ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 28 — الوطن، يا طعم الوطن!

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 28 — الوطن، يا طعم الوطن! باللغة العربية على مانجا تايم.

توقفت العربة في قرية فيلدشتات الصغيرة معلنة نهاية رحلتهم. فتح الباب. تمطت فيولا ممثلة قوامها بحركة أيقظت غفتها. لم تملك ليلي إلا أن تشعر بوخزة حسد وهي ترمقها. لاحظت فيولا نظرتها فابتسمت بمكر مستمتعة بتأثيرها. هز زيك رأسه يئساً من حيلها المعتادة.

قال وهو يومئ لها باتباعه أثناء نزوله: "فلنذهب".

انتبه قرويو فيلدشتات المشغولون بشؤونهم اليومية إلى العربة ومجموعة السحر الصغار. توقفوا فوراً عما يد بيدهم. انحنى بعضهم بينما اقترب آخرون لرؤية المسافرين. استقبل القرويون السحرة الشباب بحرارة. سرّ الجميع بعودة إيزيكيال إلى قريته الأم. جالت عينا إيزيكيال في معالم قريته المألوفة بحنين جارف. أسقف البيوت المصنوعة من القش شوارعها المرصوفة بالحجارة الوجوه الودود لمعارفه القدامى.

كلها أعادت إلى ذهنه ذكريات دافئة. حيا إيزيكيال كل من يعرفه مخبراً إياهم بصحته الجيدة ومستذكراً الأيام الخوالي. قدم فيولا بوصفها صديقة من الأكاديمية مخفياً مكانتها النبيلة ومنصبها عن القرويين. أدرك أن الأمر سيجلب اهتماماً بلا داعٍ مفضلاً إبقاء الأمور بسيطة. قاد إيزيكيال فيولا عبر القرية مستعيداً ذكريات طفولته. أشار إلى أماكن هامة من حكاياته كموقع اصطياده لأول سمكة والشجرة التي اعتاد تسلقها صغيراً.

استمعت فيولا بانتباه مستوعبة مشاهد القرية وأصواتها بفضول. اقتربا من بيته فالتفت إليها سائلاً عن مكان نوائها. أجابت بلا مبالاة أن في ذهنها مكاناً وألا يقلق. عجز إيزيكيال عن التخلص من شعور بأن في كلامها ما خلفه لكنه قرر وثوقها للوقت الحالي.

وصلا إلى بيت طفولته فالتفت قاصداً: "وصلنا".

تأملت فيولا البيت الصغير باهتمام فاحصة إياه عن كثب. مسكن بسيط من الخشب سقفه من القش وله حديقة صغيرة في الواجهة. بدا واضحاً اعتناء أهل البيت به فرسمت الابتسامة على محيا إيزيكيال. تقدم نحو الباب فطرق ثلاث مرات قبل الدخول. تقليد قديم حافظ عليه من صفاه معلناً لعائلته قدومه. فتح الباب ومئ لفيولا بالدخول مشتاقاً لإطلاعها على منزل صباه. تشوق لرؤية ردة فعلها ولمعرفة إن كانت ستلمس الدفء والحب ذاتهما اللذين يراهما فيه.

عبرت فيولا العتبة فلم تملك إلا ملاحظة تواضع البيت الشديد. منزل خشبي صغير لا يختلف عن الأكواخ القشية المحيطة به. تذكر نشأة فيولا في قصر فشعر بشيء من الخجل لتواضع مسكنه لكنها سارعت إلى طمأنته. أخبرته بجماله وبأنه يبدو كبيت عائلة حقيقي. غمرت الإطراءات قلبه بالدفء لكنه صمت. الأثاث بسيط ومستهلك غير أنه حافظ على رونقه بمرور السنين. طاف بها مظهراً تفاصيل خاصة وذكريات تعود لأيام صباه.

أدركت فيولا أثناء تجوالهما مقدار ما يعنيه المكان له. بدا جلياً احتلاله مكانة خاصة في قلبه فتملكها شعور بالدفء والحنين وهي تتلفت. رأت كم يحب بيته فسرها رؤيته مرتاحاً مطمئناً. ما إن فتح إيزيكيال الباب حتى هوت عليه فتاة صفراء الشعر ذات ضفيرتين وعينين زرقاواتين براقتين. إنها أخته الصغرى مايا التي غمرتها السعادة لرؤيته. شرعت في البكيت فوراً معاتبة إياه على تأخر عودته.

رفع إيزيكيال الفتاة ذات التسع سنوات محتضناً إياها بقوة دافقاً في روحه موجة من الدفء والمحبة. رفضت مايا مفارقته متشبثة به بقوة وهو يجوب غرف بيته القديم. تجول باحثاً عن والديه. أخبرته مايا بغيابهما اللحظي وقرب أوبتهما. وما إن أتمت حتى دوت جلبة عند المدخل. ارتسمت على شفتي إيزيكيال ابتسامة شقية فأشار لأخته وللولا بالصمت. بمجرد وطء والده الغرفة وثب من مخبئه منقضاً عليه بأقصى سرعة.

تفاجأ الأب بالهجوم المفاجئ فتفاعل بسرعة متخذة وضعية قتالية للدفاع عن نفسه. لكن رؤيته لخصلات الشعر القرمزي المندفعة نحوه أنبأته بعودة ابنه فقرر مقابلته بعناق. التقى الرجلان في وسط الغرفة معتصريْن بعضهما بكل قوة. دهش إيزيكيال من قوة أبيه. لقد ترقى إلى رتبة ساحر بفضل نواة الدم والفضاء خاصته. تكتسب أجساد السحرة صلابة بفضل تآلف نواتهم السلبي مع المانا وتمتلك سحرة الدم أجساداً أصلب لكن أباه لم يبدُ متعثراً في مجاراة بأسه.

ترافق العناق بثناء الأب على تقدم ابنه وقوته. فخر برؤية مبلغ نضج ابنه منذ مغادرته قبل خمسة أشهر. انقطع تعادلهما بدخول والدة إيزيكيال. أطلقت صرخة مدوية مهرولة لاحتضان طفلها المدلل. أفلت إيزيكيال أباه مبادلاً أمه العناق. لا يعلم لِمَ لكن الدموع غلبت عينيه فور احتضانه لها. ضمته بقوة هامسة في أذنه بكلمات العشق والتشجيع. استشعر الدفء والأمان بين ذراعيها متأكداً من ثبات وجودها جانبه مهما استجد المستقبل.

عقب عناق طويل التفتت الوالدة لترَى فيولا واقفة على مقربة خلفه ترمقهم بمراقبة. قد يعدها آخرون موقفاً محرجاً لكن فيولا اكتفت بالتأمل بفضول ملوحة بيديها كلما التقت عيونهم بها مواصلة جولة بصرها في أرجاء الغرفة.

التفتت نحوه قائلة: "إيزيكيال ألا تقدم صديقتك؟".

التفت فرأى فيولا بابتسامتها المعتادة ترفع حاجبها ناظرة إليه. رغبت بوضوح في التعارف فبادر سريعاً.

اقترب موضحاً: "أمي أبي مايا هذه فيولا فينتسانتسر. صديقة من الأكاديمية زميلة ودراسة وساحرة موهوبة للغاية".

ابتسمت فيولا محيية الجميع. بدا سرورها واضحاً بتقديمها ساحرةً بارعة. تفاجأت العائلة بكون فيولا نبيلة ولاحظ زيك عبوس ملامح أبيه بجدية بالغة عقب سماع كنيتها مدركاً سماعه بعائلة فيولا سابقاً. أدرك معاناتهم في التأقلم مع مكانتها فاِتّضح له وجوب تدارك الأمر.

التفت إليهم طالباً: "أرجوكم جميعاً. عاملوا فيولا كفتاة عادية".

استمر توتر العائلة وجفاؤها بحضرة فيولا. أدرك صعوبة تقبلهم لإحضاره فتاة نبيلة للتعارف. استوجب الأمر صراحة أشد.

التفت مؤكداً: "إنها أعز أصدقائي وإن عجزتم عن التصرف بطبيعية معها فستعينني إعادتها. وحين أرسلها بعيداً فلن تجد مأوى وستضطر لمواجهة العالم القاسي وحدها. أيمكنكم إلحاق هذا بها فعلاً؟".

أدرك ضرورة إتيان فعل جذري لإشعار عائلته بالارتياح فلجأ لسلاحه السري. أمسك فيولا من كتفيها مستدراً إياها وموجهاً إياها كالسلاح نحو عائلته. غاب عن بصره وجهها مباشرة لكنه أدرك بـ [وعيه المكاني التام] ارتدائها أتعس تعبير رآه في حياته. كان الأثر فورياً. خطفتها أمه ضامة إياها لصدرها كابنتها. رمت إيزيكيال بنظرات استنكار متسائلة عن مكنة قسوته لطرد هذه الفتاة العزيزة. أدرك خطأه.

التفتت فيولا من حضن أمه رامقة إياه بابتسامة ماكرة. لم يملك إلا تقليب عينيه معلناً معرفته بمحاولتها تخفيف الأجواء. إثر تلك اللحظة المحرجة الأولى عامل الجميع فيولا كصديقة لإيزيكيال لا أكثر. استفسرت الأمه عن عودة ليلي وماركوس بمعيته ليتأزم الموقف قليلاً لجهله بما يقوله. كره كذب عائلته وكره إحزانهم بخبر رحيل ليلي وعدم عودة ماركس من العاصمة. حسم أمره صارحاً أهله بما جرى معهما.

شرح إعراض ليلي وموافقتها على الزواج من صامويل وكذا عمل ماركوس حداداً بأحياء الحرفيين في العاصمة. تناهى سرد رفض ليلي فلعنتها أمه معبرة عن خيبة أملها. غير أن أخبار ماركوس ودعمه واهتمام الفتى به طوال الوقت أعادت الابتسامة لوجوه والديه. صرح الأب بمعرفته الدائمة بطيبة ماركوس معتزاً بوفائه كصديق. كانت هذه المرة الأولى التي تسمع فيها فيولا القصة بأكملها وتمنت لو أنها كانت أقسى مع ليلي.

استوعبت أسباب ألم إيزيكيال من تصرفاتها مشحونة بالغضب تجاهها. استحضرت اسم صامويل. كيف تجرأ ذلك الفرخ من عائلة لوفشلوس العمل سراً لصالح عائلة فويركرانز. خيانة صريحة لها بصفتها زعيمة سحرة الريح في إلمنتيوم. دونت فيولا الملاحظة بذهنها لتسوية الأمر عقب العودة من عطلة الصيف. عقب قص معركته مع الغول وترقيته للرتبة البرونزية صمت إيزيكيال أخيراً. سألته أمه مازحة عن وجود قنابل أخرى ينوي تفجيرها.

حاول مشاركتها الضحكة مستدركاً وجود أمر أخير يلزمه البوحي به. بدت على ملامحه الحيرة عاجزاً عن التلفظ. لاحظت أمه تعبيره دافعة إياه للبوح.

تردد هنيئة متبعاً نصيحتها: "أمي أبي مايا لقد صرنا نبلاء جميعاً!".

جهل ردة الفعل المنتظرة لكن الصمت المطبق التالي لم يكن منها قط.