراءة روحه؟ جعلته فكرة صده لملك الموتى عاجزاً عن الكلام ومجذوباً بالفخر في آنٍ واحد.
سأل: "أيعني ذلك أنك عاجز عن قراءة روحي؟"
ابتسم له ملك الموتى بمسحة من التسلية كأنه يرى شيئاً محبباً مثل طفل صغير أو حيوان أليف. في هذه اللحظة بدا الرجل النحيل أقل قسوةً مما تخيله زيك عند رؤيته للمرة الأولى.
عقب قائلاً: "عاجز؟ نادراً. لكن لو فرضت طريقي لربما ألحقت بك الأذى. وكما ذكرتُ كنت صُلباً للغاية".
خفض زيك رأسه وأبعد نظره. استطاع الشعور بأذنيه تحترقان خجلاً. لقد كان من المتعجرف منه جداً افتراض قدرته على السيطرة على وحش عتيق مثل ملك الموتى. لحسن الحظ لم يبدو أن الرجل أخذ الأمر على محمل شخصي. نظر إلى الرجل الماثل أمامه بعيون جديدة. أدرك زيك الفرصة أمامه الآن بعد أن علم هويته ولم يشعر بأي تهديد وشيك. لم يتح له قط إجراء حوار حول الروح مع أي شخص لا سيما من بدا خبيراً في هذا الفن.
سأل زيك ببعض الارتباك حول كيفية مخاطبة الرجل: "سيدي... ملك الموتى أيمكنني طرح سؤال أيضاً؟"
رد الرجل بعفوية: "لا أرى مانعاً. لكن أفضّل ألا تناديني بهذا الاسم. فأنا لست ملكاً بعد كل شيء".
"كيف أناديك إذن؟"
أجاب الرجل: "يناديني أغلبهم شيول".
كرر زيك: "شيول..."
متذوقاً رنين الكلمة. كان اسماً لم يسمعه قط لكنه وجده مناسباً للغاية.
"حسناً يا شيول هل يمكنني سؤالك عن الروح؟"
اومأ شيول.
"هذا ليس حلماً أليس كذلك؟"
قال شيول: "نعم ولا. جسدك نائم لكن عقلك لا يزال مستيقظاً".
سأل زيك: "كيف لك أن تخلق هذا المكان؟ هذا بوضوح مشهد من ذكرياتي".
أومأ شيول.
"أنت محق. لم أخلق هذا المكان. لقد دعوتك ببساطة إلى مساحة تشعر فيها بالراحة وملأ عقلك الباطن التفاصيل. من هذه الناحية فهو يشبه الحلم كثيراً. لكن يجب أن أعترف أن ذكريات معظم الناس لا تكون عادةً بهذا الوضوح. لابد أنك تمتلك موهبة لا بأس بها في ذلك".
أومأ زيك مدركاً أن التفاصيل المحيطة ربما تعود إلى ألفته مع العقل أو ارتباطه بمكتبة العقل. وحين استُنفد فضولُه راوده سؤال آخر.
"كيف يُعقل أنني كنت أدافع عن نفسي ضدك دون حتى أن أدرك تعرضي للهجوم؟"
أوضح شيول: "هذا طبيعي جداً. الروح والجسد منفصلتان لكنهما متشابهتان أكثر مما تتخيل. تماماً كما يحارب الجسد المرض تقرد الروح الدخلاء. بمجرد تعرضها لتلك المخاطر تزداد مناعتها".
أومأ زيك متدبراً. كان يعلم أن جسد الإنسان يصبح أكثر مقاومة للأمراض التي أصابته من قبل. وإن صحت مقارنة شيول فربما يحدث شيء مشابه للروح. أيعني ذلك أن روحه تزداد صلابة مع كل استخدام؟ غير أن هناك ما أراد زيك معرفته أكثر.
سأل ونبضات قلبه تتسارع بترقب: "أتعرف سبيلاً لتقوية الروح بسرعة؟"
تغيرت تعبيرات شيول لتبدو جادة ورد: "بسرعة... أخشى أنه لا يوجد أمر كهذا. كما أن نمو الروح ليس شيئاً ينبغي استعجاله. ضع كلامي حلزماً يا بني: الروح هي جوهر قوتك ولا شيء أهم منها إن أردت بلوغ قوة عظيمة".
وما إن بدأ زيك يشعر بخيبة الأمل حتى أضاف الرجل جملة أخرى.
"ومع ذلك فهناك سبيل أعرفه لتسريع العملية دون إفسادها..."