قال زيك للمرة العاشرة على الأقل في الساعة الأخيرة: "لا بدّ أن تكون هذه أسوأ مغامرة في التاريخ".
بدأت رحلتهما الاستكشافية بشكل جید، لكن كيف آلت الأمور إلى هذا؟ عثرا في أسبوعهما الأول من الترحال على أنفسهما في غابات وجبال وسهول، يقاتلان الوحوش وينقذان المسافرين، وكلّ ما أمل زيك أن يكتشفه. غير أنه بعد الوصول إلى مدينة باومغارتن الصغيرة، بدأ المطر بالهطول. وها قد مرّ أسبوع، وما زال المطر ينهمر. ظلا عالقين في هذه المدينة الصغيرة طوال أسبوع، وعجزا عن متابعة رحلتهما بسبب الهطول المتواصل.
حاولا استغلال الأمر قدر الإمكان، فاستكشفا المدينة وزارا متاجرها ونزلها المتنوعة. بيد أن المطر المستمر خفّض معنوياتهما، وبدآ يشعران بالتململ والملام شيئاً فشيئاً. توقّع زيك مغامرات كبرى ومعارك مثيرة. توقّع رؤية أماكن جديدة ولقاء أشخاص جدد، لكنهما عوضاً عن ذلك حُصرا في هذا المكان الكئيب، بلا عمل سوى الانتظار. التفت ناظراً إلى فيولا، ظانّاً أنها لابدّ مستاءة هي الأخرى بحلول الوقت الحاضر، فإذا الفتاة قد استغرقت في النوم مجدداً.
تنّهد ومشى نحو نافذة الغرفة التي استأجراها في النزل المحليّ. تطلع إلى الخارج فألفى المطر ما زال يهمر بلا أفق لنهايته. لم تكن هذه هي الطريقة التي حلم بأن تجري بها مغامرته، إذ ضاع بالفعل أسبوع من أسابيعه الثمينة الثلاثة داخل نزل. ولم يتبقَّ له سوى أسبوع واحد فحسب.
قال مجدداً وبصوت تكهف فيه مسحة من الهزيمة: "لا بدّ أن تكون هذه أسوأ مغامرة في التاريخ".
تنهد زيك مرة أخرى وتوجه نحو حقيبته ليخرج إحدى الأدوات التي أعطاه إياها ماكسيميليان ليتدرب على سحر العقل خلال العطلة الصيفية. ربما لم يحظَ بأي مغامرات كبرى بعد، لكن سحره يحرز تقدماً عظيماً على الأقل، أو هكذا حاول أن يرفع معنويات نفسه. وفي الواقع، قضى معظم الوقت الذي حبسا فيه في التدرب على سحره. أمّا فيولا، فبدا أنها نامت طوال الأسبوع منذ وصولهما. خامرت زيك شكوك بأن فيولا قطة أكثر منها إنساناً، فهي تستطيع النوم لأيام كاملة بلا أدنى مبالاة.
ولم يستطع منع نفسه من الشعور بقليل من الحسد تجاه قدرتها على النوم متجاوزة هذا الملل، في حين يتوجب عليه إيجاد طرق لتسلية نفسه. وحين جلس للتدرب، ذكّر نفسه بأنه يحرز تقدماً في سحره على الأقل، وتلك غاية يفتخر بها. سُمع دُقّ على الباب، ودخلت فتاة صغيرة بعد لحظات قصيرة. كانت الفتاة المعنية ابنة صاحب النزل، وقد تعرّف عليها زيك وفيولا طوال الأسبوع المنصرم. دفعت أمامهما طعام الغداء على عربة صغيرة، إذ لم يعد الاثنان يغادران للنزول وتناول وجباتهما بعد الآن.
تقدمت الفتاة نحو السرير والتقطت قطعة سمك مقلية من الطاولة ودلتها بحذر فوق أغطية السرير. وفي اللحظة التالية، حدثت حركة خاطفة واختفت السمكة من يديها. وسُمعت أصوات متخفية من اللذة تنبعث من تحت الأغطية بينما كانت فيولا تلتهم فريستها. مسحت الفتاة عرقها البارد بخوف طفيف وتوجهت نحو زيك. ألقى إليها زيك بقطعة نقدية فضية وهنأها على اجتياز يوم آخر دون فقدان أي إصبع. انتفشت الفتاة وبدت فخورة بشكل غريب.
ترافض الحديث لفترة بين زيك وفريدا ابنة صاحب النزل، قبل أن يشكو لها زيك من وجود نقابة مغامرين ضخمة هكذا في هذه المدينة الصغيرة، بلا أي عمل. أخبرته فريدا أن السبب يعود إلى الآثار تحت الأرضية.
وجاراها زيك بالقول: "نعم بالطبع، بسبب..."
لكنه أدرك حينها ما ألقته للتو.
صرخ بصوت عالي: "أي آثار تحت الأرضية!؟"
فوجئت فريدا بانفعاله المفاجئ، لكنها أخبرته مع ذلك أن المدينة بُنيت على أنقاض حضارة تحت أرضية، كان يُفترض وجودها هنا منذ زمن بعيد. خلع زيك أحد حذائه ورماه على فيولا لتنتبه. أخرجت رأسها من تحت الأغطية وأنصتا باهتمام بينما شرحت فريدا أمر الآثار تحت الأرضية.
هتف زيك: "فريدا، لا أستطيع تصديق ذلك. لمَ لم تخبريني قط عن هذه الآثار تحت الأرضية من قبل؟ أتقولين إن المدينة مبنية فوقها؟"
أجابت فريدا: "يا له من أمر، هذا هو سبب وجود هذا العدد الهائل من المغامرين في البلدة. ولكن نعم، المدينة مبنية فوق أنقاض حضارة تحت أرضية يُقال إنها كانت موجودة هنا منذ أمد بعيد. وهي تعج بالكنوز واللقى الأثرية القديمة، وتكتنفها مخاطر مثل الفخاخ والوحوش أيضاً".
سأل زيك وما زال غير مصدق: "ولكن لمَ لم تخبريني بهذا من قبل؟"
هتفت فريدا وهي تهز كتفيها: "ظننتك تعلم. وإلا لمَ كان النزل محجوزاً حتى آخر غرفة في مثل هذا الطقس؟ فالناس يأتون إلى هنا لاستكشاف الآثار بعد كل شيء".
ردفت فريدا وصوتها ينطوي على تحذير: "حاول العديد من المغامرين استكشاف الآثار، لكن القليل منهم عادوا. غير أن أولئك الذين عادوا أحضروا معهم كنوزاً قيّمة للغاية".
تبادل زيك وفيولا نظرات متحمسة، وكان قلباهما يخفقان بترقب.
هتف زيك: "هذا هو نوع المغامرة التي كنا نبحث عنها تماماً".
أضافت فيولا: "شكراً لك يا فريدا، سننطلق لاستكشاف الآثار تحت الأرضية في أقرب وقت ممكن. ولا شك في أننا سنكشف الأسرار والكنوز الكامنة في جوفها".
أدرك كلاهما أن هذه قد تكون المغامرة التي طال انتظارهما لها. التفت زيك إلى فيولا، وقد تالق العزم في عينيه.
وأمرها قائلاً: "اذهبي إلى نقابة المغامرين وتحدثي إلى كل من تجدينه عن الآثار. وسأتحقق أنا من المكتبة بحثاً عن أي شيء يخص تلك الحضارة تحت الأرضية أستطيع العثور عليه. سنلتقي هنا بعد ثلاث ساعات، اتفقنا؟"
أومأت فيولا برأسها، متوافقة حماستها مع حماسة زيك. ومن دون تردد، قفزت عبر النافذة نحو المطر المنهمر. وبعد دقيقة عادت عبر الباب، وقد بَلّ المطر عظامها.
تمتمت قائلة: "نسيت أمر المطر الغبي"، قبل أن ترتدي معطفها الواقي من المطر وتغادر عبر النافذة مرة أخرى.
وفي تلك الأثناء، ارتدى زيك معطفه الواقي من المطر بدوره وحصل على عنوان المكتبة من فريدا. فانطلق في مهمته الخاصة، عازماً على كشف أي معلومة يستطيع الوصول إليها حول الحضارة تحت الأرضية. ومع مرور الساعات، نقب زيك وفيولا في كل مصدر استطاعا العثور عليه، منكَبَّين على النصوص القديمة ومتحادثين مع المغامرين ذوي الخبرة. ومع اقتراب موعد لقائهما المحدد، لم يستطع كلاهما إلا أن يشعر بشعور من الترقب يتصاعد في داخلهما.
وحين شق طريقه عائداً إلى النزل، لم يستطع منع نفسه من التساؤل عما اكتشفته فيولا في نقابة المغامرين. كان يشتعل شوقاً لسماع ما توصلت إليه والتخطيط لخطواتهما التالية معاً. لقد بات جلياً أن الآثار تحت الأرضية تضم أسراراً جمّة، وكان مصراً على كشفها جميعاً. ومع انقضاء الساعات الثلاث المحددة، اجتمع الاثنان مجدداً في غرفتهما المستأجرة، متلهفين لمشاركة المعلومات التي كشفا عنها.
سأل زيك ونبرته تفيض بالحماسة وهو يميل إلى الأمام ليستمع إلى تقرير فيولا: "إذن، ماذا اكتشفت في النقابة؟"
قدمت خلاصة لجميع المعلومات التي جمعتها، بدءاً من مخطط الأنفاق تحت الأرضية وصولاً إلى مواقع القطع الأثرية القوية. كانت فيولا قد انخرطت بحماس في الحديث مع كل مغامر، مستفسرة عن تجاربهم وما اكتشفوه. تحدث البعض عن أنفاق غادرة تمتلئ بالفخاخ، وتحدث آخرون عن أثار قديمة تعج بكنوز لا تحصى. أخبرهما مغامر شاب يعلق قوساً على ظهره، عن بحيرة تحت أرضية عظيمة مليئة بمخلوقات خطيرة.
وتحدث آخر، وهو رجل ضخم بنيان يحمل فأساً، عن حجرة تعج بالأفاعي التي تستطيع نفث سمومها لمسافة تصل إلى خمسين متراً. وبينما كانت تتحدث إلى كل مغامر، شرعت فيولا في تركيب خريطة تقريبية للآثار تحت الأرضية. فعلمت بأمر الممرات السرية، والحجرات الخفية، والفخاخ المميتة. هزّ زيك رأسه غير مصدق، عاجزاً عن استيعاب كيف تمكنت فيولا من جمع هذا القدر الهائل من المعلومات عن الآثار القديمة تحت الأرضية في هذه الفترة الزمنية القصيرة للغاية.
عُرف عن المغامرين تكتمهم الشديد على اكتشافاتهم، لكن فيولا وجدت طريقة لجعلهم يتحدثون على ما يبدو. وشرحت له كيف أصبح معطفها الواقي من المطر مزعجاً، فخلعته كاشفة بفضل المطر عن أرديتها الشفافة تماماً والمنحنيات الفاتنة من تحتها. وفجأة، أصبح الجميع يتوقون للحديث معها ومشاركة تجاربهم في الآثار. أوضحت فيولا أن العديد من المغامرين قد توغلوا في أعماق الآثار تحت الأرضية، وعادوا بحكايات عن قطع أثرية غامضة وسحر قوي.
بل إن بعضهم زعم أنه واجه حُرّاساً قدماء، وهم كائنات قوية تحمي الآثار من الدخلاء. ورغم المخاطر، كان الكثيرون يتوقون للعودة والاستكشاف بعمق أكبر، مدفوعين بوعود الثروات الطائلة والسحر القوي. شكرها على عملها الجاد وروى بحماسة المعلومات التي اكتشفها في المكتبة.
"اكتشفت أن هذه الحضارة القديمة تحت الأرضية كانت تسمى «إمبراطورية باومغارتن تحت الأرض». لقد كانت مجتمعاً قوياً ومتقسماً وجد هنا منذ آلاف السنين. كانت تكنولوجيتها متجاوزة بكثير أي شيء نملكه اليوم، وكان لديهم نظام معقد من الحكم والتدرج الاجتماعي. بل كانت لهم لغتهم المكتوبة الخاصة، والتي تمكنت من ترجمتها بمساعدة بعض النصوص القديمة التي وجدتها في المكتبة".
أنصتت فيولا باهتمام، وبعينين متسعتين دهشة بينما كان زيك يتحدث.
فهتفت قائلة: "واو، هذا مذهل حقاً. لم تكن لدي فكرة عن وجود حضارة كهذه هنا. لقد عرفت فقط أن الآثار اكتشفت قبل بضع مئات من السنين وأن المغامرين ما زالوا يستكشفونها، لكنهم لم يعثروا على أي شيء يثير الاهتمام بعد".
أومأ زيك برأسه قائلاً: "واكتشفت أيضاً أن الآثار شاسعة وممتدة بعيداً تحت المدينة. يبدو أن الحضارة بنيت شبكة ضخمة من الهياكل تحت الأرضية، متضمنة قاعات كبرى، وبحيرات تحت أرضية، بل ونظام نقل تحت أرضي أيضاً. ولكن على ما يبدو، اعتبرت الآثار خطيرة للغاية بحيث لا تحتمل مزيداً من الاستكشاف".
قالت فيولا وقد ارتسمت على وجهها ملامح العزم: "ولكن هذا هو السبب بالضبط الذي يجعلنا نستكشفها. لا يمكننا السماح لحقيقة أنها خطيرة بأن تمنعنا من كشف أسرار هذه الحضارة المفقودة".
ابتسم زيك، شاعرأ بالانتعاش إزاء حماسة فيولا.
وقال: "أنت على حق. يتوجب علينا أن نرى هذه الآثار بأنفسنا ونكشف الحقيقة حول إمبراطورية باومغارتن تحت الأرض. إنها مغامرة العمر".
ومع استمرار اليوم، شرع زيك وفيولا في جمع المؤن التي ستحتاجانها لرحلتهما داخل الآثار تحت الأرضية. فزارا السوق المحلية، حيث اشتريا الفوانيس والحبال وغيرها من المعدات التي ستكون ضرورية لاستكشافهما. كما خزنا ما يكفي من الطعام والماء، لعلمهما بأنهما سيكونا تحت الأرض لعدة أيام على الأقل. ومع اقتراب اليوم من نهايته، عاد زيك وفيولا إلى النزل للاستراحة والاستعداد للرحلة القادمة.
وراجعا خططهما للمرة الأخيرة، متأكدين من حيازتهما لكل ما يحتاجان إليه. وحين بزغت الشمس فوق مدينة باومغارتن، انطلقا في المجهول، مستعدين لأي مغامرات تنتظرهما في الأفق.