بدت على وجه زيك ومضة ضجر، لكنّه كبحها سريعاً. لقد فقد أعصابه مرّة من قبل ولا يقوى على تكرار هذا التصرّف الصبيانيّ. أخذ نفساً عميقاً وانتظر حتى تخفّ حدّة غضبه. وما هي إلّا لحظات حتى تماوجت ملامحه واستوت، وراح زيك يستعرض حديثهما بأسره حتّى تلك اللحظة. كان كاسيوس قد نعته بالصبيّ — صبيّ لا يعلم شيئاً عن العالم — ولعلّه أصاب. في النهاية، زيك ليس إلّا فتى مراهقاً قضى جلّ عمره في قرية صغيرة نائية عند أطراف الحضارة.
إلا أنّ الجنيّ لم يلتقِهِ سوى اليوم. كيف له أن يتجرّأ على ادّعاء معرفة غاياته أو الوجهة التي سيسلكها دربه؟
سأل زيك بنبرة هادئة: "ما الذي ينتظرني في نهاية دربي؟"
أجاب كاسيوس دون تردد: "الموت والدمار."
انتظر زيك أن يفسّر الرجل تلك العبارة المشؤومة، لكن اتّضح سريعاً أنّ كاسيوس قد قال كل ما لديه.
"هذا كلّ شيء؟ الموت والدمار؟"
أومأ كاسيوس بثقة تفصح عن يقينه التامّ بصحّة قوله.
قطب زيك جبينه وقال: "إذن، ماذا تقترح؟ أن أتخلّى عن ثأري وأدع موت ماكسيميليان يذهب سدًى؟"
قال كاسيوس بجدية: "الموت يذهب سدًى دوماً. مهما كانت الظروف، فلن يُلغي الانتقام ما وقع بالفعل."
هزّ زيك رأسه: "إن لم نفعل شيئاً لردع الإمبراطور، فقد يبسط سلطانه على القارة بأسرها عمّا قريب، وأنا أرفض الانحناء لرجل كهذا."
عندها، رفع كاسيوس حاجباً.
"رجل كهذا؟ أخبرني أيّها الصبيّ: التقيْتَ إمبراطور أركانهايم يوماً؟"
هزّ زيك رأسه فاحمرّت وجنتاه خجلاً من هذا الإقرار.
"لم تُتَح لي الفرصة. بيد أنّني أستطيع استخلاص طباعه من أفعاله وحدها."
تساءل كاسيوس بلمحة سخرية في صوته: "أحقّاً تستطيع؟ فما هي تلك الأفعال التي تحكم عليه بناءً عليها؟"
شرع زيك يقول: "لقد أمر بموت..."
ثم بتر كلامه. حتّى هو أدرك مدى سخف تلك الحجّة.
أتمّ كاسيوس عنه: "...أمر بموت ماكسيميليان. هذا ما كنت ترمي إليه، أليس كذلك؟"
أومأ زيك. تنهّد الجنيّ بعمق.
"تلك هي مشكلتكم معشر الشباب. ترون العالم أبيض أو أسود. بينما الأمور في الواقع نادراً ما تكون بمثل هذه البساطة."
سأل زيك وقد تسلّلت مسحة ضجر إلى صوته: "فكيف تبدو الأمور على حقيقتها إذن؟"
على عكس ما توقع زيك، لم يُجب كاسيوس فوراً. بل غرق في تفكير عميق، آخذًا يداعب ذقنه الأملس ببطء وهو يُلّب في رأسه أمراً ما. وفي تلك اللحظة عادت ريا ووضعت قدحاً خشبيّاً من الشاي أمامهما. دهش زيك إذ رأى أنّها لا تحمل له أيّ ضغينة حقّاً. حتّى إنّها ابتسمت بلطف وهي تناوله شرابه. وما إن همّ زيك بارتشاف رشفته الأولى، حتى رمقه كاسيوس بنظرة فاحصة.
اعترف الجنيّ قائلاً: "لقد مضى وقت طويل منذ آخر زيارة لي للإمبراطورية. غير أنّه في آخر مرّة حلتُ بها، كانت مكاناً طيّباً للبشر. الناس شِباع، والنظام مسودّ، والمدن مزدهرة، والقرى مسالمة. أخبرني، ألا يزال الحال كذلك اليوم؟"
فكّر زيك في تجارب نشأته في الإمبراطورية. لم تكن الحياة مثاليّة، لكنّه حظي بطفولة هادئة نسبيّاً. لم تعانِ عائلته الجوع قط، وكان أهل بلدته الصغيرة يتكافلون. وبالمجمل، كان لديه القليل ممّا يشكو منه.
أقرّ مرغماً: "نجل..."
ألقى الجنيّ نظرة على الشيمروي، متنقّلاً بعينيه بين آش وغرافيتاس وفولكانوس، الواحد تلو الآخر. لاحظ زيك إطالة نظره إلى أعناقهم، حيث لا تزال البشرة تحمل آثار تغيّر اللون نتيجة سنوات من ارتداء طوق الرقيق. لم يمضِ وقت طويل على إزالتها ليختفي الأثر بأسره.
سأل كاسيوس بابتسامة خبيثة: "لقد أتيت من كوروفان، أليس كذلك؟"
أومأ زيك، مدركاً إلى أين يقود الحديث.
سأل الجنيّ: "كيف وجدْتَ العيش هناك؟"
تعوّجت شفتا زيك امتعاضاً. أراد أن يجيب بأنّه أحبّ البلاد نكاية بالرجل لا أكثر. بيد أنّه بعد ما رأاه في المدينة السفلية، عجز عن نطق الكلمات.
قال بدبلوماسية: "هناك متسع للتحسين."
سأل كاسيوس دون أن يتركه يفلت بسهولة: "وكيف تقارنها بأركانهايم؟"
قطب زيك حاجبيه وغرق في تفكير عميق. سيكون من المخادع ألا يأخذ السؤال على محمل الجدق، على الأقل. تذكّر طفولته وهو يلهو في شوارع فيلدشتات مع ماركوس وليلي، يبنيان رجال الثلج ويتخيلان أنهما ساحران... ثم تذكّر سوريا، الفتاة التي التقاها تحت كارل التندب الجمريّ. كانت مجبرة على القتال من أجل حياتها هناك، برفقة مئة روح تعيسة أخرى. كم بلغ عمرها حينها؟ في مثل سنّه؟ أم أصغر؟ زاد قطيب جبين زيك عمقاً.
غير أنّه لم يستطع كذب نفسه.
أقرّ قائلاً: "لم أقم هناك مدة كافية لأصدر حكماً قاطعاً. لكنّ بعض أجزائها أسوأ بكثير."
أومأ كاسيوس بوقار، دون أن يبدو عليه أيّ شعور بالانتصار لإرغام زيك على الإقرار بالنقطة. بل صمت، وبدت في عينيه نظرة شاردة. وبعد هنيهة من التأمل الهادئ، أفصح الرجل عمّا تجوّل في خاطره.
قال بصوت خافت: "لا أزال أذكر الزمن الذي لم تكن فيه إمبراطورية. زمن سبت توحّد النار والماء والريح والأرض."
مال زيك إلى الأمام، وقد أثار اهتمامه سماع المزيد. طالما تحاشى معلّموه للتاريخ الخوض في تلك الفترة.
قال كاسيوس: "لقد كان كابوساً حيّاً. التهمت النار الأرض، ودمرت الفيضانات المحصول، وتحولت الحقول إلى جبال، وعبثت العواصف بالريف."
هزّ الرجل رأسه كأنّه يعاين الدمار ماثلاً أمام عينيه.
"أتدري ما أسوأ ما في الأمر؟ لم يكن السحرة أكثر من تضرر، بل العامة. سحقوا حتى صاروا تراباً بالآلاف، عاجزين عن الوقوف في وجه بطش العناصر."
سأل زيك: "ماذا حدث؟"
رمقه كاسيوس بابتسامة خفيفة.
"ولد بطل وسط كلّ تلك المعاناة."
هبط قلب زيك. لم يعجبه وقع هذا الكلام.
أوضح كاسيوس: "تقول الشائعات إنه كان نابغة — على الرغم من بداياته المتواضعة. وإلى جانب عقله الحاد، قيل إنه بُرِك بإحساس قوي بالعدالة."
نظر كاسيوس في عينيه بملامح مرحة.
"أتراك تجرؤ على تخمين من يكون؟"
خمن زيك: "...الإمبراطور."
أومأ كاسيوس.
"أغسطس غايسترايش فون أركانهايم. لكنّهم لم يكونوا ينادونه في ذلك الوقت سوى بأغسطس، على ما أظن."
سأل زيك: "كيف أنهى الحرب؟"
رغم تردده في رؤية الإمبراطور سوى كمسخ، ستكون هذه المعلومات بالغة النفع له. للأسف، هزّ الجنيّ رأسه.
"لا أعلم شيئاً — لا أحد يعلم. جلّ ما يُعرف هو أنّه أنهى الحرب ووحّد البلاد بمعونة أربع أسر فحسب من بين العشرات، أسرة من كلّ عنصر."
أكمل زيك الحلقات المفقودة: "...فوياركْرانز، وفيلينروفر، وشتاينر، وفيندتانزير."
قال كاسيوس: "هذا صحيح. قيل إنّ تلك الأسر كانت مغمورة تماماً في ذلك الحين. ومع ذلك، وبمساعدتهم، تمكن من كسر التوازن وتوحيد البلاد."
غرق زيك في تفكير عميق. إمّا أن الإمبراطور يملك قوة شخصية طائلة، أو أنّه عبقريّ تكتيكيّ. وربما الاثنان معاً. بصراحة، بدا كلا الخيارين وارداً.
"هل التقيتَه يوماً؟"
أومأ كاسيوس.
"مرّتين. الأولى عندما كان شابّاً يافعاً، والثانية بعد أن غدا إمبراطوراً. بل إنّه عرض عليّ مقعداً في الإمبراطورية، على الرغم من... ظروفي."
قطب زيك جبينه. من حكايات كاسيوس، بدا الإمبراطور فرداً فذّاً، ومنارة للعدالة. غير أنّ زيك أدرك استحالة صحة هذا.
"كيف كان حين التقيته؟"
قطب كاسيوس حاجبيه بتركيز كأنّه يبحث عن الكلمات الملائمة.
ردّ بعد هنيهة: "في المرّة الأولى، كان ساحراً، وذكياً، ومفعماً بالأمل. وفي المرّة الثانية، كان... أكثر نضجاً، وأشدّ طموحاً. لا أعلم ما الذي جرى تحديداً خلال الحرب، لكنّها غيّرته جذريّاً لا محالة."
تعوّجت شفتا زيك: "أترى أنه إنسان صالح؟"
ابتسم كاسيوس لذلك.
"أرأيت؟ هذا ما كنت أقوله. الأمور نادراً ما تكون بيضاء أو سوداء، خيراً أو شرّاً. قد يكون الإمبراطور مسخاً في نظرك، لكن هذا لا يعني أنه لم ينقذ الآلاف، بل الملايين غيرك."
سأل زيك وقد فاجأه فضوله الخاص: "إن كان بمثل هذه البطولة، فلمَ يفتعل حرباً أخرى؟ ولمَ قتل ماكسيميليان؟"
هزّ كاسيوس كتفيه.
"ربّما يعتقد أنّ القارة بحاجة إلى التوحيد. أو لعلّ في جعبته غاية أخرى. من يدرك اليقين؟ أمّا عن بومباستوس... فصحّح لي إن كنت مخطئاً، ألم يكن ينوي خيانة الإمبراطور؟"
قبض زيك على كفيه.
"لقد فعل معلّمي ما رأى فيه الخير للناس!"
قال الجنيّ بمسحة حزن على وجهه: "ومن عساه يكون ليتخذ هذا القرار؟"
رمقه زيك بنظرة حارقة لكنّه عدِم الكلمات التي تدحض حجّة الرجل. تنهّد كاسيوس.
"دعني أتحدث بوضوح. لست الإمبراطور وحده من يتصرف هكذا. ما من حاكم يسمح بتوزيع تقنية التأمل هذه علانية. وإلا لعرّضوا أنفسهم لخطر التمرد."
عضّ زيك على شفته، عاجزاً عن دحض تلك الكلمات. لقد آثر ألا ينشر بحثه للأسباب ذاتها. من يدري كم من الوقت سيستغرق تحويل عمله إلى سلاح حرب؟
أصرّ زيك بعناد: "هذا لا يبرّر نزعته الحربيّة، أليس كذلك؟"
أومأ كاسيوس ببطء مقراً بالنقطة.
"السبب الوحيد الذي قد يبرّر الشر... هو درء شرّ أعظم. إن كان الإمبراطور قادراً على جلب السلام والوئام للقارة، فلعلّه محقّ في خوض هذه الحرب."
قطب زيك جبينه.
"تلك كلمات جريئة، تُلفظ بسهولة حين لا يكون بيتك هو ما يحترق. أخبرني، ألكان بمقدورك قول الشيء نفسه لو كانت روكيا مجاورة لأركانهايم؟"
تهرب كاسيوس: "...لا تتدخل الجنيّات في صراعات البشر."
قال زيك ببطء وهو يحدّق في عينيّ الرجل: "للأسف، لا نملك جميعاً هذا الترف."
أحنى كاسيوس رأسه: "قد تكون مصيباً. ومع هذا، فلن أبدل رأسي في هذا الأمر. فلن أنضمّ أنا أو زوجتي إلى قتالكم."
استنشق زيك الهواء بعمق، مسلّماً بأنّ الكلمات لن تُبدل رأسه.
قال وهو يجرع قدحه دفعة واحدة: "حسناً إذن. لن نزيدك إزعاجاً."
نهض زيك وتبعته الشيمروي بعد لحظة. بيد أنّه قبل أن يخطو خطوة واحدة، ناداه كاسيوس.
قال الجنيّ: "أرجوك يا بنيّ، ابقَ الليلة. مجرد اختلافنا في الرأي لا يعني وجوب افتراقنا بغضب."
توقف زيك، متروّداً العرض. لقد استسلم لحتف اللحظة، لكن لم تكن هناك حاجة فعلية لمثل هذا الانسحاب الدراميّ. الرجل لا يضمر له ضغينة بسبب أقواله، ومهما حاول زيك النكران، فإنّه فهم وجهة نظر الجنيّ. فضلاً عن أنّ الأدغال خطرة، لا سيما في الليل. وسيكونون بأمان أكبر إن مكثوا داخل بيت الشجرة الحصن هذا. فرك زيك مؤخرة رأسه بإحراج وهو يعود لمقعده، مقطّب الجبين نحو القدح الفارغ الذي جرعه على عجالة.
وحينها فقط لاحظ المذاق العالق على شفتيه. مهما كان محتواه، فقد ترك طعماً لذيذاً في الفم.
سأل باستحياء: "أمن الممكن الحصول على قدح آخر؟"
تهللت أسارير ريا.
"بالتأكيد! يمكنك تناول ما تشاء منه. فليس كلّ يوم نحظى بضيوف بعد كلّ شيء."
وبهذه الكلمات، وثبت خارج الغرفة. ابتسم زيك لهنيهة لتصرفات المرأة الأموميّة. المرء لا يحكم على الكتاب من غلافه أبداً. ثم أعاد اهتماما للجنيّ.
"شكراً لك على وفادتك."
لوح له كاسيوس بيده.
"هذا أقلّ ما يمكنني فعله بعد كلّ الأخبار التي حملتها إلي."
وفجأة، لمعت في عينيّ الرجل ومضة عجيبة.
"والآن، ما رأيك أن نحدثّ عن التعويذة التي استخدمتها آنفاً؟"
ابتسم زيك بخبث، قاصداً التحدي.
"يسرّني مناقشتها معك... فور أن تخبرني المزيد عن سحرك الخاص. النموّ، أليس كذلك؟"