ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 301 — كاسيوس

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 301 — كاسيوس باللغة العربية على مانجا تايم.

بلَّ شفتيه. يبحث عن الكلمات الملائمة. لم ينوِ الكذب. لكن كلمات خاي زار دلت على أن حتى سوء فهم بسيط قد يقود إلى مواجهة. كم كانت هذه القاعدة صارمة بالضبط؟ دعتْه المرأة قبل قليل نصف تننين على سبيل المثال. أكان تركتها من دون تصحيح أمراً صائباً أم عُدَّ ذلك خداعاً سلفاً؟ قطب جبينه بعمق. كره خوض ألعاب لا يعرف قواعدها حتى. مع ذلك. بالحكم على نظرتها المتحمسة. فات الأوان للتراجع عن هذه المحادثة.

قال زيك ليتجنب أي مخاطرة غير محسنة ريثما يستكشف طباع المرأة: "أنا بشرٌ لست تننيناً".

بدت مفاجئة لههنّة. فرمشت نحو خاي زار بطرف عينها.

سألت بإيماءة تجاه التنين: "إذن. هو ليس أباك؟"

كاد يشرق بسماعه ذلك. خاي زار؟ أبوه؟ لم قد تظن هذا؟ انتظر... استطاعت المرأة استشعار الجوهر التنيني داخله بوضوح. ربما أدركت تشابههما أيضاً. ألهذا بدت بالغة الدهشة؟ غرق زيك في تفكير عميق. إن صحت فرضيته. فقد لا يكون كشف طبيعة علاقته بخاي زار الخيار الأفضل. فمن يتوقع كيف سيتفاعل فرد من العصور القديمة عند علمه بأمر رباطهما؟ في أوقات كهذه. تمنى لو أفصح التنين أكثر عن تقاليد شعبه.

قد يكون قلق بلا سبب. أو ربما مسألة حياة أو موت. على أي حال. لم يملك سبيلاً لمعرفة ذلك. ومهما يكن الأمر. وجب عليه الرد قبل أن تشتبه باخفائه شيئاً.

أكد زيك: "هو ليس أباك. لكن هذا كل ما سأقوله بشأن علاقتنا".

حدقت فيه التايتنة مطولاً. وشعر باقتراب يقينه من أنها ستنتزع الحقيقة منه ضرباً بأي لحظة. بيد أنها لم تفعل شيئاً من ذلك. بل ابتسمت. وأجالت نظرها بين الاثنين.

وأومأت: "حسنٌ جداً. ليس شأني التدخل في روابطكم العائلية أيها التنانين. احتفظ بأسرارك إن شئت".

سرت موجة ارتياح في صدره. بدا أن المرأة تكتفي بعدم التدخل لحسن الحظ. والأهم من ذلك أنها دعتْه تننيناً مرة أخرى. يعني هذا أنها لم تهاجمه رغم عدم تصديقها تصريحه السابق. هناك خيط رفيع يمكن استنباطه من ذلك. خطر بباله تفسيران محتملان. افترض الأول أنها ظنته نطق بما اعتقد أنه الحقيقة. حتى لو جانبت الواقع. والاحتمال الآخر أنها اعتقدت إعلانه انتماءه للبشر رغم معرفته بأصوله التنينية.

على كل حال. صحح زيك سوء فهمها مسبقاً. ولا أحد يستطيع المجادلة بأنه لم يحاول التحلي بالصراحة هنا.

تنحنح مركزاً على الحاضر مجدداً: "أيمكنني طرح سؤال أيتها السيدة؟"

أومأت له بمسحة دفء على محياها: "يمكنك ذلك يا بني".

"أتريدين شيئاً آخر منا أم أننا أحرار في الذهاب؟"

مررت بصرها على مجموعتهم قبل إعادة انتباهها إلى زيك: "لست متأكدة إن كانت فكرة ترككم تذهبون سديدة. مهما أنظر للأمر. مجموعتكم بالغة الريبة".

هوى قلبه بسماع كلماتها. لمَ لا تهون الأمور قط؟

تحول نظره إلى الجدية حين تلاقت أعينهما: "إذن ما مقترحك أيتها السيدة؟ لا تبدو ثمة طريقة سهلة لنثبت براءتنا أليس كذلك؟"

ابتسمت له: "بلى. سأصحبك لرؤية زوجي. سيعرف ما ينبغي فعله".

رمش في وجهها: "ز… زوجك؟"

أومأت بابتسامة عريضة على شفتيها: "إنه رجل ذكي للغاية".

سأل بحذر: "أهو… تايتان أيضاً؟"

هزت رأسها بتعبير مشكك: "كم منا تعتقد أنه هنا يا بني؟ بالطبع ليس تايتاناً".

قطب جبينه عاجزاً عن فهم المغزى وراء كلماتها: "ماذا تقصدين؟"

"لم ألتقِ بتايتان قط منذ مغادرة الجزيرة يا بني. بفضل قواعد الحارس وأولئك الدرويد اللعينين تقل ضآلة النجاة عبر البوابة عن…"

قطعت كلامها في منتصف الجملة ناظرة إلى خاي زار بنظرة اعتذار.

ثم أعادت انتباهها لزيك بعد لحظة: "على أي حال. متأكدة أن… عريمه… أقصد قريبك سيخبرك بكل ذلك حين تكبر".

التفت إلى خاي زار بفضول حيال ما يخفيه التنين أيضاً. واهتم بصلته بالدرويد. انطبق في ذهن زيك بوضوح لسبب ما أن مهرجان الدرويد الغامض مرتبط بهذا الوضع. أبدى خاي زار وقتها رد فعل قوياً حين سمع الرجل يتحدث عن ذلك. لكنه موضوع لوقت آخر.

جسّ نبضها: "إذن زوجك بشر؟"

غمزت له: "شيء من هذا القبيل".

لكن الكلمات خرجت مشوهة لانتقالها لهيئتها التنينية بالفعل. بعد لحظة شعرت قدميه بتحرك الأرض تحتها. بينما جرفت يد ضخمة رقعة الأرض التي تقف عليها مجموعتهم. بدا الرماد وفولكانوس وغرافيتاز مصدومين بينما تشبثت سنو بذراع زيك بقوة مهلكة. وحدها خاي زار احتفظ بهدوئه ملقياً نظرة على بحر الأشجار بتعبير متأمل. سواء أكانت زائفة أم لا. شكل سلوك التنين المسترخى مصدر ثقة لزيك وسمح له بالحفاظ على رباطة جأشه أيضاً.

لم يملك سوى الأمل في أن يكون هذا الزوج الغامض أكثر عقلانية من زوجته.

* * *

أصيب زيك بالذهول أمام مساحات الخضرة الشاسعة التي تتطاير من حولهم. في دقائق معدودة قطعوا مسافة أكبر ممّا قطعوه في ساعات. لو لم يكونوا في خطر لطلب زيك من التايتان أن تبلغ بهم الطرف الآخر من الأدغال. لكانت قادرة على إيصالهم إلى هناك في أقل من يوم على الأرجح. تنفس الكيميروي، وسنو معهم، الصعداء أخيراً. بات واضحاً لهم جميعاً أن التايتان لا تضمر لهم سوى الخير. أو هكذا يبدو في الوقت الراهن.

راحوا يستمتعون بالهدوء بعد تلك الرحلة المنهكة. لم يصادفوا وحشاً قط يتجرأ على الوقوف في طريق التايتان، وظن زيك أنه لا توجد كائنات كثيرة كهذه في أيروك بأسرها. حين تباطأت خطوات التايتان الثقيلة لمح زيك مساحة خجولة من الفراغ. تتوسطها شجرة فريدة وضخمة للغاية. تبدو غريبة كلياً عن نباتات الأدغال بألوانها وحجمها وأوراقها وثمارها. تيقن زيك تماماً أنها دخيلة على هذه الغابة.

أنزلتهم التايتان برفق إلى الأرض، مزاحة بعض التراب لتوفر مساحة للقعة التي يقفون عليها. أُعجب زيك بيسر تلك المرأة وهي تعيد تشكيل التضاريس. لو أرادت لسوت قرية بشرية بالأرض في لحظات. لا عجب إذن في أن جنسها يهابه الجميع. التفت بنظره نحو خاي زار، مسكوناً بفضول جامح تجاه قدرات التنّين البالغ. زعمت الأساطير أن التنانين هي الأقوى بين الاجناس القديمة، رغم أن زيك لم يلمس دليلاً واحداً يثبت صحة ذلك الادعاء.

وما مشاهدته للتايتان حية إلا وقود زاد فضوله اشتعالاً. انقطع حبل تفكير زيك على إثر ومضة حركة لرجل يخرج بين الأشجار القريبة. طويل وفارع، بشعر أخضر منساب يحيط بوجه وسيم. يستحيل تحديد عمره لخلو وجهه من أية تجاعيد، غير أن هيبته توحي بقدمه في الأرض. وأكثر ما يسترعي الانتباه تلك الأذنان الطويلتان المدببتان البارزتان من بين خصلات شعره، لتعلنا بلا شك أنه من العلف. راح الرجل يرمقهم واحداً تلو الآخر، مقيماً كل فرد في مجموعتهم بنظرة فاحصة قبل أن يرفع بصره لأعلى.

"ما معني هذا يا ريا؟"

ردت التايتان متبدلة الهيئة مجددة، ومستقرة على خطوة واحدة من الوافد الجديد.

"شعرت بحضور فاستبد بي الفضول"، قالت المرأة بمرح.

"اثنان منهم تنانين".

"اثنان؟"

سأل الفتي وهو ينقل بصرياته بين خاي زار وزيك، مطيلاً النظر في الأخير أكثر مما يريح زيك. علت وجهه ملامح تركيز عميق كمن يحاول حل لغز معقد. وما لبثت تلك الملامح الصارمة أن تليّنت.

"أمر مثقير"، قال الرجل.

"لقد مرّ وقت طويل منذ أن رأيت تعويذة بهذه الدقة".

اتسعت عيناك زيك دهشة. هذه هي المرة الأولى التي يدرك فيها أحدهم أن [تجلي الدماء] خاصته ليست سحر استدعاء في الواقع. لكن إن كان هذا الرجل قادراً على كشف كل ذلك بنظرة واحدة، فما عساه يرى أيضاً؟

"من تكون؟"

سأل زيك، كابماً صوته بالعافية كي لا يرتجف. طرف الرجل ببهاء بومة.

"معذرة"، قال في النهاية، محنياً رأسه بقليل من التواضع.

"يبدو أن الابتعاد الطويل عن الحضارة قد أفسد أخلاقي. اسمي كاسيوس".

شعر زيك بحكة غريبة في عقله، واثقاً أنه سمع هذا الاسم من قبل. لكن بالنظر إلى صمت أكاشا، لابد أن ذلك حدث منذ أمد بعيد. ومع ذلك، لم يخلص من إحساسه بأن هذا الرجل يحمل شأناً مهماً.

"أمن روكيا أنت يا سيد كاسيوس؟"

جس نبضه زيك. رفع الرجل حاجباً أمامه.

"كان هذا تخميناً موفقاً".

"كنت محظوظاً لا أكثر"، رد زيك بتواضع.

في الحقيقة، لم يكن الأمر عسيراً. فخارج غابات العلف، تعد بلاد روكيا الموطن الوحيد الذي يقطنونه. وكان معلوماً للجميع أن علف الغابات قلّما يغادرون ديارهم.

"أتسمح لي بسؤال الآن أيها الصديق الشاب؟"

سأل الرجل. أومأ زيك برأسه، مسروراً بلقاء شخص سلس هكذا. بيد أن انطباعه انقلب رأساً على عقب لحظة هبطت عليه ضغطة مرعبة. كانت مانا الرجل واسعة كالبحر، تخنق الأنفاس وتنعشها في آن واحد.

"من معلمك؟"

سأل الرجل بصوت حاد. لم يبقَ أثر للمرح الذي أبداه قبل قليل على وجهه الوسيم. من طرف عينه، لمح زيك رفاقه وقد وقعوا في الشرك هم أيضاً. نبتت نباتات غريبة من الأرض، محيطة بهم بالكامل حتى أكلتهم. حتى نيران فولكانوس أثبتت عجزها التام في مواجهتها. وحدها سنو وخاي زار بقيتا طليقتين، على الأرجح لكونهما أضعف من تشكلا أي خطر.

"من معلمك؟"

أعد الرجل سؤاله.

"من علمك تلك التعويذة؟"

حاول زيك التركيز، لكن الضغطة الرهيبة عليه جعلت التفكير السليم مستحيلاً. وفوق ذلك، باءت كل محاولاته لجمع المانا بالفشل، لعدم وجود ذرة واحدة من توافقياته في الجوار. لقد سحقه الرجل تماماً بلا شيء سوى ضغطه المحض.

"أجبني"، أمر الرجل، محولاً صوته إلى جليد.

التقط زيك أنفاسه بصعوبة، دافعاً بالحروف الوحيدة التي استطاع تفكيرها: "ماكسيميليان... فون... هوهنهايم".

عمت لحظة من التوتر عقب كلماته. ثم في جزء من الثانية، تبدد الثقل الواقع على زيك كأنه لم يكن سوى كذبة. سقط على ركبتيه، شارباً هواء الغابة الرطب بشراهة.

"هذا مستحيل"، قال الرجل.

"لم أسمع قط أن ماكسيميليان اتخذ تلميذاً".

نهض زيك، ماسحاً المخاط عن وجهه بحركة سريعة. واجه نظرات الفتي بعزم راسخ. لقد تذكر أخيرًا أين سمع اسم هذا الرجل من قبل. فاسم ماكسيميليان، إلى جانب التوافقيات اللتين شعرهما للتو، قدّما له المفاتيح.

"أخبرني ماكسيميليان ذات مرة أن ثلاثة أشخاص فقط تمكنوا من اختراق مستوى رئيس السحر رغم امتلاكهم لتوافقيات متعددة".

رفع زيك إصبعاً واحدة.

"هو نفسه، مستخدماً سحر النار والأرض ومدمجاً إياهما في تركيبة متفجرة. وقد نال لقب بومباستوس نظير إنجازه".

رفع إصبعاً ثانية.

"أوريليا ثورستن، مسخدمة سحري الحياة والموت. لقد بلغت قمة مرتبتها منذ زمن وتُعد أقوى رئيسة سحر في القارة".

رفع زيك إصبعاً ثالثة، ملاقياً نظرات الرجل الفتي.

"...وأخيراً، كاسيوس ليفليس، الابن غير الشرعي لملكة العلف، ومستخدم سحر الحياة والطبيعة".

صمت الرجل طويلاً، محدقاً في زيك بنظرة يستحيل سبر غوارها. ثم فجأة، اختفت الكروم التي كانت تمسك بالكيميروي، محررة أسراهم. تليّنت ملامح كاسيوس قليلاً، رغم بقاء مرارة عالقة في عينيه.

"إذن فالأمر حقيقي"، قال متنهداً.

"حسناً، يمكنكما الدخول. إكراماً لماكسيميليان، ستلقيان ضيافتي".