بدون كلمة أخرى، استدار كاسيوس ومشى نحو الشجرة الكبيرة في وسط الساحة. ابتسمت زوجته التايتان التي تُدعى ريا للمجموعة قبل أن تخطو بخفة خلفه.
قال خاي زار: "سارت الأمور بشكل أفضل مما توقعنا".
استدار زيك ليواجه هيئة التنين البشرية، متأملاً مظهره. حتى هذه اللحظة، كان منشغلاً جداً بنجَاتهم لدرجة أنه لم يلاحظ شيئاً، لكن أمراً ما كان غريباً حقاً في هيئة التنين. شعر قرمزي، وعينان ذهبيتان، وحاجبان رفيعان مرتفعان، وأنف مستقيم، وشفتان رقيقتان...
سأل زيك بينما كان يدور حول الرجل: "لماذا تبدو هكذا؟".
مازح التنين بلا مبالاة بينما كان يتابع زيك بعينيه: "هل أنا وسيم إلى هذا الحد؟".
توقف زيك أمامه، وكانت وجهاهما على مسافة أقل من طول الذراع.
وقال: "تُشبهني تماماً...".
حين يراهما المرء جنباً إلى جنب، سيلحظ التشابه لا محالة. في الواقع، بغض النظر عن القرنين والأذنين، بدا الاثنان وكأنهما شقيقان. بدا التنين متفاجئاً، وهو يتلمس خطوط وجهه كأعمى. حين لاحظ شعره الأحمر، ظهرت نظرة حيرة على وجهه.
وقال: "هذا... غريب. لم أكن أبدأ هكذا سابقاً".
سأل زيك رغبة في معرفة المزيد عن ماضي التنين: "كيف كنت تبدو سابقاً؟".
ومع ذلك، تبددت آماله عندما بدأت هيئة التنين تذوب في اللحظة التالية. لقد كان مندهشاً جداً لدرجة أنه لم يتذكر حتى استخدام تعويذة الامتصاص، مما أدى إلى تناثر الدم عبثاً على الأرض.
تردد صوت التنين في عقله: "لدي بعض الأمور لأفكر فيها، فلا تزعجني".
تنهد زيك بيأس وهو يحدق في بقايا دمه وهي تختلط بالتراب. لم تكن هناك طريقة لإنقاذها الآن. التفت إلى باقي رفاقه الذين كانوا يحدقون به جميعاً، مما جعل زيك يقطب جبينه بقوة أكبر. لم يكن قد أخبر الكيميروي الكثير عن خاي زار، ومن المرجح أنهم اعتبروا زيك مستدعياً. ومع ذلك، لن يصمد هذا العذر الآن بعد أن رأوا هيئة خاي زار البشرية وسمعوا ريا تشير إليه باعتباره تنميناً. لم يكن يمانع إخبار آش، وغرافيتاس، وفولكانوس بالحقيقة، لكن سنو كانت مختلفة.
لم تكن تحت أي عقد فحسب، بل إنها لم تعده حتى بالحفظة على أسراره. حسب ما يعلم، كان بإمكانها جعل والدها يأسر فور وصولهم... صلبت نظرات زيك للحظة، لكن عزيمته تراجعت عندما التقت نظراته بنظراتها. لم تكن تنظر إليه عيني مخادعة داهية أو خائنة بلا رحمة، بل بعيني طفلة بريئة. كان هناك الكثير من الثقة في تلك النظرة، وكأنه الشخص الوحيد الذي يمكنها الاعتماد عليه في هذا العالم القاسي.
تنهد زيك مجدداً. كان عليه تدبر أمر ما. في الوقت الحالي، كان من الأفضل عدم إجبار مُضيفيهم على الانتظار.
قال مبتسماً للكيميروي: "لنذهب".
إن إظهار واجهة واثقة يقطع شوطاً طويلاً في تخفيف توترهم في أوقات كأ هذه. إلى ذلك، شك زيك في أنهم ما زالوا في خطر. أمثال كاسيوس لا ينكثون بوعودهم. على الأقل، كان يأمل ذلك. حدد زيك خطوات سريعة للحاق بالثنائي الذي كان قد قطع منتصف الطريق نحو الشجرة. بدا أن مُضيفيه كانا يمشيان ببطء متعمّد لمنحهم الوقت للحاق بهما. عندما اقتربوا من الشجرة، بدأ زيك يلاحظ بعض غرائبها. فأولاً، كانت الشجرة أكبر بكثير مما بدت عليه من مسافة بعيدة.
وبينما قد لا تعلو على الأشجار الأخرى كثيراً، إلا أن جذعها كان أثخن بفارق ملحوظ. كانت تشبه حصناً لا نمواً طبيعياً. تخللت سطحها نوافذ خشبية، حُفرت بسلاسة في القحاء وكأن الشجرة نفسها هي من صاغتها. والتفت شرفات على طولها صعوداً، لتمنح إطلالة على المشهد المحيط. وهناك، مستقرة بين الأغصان، كانت بوابة خشبية تمتزج بسلاسة مع المظهر الخشن للشجرة. وكأن الشجرة نفسها قد صُنعت على هيئة مسكن فخم.
نادت ريا من الأمام: "أليس كذلك؟".
أومأ زيك برأسه وبقيت نظراته مثبتة على الشجرة. لم يره شيئاً يماثلها من قبل، ولم يعتقد أن ذلك ممكن حتى.
اعترف بصدق: "لم أكن أعلم أن سحر الطبيعة قادر على مثل هذه العجائب".
أجاب كاسيوس: "إنه ليس كذلك".
وبدلاً من الشرح، رمقه الرجل بنظرة ذات معنًى وصمت. غرق زيك في تفكير عميق. كان هذا اختباراً بوضوح. ولكن ما الإجابة؟ صرح كاسيوس بأنه ليس أمراً قابلاً للتحقيق بسحر الطبيعة. أيعني ذلك أنه لم يكن هو من فعله؟ لا، بدا ذلك غير مرجح. هل استخدم سحر الحياة عوضاً عن ذلك؟ كان ذلك مستبعداً بدرجة أكبر. لا يمكن لسحر الحياة أن ينتج شيئاً كهذا. ألقى زيك نظرة على كاسيوس، آملًا في استخلاص تلميح من تعبيرات القزم.
ومع ذلك، كان الرجل يراقب تعبيرات غامضة، مما ترك زيك يقطب جبينه حيرة. لن يساهم هذا في حل الأمر. كان يفكر في الأمر بطريقة خاطئة. لا بد أن الحل شيء يتوقعه كاسيوس من طالب لمكسيميليان أن يتمكن من استنتاجه. مكسيميليان... كاسيوس... فجأة، بدأت القطع تتبوأ أماكنها. تماماً كما دمج مكسيميليان بين سحر النار والأرض لخلق الانفجارات، لا بد أن كاسيوس قد دمج تقاطعاته أيضاً...
تمتم زيك، مع أنه بدا بصوت عالٍ كفاية ليسمع القزم كلماته: "إنه مزيج من سحر الحياة والطبيعة".
قال كاسيوس: "هذا صحيح تماماً. أسميه سحر النمو".
كرر زيك بذهول وهو يحدق في الشجرة الكبيرة: "سحر... النمو...".
وفجأة، بدأ معنى تلك الكلمات يتسلل إلى ذهنه.
"أيعني... أيعني هذا أنك أنبتَّ تلك الشجرة بنفسك؟".
لم يرد كاسيوس، لكن ابتسامة مغرورة علت شفتيه. أما زوجته، فكانت أقل تحفظاً بكثير.
فقد نفخت صدرها بزهو وهي تروي مآثر زوجها البطولية: "أنبت كاس ذلك الشيء برمته من مجرد بذرة. ولم يستغرق منه أكثر من ساعة. حتى إنني أُعجبت بذلك".
ألقى زيك نظرة متبادلة بين الاثنين وعقله يدور. إذا كانت ريا تقول الحقيقة، فإن زوجها كان قادراً على فعل ما يفوق بكثير قدرة أي ساحر طبيعة آخر. وبينما استطاع أولئك التحكم بالنباتات وتحفيز نموها، لم يكن الأمر بمثل هذه الروعة الاستثنائية. وتقول الشائعات إن الأمر يستغرق الأقزام عقداً كاملاً لتربية إحدى شجرهم الفاخرة. لكن كاسيوس؟ استطاع فعل ذلك في ساعة. والأكثر من ذلك، أنه ربما استطاع إنبات ما يكفي من الطعام لإعالة آلاف البشر...
جيش حرفياً! تألقت عينا زيك بنظرة جشعة. لو استطاع جلب هذا الرجل إلى صفه، لربما استطاع تسريع خططه. وبينما كان غارقاً في أفكاره، بلغت مجموعتهم البوابة، كاشفة عما بداخل الشجرة. ما استقبلهم كان غرفة شاسعة وواسعة، ومؤثثة بالكامل بكل ما هو مصنوع من الخشب، أو الأوراق، أو الطحالب، أو مواد طبيعية أخرى. ومما لفت الانتباه، لم يظهر أي شيء محفوراً أو مقطوعاً؛ بل بدا أن كل قطعة أثاث اتخذت شكلها المنشود بشكل طبيعي.
أثنى زيك بصدق: "هذا... مثير للإعجاب. لم أكن أدرك أن الاندماج بين العناصر يمكن أن يكون بهذه القوة".
ألقى كاسيوس نظرة غريبة على زيك.
"أهذا حقاً ما يجب أن يقوله طالب لمكسيميليان؟".
تجهم زيك.
"لم يعلمني... معلمي الكثير عن اندماج التقاطعات".
تحولت نظرة كاسيوس لتصبح أغرب.
"لكن... لديك ثلاث تقاطعات بنفسك".
أومأ زيك برأسه، مما دفع كاسيوس إلى هز رأس بتنهيدة.
"لا أعرف ما الذي يدور في ذهن ذلك الرجل".
بدأ زيك قائلاً وهو يقمع الغصة التي بدأت تتشكل في حلقه: "هو..."
ثم تابع: "لم يُمنح الفرصة ليعلمني".
قطب كاسيوس جبينه.
"أجبروه على تولي منصبه القديم مجددًا؟ سمعت أن حرباً كانت تلوح في الأفق، لكني لم أعتقد أنهم سيصلون إلى هذا الحد..."
هز زيك رأسه وهو ينظر إلى كاسيوس بتعبير حزين.
"معلمي ميت".
كان الصمت الذي لف الغرفة كثيفاً لدرجة أن زيك استطاع سماع صوت دقات قلبه وهي تتردد كصوت طبل حرب. وفي هذه الأثناء، كان كاسيوس يحدق في الفراغ، وتراوحت تعابير وجهه بين الصدمة والحيرة، ثم المرارة، ومجموعة لا حصر لها من المشاعر الأخرى التي لم يستطع زيك تحديدها. في نهاية المطاف، هدأ وجه الرجل، مما جعله يتنهد بعمق.
"يبدو أنني بعيد عن العالم لفترة طويلة جداً".
أشار إلى مجموعة من الكراسي وُضعت حول طاولة.
"تفضل بالجلوس".
امتثل زيك، وجلس في المقعد المقابل للقزم. وبناءً على حثه، وجد الكيميروي أيضاً أماكن للجلوس، بينما اختفت ريا في غرفة أخرى شك زيك في أنها المطبخ، حُكماً على الأصوات التي استطاع سماعها.
سأل كاسيوس بصوت خافت: "أستخبرني كيف حدث ذلك؟".
أومأ زيك برأسه وبدأ يروي الأحداث التي وقعت في الإمبراطورية. تحدث عن أبحاث التأمل الخاصة بهم وخططهم لتوزيعها على نطاق واسع عبر القارة. وتحدث عن خيانة فيكتور فينتانزر وكمين الموانئ. وحين استذكر تلك الأيام، تفجرت مشاعر قديمة كادت تُنسى على السطح، مشعلة غضبه مرة أخرى. ومع نهاية القصة، كان زيك يضغط على حافة الطاولة بقوة شديدة حتى تحولت مفاصل أصابعه إلى اللون الأبيض، وانطبق فكاه في غضب صمت.
“…بعد أشهر، علمت أنه مات في السجن”.
انتزع زيك الكلمات عبر أسراره المطبقة، وكانت ذكرى الحدث تحترق في عقله وكأنها وقعت بالأمس فقط.
قال كاسيوس بعد صمت طويل: "أرى ذلك".
هز رأسه وتنهد بعمق.
"ما توقعت قط أن يصلوا إلى هذا الحد".
بعد لحظة من الصمت، رمق زيك بنظرة، ملاحظاً حالته العاطفية.
"أفترض أنك تنوي الانتقام؟".
أومأ زيك بحزم.
"أنا فاعل".
هز كاسيوس رأسه مرة أخرى، متنهداً بصورة أعمق.
"يا لها من حماقة..."
حدق فيه زيك بغضب.
"ماذا؟! أأفترض بي أن أدس رأسي في الرمل ولا أفع شيئاً؟ بعد ما فعلوه به؟!".
أجاب كاسيوس بلا مبالاة: "بصراحة؟ نعم. سيكون ذلك الخيار الأذكى".
حدق زيك في الرجل أمامه وقد استبد الغضب والخيبة بعقله: "سيكون خيار جبان!".
أطلقها بسخرية: "ما كان لي أن أتورع عن توقع أي شيء آخر! أنتم الأقزام لا تجرؤون حتى على القتال وسكين على الرقبة!".
أدرك زيك أنه تمادى كثيراً بمجرد خروج الكلمات من فمه. وفي الوقت ذاته، سمع صوت شيء يرتطم بالأرض. وحين التفت نحو الصوت، رأى ريا تقف فوق صينية واقعة، وقد تناثرت الأكواب على الأرض. تجمدت المرأة العضلية في مكانها وثبتت نظراتها على زيك بغضب لم يره من قبل قط.
"ماذا... قلتم... للتو؟"
خرجت الكلمات واحدة تلو الأخرى، وكل منها ينقط برفض التصديق. وبدت كصوت الرعد في صمت الغرفة المتربص. قبضت المرأة على قبضتيها، ورأى زيك الموت في عينيها. ومع ذلك، قطع صوت لطيف التوتر قبل أن يحدث أي شيء.
وبخها كاسيوس بصوت خافت: "حسبك يا ريا"، مما جعل زوجته تنظر إليه بعيون مشككة.
ذكرها: "إنه طفل. لا يدري ما يقول".
بعد لحظة طويلة خانقتها الأنفاس، بسطت ريا قبضتيها وأومأت، قاضية بكلمات زوجها. ابتسم كاسيوس بحرارة.
"أستصنعين لنا بعض الشاي الإضافي؟".
أومأت ريا بصمت وعادت إلى المطبخ بعد أن رمت زيك بنظرة غاضبة أخرى. تبع رحيلها لحظة من الصمت المربك، ولم يكسره سوى حديث زيك.
قال ورأسه منحنى: "أنا آسف. سمحتُ للغضب بأن يتغلب عليّ".
لوح كاسيوس بيده مطمئناً: "لا تهتم يا بني. ما كان لي أن أتحدث باستهتار أيضاً. ففقدان عزيز ليس أمراً يُستهان به...".
ألقى زيك نظرة نحو الباب بنظرة توسل في عينيه.
"أستخبر زوجتك بذلك؟".
تضحك كاسيوس بخفة.
"لا تقلق. لن تحقد. ليس ذلك من طباعها".
أومأ زيك بصمت، مما أتاح لموجة أخرى من الصمت أن تخيم على الغرفة. ومع ذلك، كانت هذه المرة مريحة بدرجة أكبر بكثير. ومرة أخرى، كان هو من بادر بالكلام أولاً.
اعترف زيك: "حين علمتُ بصلتك بمعلمي، كنتُ أتمنى أن تنضم إليّ في مسعاي...".
وبعد أن أحرج نفسه بهذا القدر، قرر أنه من الأفضل أن يكون صادقاً بشأن نواياها. فلم يكن بمقدوره أن يجعل الأمور أسوأ، على أي حال. أومأ كاسيوس بجدية.
"خمنت ذلك".
سأل زيك: "لن تساعدني؟".
هز كاسيوس رأسه بلا تردد لحظة واحدة.
"لا".
"أيمكنني معرفة السبب؟"
صمت كاسيوس، وقرع بأصابعه على الطاولة بنمط إيقاعي بينما كان يحدق في الفراغ.
قال أخيراً: "لأنني... أستطيع أن أرى إلى أين يقود مسعاك".
وحدق مباشرة في عيني زيك بتجدد حدة.
"...ولا يعجبني ما أراه في نهايته".