ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 304 — سحر النمو

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 304 — سحر النمو باللغة العربية على مانجا تايم.

تفتّحت عينا زيك النعستان على وقع صرخات خفيضة وانفجارات بعيدة. الاستيقاظ على مشهد كهذا قبل أيام معدودة كان ليكون أشبه بكابوس. لكنّ أصوات المعركة اليوم لم تخلّف سوى ابتسامة خفيفة على شفتيه. بدل النهوض، مدّ ذراعيه ورجليه بتكاسل قبل أن يغوص أكثر في سريره. كان الفراش مصنوعاً من قماش أبيض ومحشواً بمادّة لم يتعرّف عليها. تشير الدلائل كلّها إلى أنّه كان يجب أن يكون غير مريح.

غير أنّ الواقع خالف التوقعات، فكان أسعد سرير نام عليه قط. اتّسم النسيج بالنعومة، بل كان أنعم من جلود أولئك المتخفين ليلاً الذين صادفوها. إضافة إلى ذلك، منحت الحشوة مهما كانت الفراش مرونة مذهلة صنعت العجائب لظهره. لم يقترب سريره في أركانهايم ولا ذلك الذي في قصره في تريدسباير من هذا المستوى. استدار زيك على جنبه بابتسامة رضا. بالنسبة لشخص عُرف بتقديم العمل على النوم، كان يقضي وقتاً مدهشاً في الاسترخاء مؤخراً.

لكن، هل يلومه أحد؟ شعر هنا، في هذا المكان، ولأول مرة منذ وقت طويل، بالأمان التام والراحة المطلقة. لم تكن هناك مهمة، ولا أحد يهدّده، ولا وحوش يمكنها التسلّل إليه، ولا مكائد، ولا أهداف خفية، لا شيء قط. بعد انفجار صاخب بشكل خاص استطاع حتى هزّ جدران غرفته، شعر زيك بأنّ فضوله قد استُثير. نهض من السرير دون أن يكلف نفسه عناء ارتداء قميص، واقترب من شرفة غرفته. ما إن فتح الباب حتى امتزجت أصوات القتال بأصوات الأدغال الدائمة الحضور.

ما إن خطا إلى الخارج حتى لمس الهواء الدافئ الرطب بشره. ربما كان هذا المناخ الاستوائي مزعجاً لإنسان عادي، لكنه لم يزعج زيك. بل على العكس، وجد البيئة لطيفة إلى حد ما. اقترب من الدرابزين، وأمسك بقطعة الكرمة الملفوفة حول معصمه ليربط بها شعره. منذ مغادرته كوروفان، لم يعبأ بقص شعره، ولم يعرِض الصبغة البنية مجدداً. أدى ذلك إلى ظهور لونو الأصلي مجدداً، ومع كل يوم يمر، كان اللون القرمزي يزداد وضوحاً.

لم يعتبر زيك نفسه شخصاً متغطرساً بشكل خاص. في الواقع، لم يهتم يقط بمظهره. بيد أن شعوراً بالخطأ كان يراوده كلما رأى نفسه في المرآة، وهو يتباهى بهذا الشعر البني غير المألوف. ومما يثير الدهشة، أن ذلك أزعجه قليلاً، ووجد زيك نفسه يبتسم كلما رأى لون شعره الأصلي هذه الأيام. وصل زيك إلى الدرابزين في الوقت المناسب تماماً ليشهد نهاية المعركة المحتدمة في الفسحة بالأسفل. كان غرافيتاس وفولكانوس وآش يقاتلون ريا، العمالقة.

لم تكلف المرأة عناء التحول وكانت تواجههم بهيئتها البشرية بدلاً من ذلك. لم يكن ذلك ليجعل الأمر مفيداً لهم. غاصت عبر نيران فولكانو وتجاهلت ضربات آش دون أن تبذل أدنى جهد. استطاع غرافيتاس وحدها تشكيل أي تهديد لها. لقد اكتشفوا أن قوتها في التأثير على الجاذبية كانت رادعاً فعالاً بشكل مدهش ضد العمالقة. حتى في هيئتها البشرية، احتفظت ريا بمعظم كتلتها، مما جعلها عرضة بشكل خاص لسحب الجاذبية.

راقب زيك الرجلين وهما يلقيان بنفسيهما مراراً وتكراراً على ريا، فاعلين كل ما في وسعهما لإبطائها. كان هذا مدى استراتيجيّتهم. واقتصرت بالكامل على إبقاء غرافيتاس بأمان، مما سمح لها بإرهاق العمالقة. على حد علم زيك، لم ينجحوا بعد، حتى مع تخفيف ريا من حدة لكماتها لكيلا تؤذيهم. اشتعل فولكانوس وأطلق شعاعاً مركّزاً من الحجارة المنصهرة نحو العمالقة. غير أن الهجوم لم يؤثر عليها إلى حد كبير، وبدو عاجزاً عن إيذائها بأي شكل.

لم يكن الأمر مهمّاً؛ لقد كان مجرد إلهاء على أي حال. في اللحظة التي خفتت فيها النيران، تجسد آش خلف المرأة وطعن برمح في عنقها دون أدنى تردد. تفاجأ زيك برؤية السلاح يترك أثراً بالفعل. لقد كان إنجازاً ملحوظاً، إنجازاً كان ليصبح مستحيلاً لولا إبطاء غرافيتاس للمرأة بشكل كبير. ومع ذلك، لمن يعني أن العمالقة كانت بطيئة حقاً. أطلق الهواء صفيراً حاداً عندما سددت ركلة خلفية. متوقعاً الهجوم، كان آش قد عاد بالفعل إلى هيئته الضبابية بحلول الوقت الذي وصلت فيه قدمها.

لم ينقذه ذلك. تجسد جسده مجدداً بينما أُطلق آش بسرعة البرق، محلقاً في الهواء كقذيفة. تدفق الدم من فمه عندما اصطدم ظهره بشجرة. كشر زيك تعاطفاً. لا بد أن ذلك قد ألمّ. الآن وقد اختل التوازن، سرعان ما شارك فولكانوس وغرافيتاس المصير نفسه، مستلقيين على وجوههما في التراب. وبينما كانت ريا تضحك بملء فمها، كانت سنو تندفع بين الشيميروي الثلاثة المهزومين، مقدمة الماء ومضمّدة الجروح.

كانت الفتاة الصغيرة أضعف من أن تشارك في القتال، لكنها مع ذلك بذلت قصارى جهدها لدعم أصدقائها. ابتسم زيك وهو يرى فريقه يعود تدريجياً إلى شبه صحة. على الرغم من هزيمتهم البائسة، فقد أحرزوا تقدماً كبيراً منذ معركتهم الأولى ضد العمالقة. بالطبع، لم يقتربوا أبداً من الفوز، لكن ذلك لم يكن هدف التمرين على الإطلاق. بالحديث عن إحراز التقدم، لقد حان وقت انطلاقه. عاد زيك إلى غرفته وارتدى القميص الذي أُعدّ له.

كالعادة، كان مقاسه مثالياً وشعر بالراحة. لم يستطع إلا أن يتنهد وهو يتتبع النسيج بأطراف أصابعه. صُنع القميص من ألياف قطنية خاصة زرعها كاسيوس خصيصاً من أجله، ولمجرد لمسها الآن أعادت تلك الذكريات. لقد كانت تجربة سريالية حقاً. قام الجني حرفياً بتنمية القميص حول جسده، محيطاً إياه بالنسيج فوراً. في غضون لحظات، وجد زيك نفسه مزوداً بخزانة ملابس جديدة بالكامل، أكثر فخامة وراحة من أي شيء يمكن شراؤه بالذهب.

لم تكن هذه سوى الأولى من بين حوادث عديدة جعلت زيك عاجزاً تماماً أمام قدرات كاسيوس. بدا أن القليل فقط هو ما عجز الجني عن صنعه باستخدام سحر النمو. في البداية، ظن زيك أن تقييد المواد الطبيعية سيحد من فائدة هذه المدرسة السحرية. بيد أن كاسيوس لم يكن خاملاً طوال القرون الماضية. بدا جمعيه للبذور أو الشتلات أو الأبواغ بلا حدود، مما منحه إمكانية الوصول إلى العديد من المواد للعمل بها.

كانت أثمن قطع مجموعاته بعيدة كل البعد عن العادية: خشب بقوة الصلب لكن بمرونة فرع صفصاف؛ قماش بنعومة الحرير لكن بصلابة الجلد. بدا أنه لا نهاية للعجائب التي يستطيع الجني خلقها، وكما تعلم زيك، فإن العديد من تلك النباتات لم تكن موجودة في أي مكان في الطبيعة وقد تم تربيتها خصيصاً بواسطة الساحر نفسه. لقد كانت نتاج قرون من البحث وربما أثمن بكثير من وزنها ذهباً. والأكثر صدمة هو حقيقة أن كاسيوس استطاع تنمية تلك الموارد فوراً.

حتى عامل تقييد البذور لم يمثل مشكلة، حيث كان كل نبات مكتمل النمو ينتج وفرة من البذور الجديدة، مما جعله في وضع أفضل مما بدأ به. عندما رأى زيك الرجل أثناء العمل، تسلل شعور غريب إلى قلبه. لم يتمنَ أبداً، ولا مرة منذ لقائه بماكسيميليان، تغيير تقارباته، حتى تلك اللحظة. لقد شعر بالإحباط من إدراك أن هذا الشعور بالخلق الخام والنمو بلا حدود هو شيء لن يبلغ تحقيقه أبداً بسحره.

ولأول مرة في حياته، شعر زيك بالغيرة تجاه قدرات شخص آخر.

[Notice]

قل الكلمة فقط يا سيّدي، وسأجد سبيلاً لرتق تلك الهوة.

ابتسم زيك بمرارة لهذه الكلمات. أدركت أكاشا شعوره بالنقص فوراً، ولم تقبل الروح الأمر بطيبة خاطر. لم يستطع زيك حتى لومها. مشاعر الغيرة اللاواعية عنده كانت أشبه بطعنة في قلبها. فهي بالنهاية تلك القدرات التي كان يتذمر منها عياناً. تنفس زيك الصعداء، وأفلت القماش، وحاول تهدئة عقله. كان ظلمه لنفسه تاماً بعد كل ما فعلته أكاشا من أجله. أجبر زيك نفسه على الابتسام، وتفاجأ حين انقلبت ابتسامته صادقة بعد لحظة.

لم تكن أكاشا مخطئة ولا كانت كلماتها فقاعات جوفاء. هل كان ثمة شيء يعجز عن تحقيقه طالما بقيت إلى جانبه؟ لقد صنعا معاً الكثير بالفعل، بل نجحا في ابتكار تعويذة تمنح الروح شكلاً. اتسعت ابتسامة زيك حين تذكر وجه كاسيوس حين أراه شكل تعويذة تجسيد الدم. حدق الرجل الجني فيها لأكثر من ساعة قبل أن يهز رأسه متنهداً باستسلام. ثم شرح لزيك أنه غالباً لا مشكلة في شيوع التعويذة بين العامة، نظراً لاستحالة إتقان أي شخص آخر لتعويذة شديدة التعقيد كهذه.

حتى تعويذات مستوى سادة السحر عجزت عن مضاهاة دقتها. لم يستطع زيك إلا أن يشعر بالفخر. فهو قادر بالفعل على إلقاء تعويذات كهذه تقنياً. حسناً، كانت أكاشا هي من تفعلها تقنياً، لكن إنجازاتها كانت إنجازاته أيضاً، أليس كذلك؟

قال زيك وقد تحسنت حالته المزاجية: "لا تقلقي بشأن الأمر يا أكاشا. سنبتكر مدرستنا السحرية الخاصة قريبا. لنرَ من سيغار حينها".

بهذه الكلمات، غادر زيك غرفته وصعد الدرج الدائري المنحوت على طول الجدار الخارجي للشجرة. كان على موعد مع كاسيوس الذي يسكن الطابق الأعلى من حصن الشجرة الضخم. بعد لحظات قليلة، بلغ زيك بابه. انفتح البناء الخشبي الثقيل مع اقترابه حتى قبل أن يتاح له الوقت للطرق. وجد زيك كاسيوس في الداخل، جيئة وذهابا، وكأنه يمعن التفكير في أمر ما.

سأل زيك وهو يدخل الغرفة: "كل شيء على ما يرام؟".

توقف كاسيوس بغتة والتفت ليواجهه. استغرق الجني لحظة ليتذكر مكانه ومن وصل. وحين فعل، ظهرت ابتسامة خفيفة على محياه.

"آه، أنت هو يا بني. جيد، جيد. كنت أفكر في بعض ما قلته لي للتو".

"ماذا بالضبط؟".

"…الروح".

أومأ زيك فهمًا. بما أن وجود خاي زار قد انكشف بالفعل، فقد أُجبر على تقديم شرح أساسي عما يعرفه عن الروح، عازياً معرفته كلها إلى شعب جيجر. لكن حتى هذا القدر كان كافياً لهز الجني بعنف.

قال زيك: "إنه لموضوع فاتن، أقر بذلك. مع ذلك، لا توجد تطبيقات عملية تُذكر له سوى تعويذة تجسيد الدم الخاصة بي".

رمقه كاسيوس بنظرة مطولة، وكان زيك واثقاً تماماً أنها نظرة لسبر أغواره. بيد أن الرجل تراجع في النهاية مطلقاً تنهيدة عميقة.

"للأسف أنت محق. كنت أتمنى فقط أن تكون هناك أمور أخرى نتعلمها".

هز زيك كتفيه.

"هناك ما يكفي من الألغاز الأخرى لنكتشفها ولا أظننا سننفد قريباً".

نجح هذا في انتزاع ابتسامة صادقة من الجني.

"صدقت يا بني. أتريد أن ترى نتيجة تجربتنا الأخيرة؟".

أومأ زيك بحماس وتبعه. دخلا قريباً غرفة منعزلة ومظلمة تماماً. وما إن دخلا حتى هاجم أنفه عبق التراب الرطب، ممزوجاً برائحة الفطريات المميزة. كانت رائحة أرضية زكية وقوية، تملأ المكان بعبق النمو والحياة. تسللت خيوط من الضوء الأخضر الهادئ من الأعلى، ملقية توهجاً مخيفاً على صفوف الفطر الممتدة أمامهم، وقد لفت الظلال أشكالها. توقف كاسيوس أمام فطر بحجم حوض الغسيل، وتوسعت قلنسوته واستدارت، بملمس مخملي يستجدي اللمس.

وتمددت الخياشيم تحتها كالدانتيل الرقيق، كشبكة من الثنيات والنتوءات المعقدة. وحمل ساقه السميك والقوي سطحاً أملس، مستدقاً قليلاً نحو القاعدة حيث تجذر بقوة في التربة. وتراوح لون قلنسوته بين البني الكستوني الغني والمحروق، مع ومضات من درجات ذهبية تلتقط الضوء.

سأل زيك ببعض التشكك في صوته: "هذا هو؟".

قبل أن يخلد للننام، كان حجم هذا الشيء بحجم إصبع، إن لم يكن أصغر. من أين ظهر هذا المسخ فجأة؟ أومأ كاسيوس وبدت على وجهه علامة رضا.

"إنه كل ما طلبته. سريع النمو، سهل التربية، يزدهر في معظم الترب، وحسناً… من الأفضل غالباً أن تشمه بنفسك".

انحنى زيك ليتمم شمه. أصدر الفطر عطراً ترابياً خفيفاً، واعداً بمذاق لذيذ قد ينافس أشهى قطع اللحم.

سأل بحماس: "ماذا يحتاج لكي ينمو؟".

هز كاسيوس كتفيه.

"الكلاسيكيات، أظن: الرطوبة، والظلام، والأكسجين. أما عن المغذيات، فتتغذى الفطريات على المواد العضوية المتحللة في بيئتها المحيطة. وهي تفضل بالخصوص الركائز الغنية بالكربون، مثل الخشب المتحلل، أو السماد العضوي، أو الروث".

ابتسم زيك على وسعه. كان هذا بالضبط ما يحتاجه، ولم يندم قط على مشاركة بعض أبحاثه مقابل ذلك. فهو بالنهاية مسؤول عن الكثير من الناس الذين يعيشون في مكان مظلم للغاية — ناس بحاجة ماسة ومُلحة إلى مصدر غذاء مستقر ومستقل. لا بد أن هذا الفطر سينقذ أرواحاً كثيرة…

سأل كاسيوس: "أأنت راضٍ؟".

أومأ زيك بحماس.

"هذا أفضل حتى مما توقعت. أنت صانع معجزات حقيقي يا كاس!".

كان من الصعب التيقن في الظلام، لكن زيك أقسم أنه رأى الجني يبتسم بخجل طفيف.

قال الرجل: "تباً. كانت هذه لعبة أطفال بالنسبة لي. أشعر وكأنني استغلتك حقاً. خذ".

بهذه الكلمات، قذف كاسيوس كيساً نحو زيك يحتوي على بضع حاويات. فتح زيك إحداها ووجدها ممتلئة بأبواغ، مرجح أنها للفطر. لكنه ارتبك لسبب وجود عدة حاويات. فنظر إلى الجني منتظراً تفسيراً.

قال الجني مفسراً: "صنعتُ عدة نسخ. لا يمكن للمرء أن يأكل الشيء نفسه مراراً وتكراراً بالنهاية. ظننت أنك ستقدر نكهات متنوعة قليلاً".

رمش زيك مطولاً نحو الكيس. لا بد من وجود عشرة صناديق على الأقل، بما يكفي تماماً لتناول نكهة مختلفة كل يوم من أيام الأسبوع. ضم زيك الحقيبة إلى صدره. بغض النظر عما ادعاه كاسيوس، لم يكن هذا بالأمر الهين أبداً.

"شكراً لك".

لوح الرجل بيده رافضاً.

"لا حاجة لشكري يا بني. والآن، لنعد إلى عملنا؛ فما يزال هناك الكثير ليُنجز قبل أن ترحل".