ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 298 — إلى الأدغال

اقرأ ثلاثية السحر: مسار القوة الفصل 298 — إلى الأدغال باللغة العربية على مانجا تايم.

نزل زيك من العربية. لاحظ فوراً موقع الشمس على الأفق. الوقت المضقِي أكبر ممّا حسب. ضوء النهار المتلاشي آخر ما أثار دهشته. استقبله أفق من الأشجار الغنّاء تمتدّ على مدّ البصر. وقف هناك طويلاً. تأمّل البساط الأخضر الشاسع أمامه. مشهد يعاكس تماماً الصحراء المجدبة التي أُلفها. التقت حافة الأدغال بالرمال في تباين حادّ. كأنّ يد عملاق رسمتها. التفت زيك إلى رفاقه بابتسامة عريض. بادله إيّاها كلّ من آش وغرافيتاس.

بدا الدليل قلقاً وهو يحدّق في الأشجار. لاحظ زيك نظرته. حاول الرجل السيطرة على نفسه. بقيت آثار الخوف واضحة في عينيه.

قال زيك: "أثمة أمر ما؟"

هزّ الرجل رأسه. رسم ابتسامة قسريّة.

"ليس أمراً يسترعي القلق، سيّدي. أنا فقط لا أُحبّ هذا المكان. لا أشعر بالأمان هنا."

زيك ركّز حاجبيه.

"أهو أخطر من الصحراء؟"

هزّ الرجل كتفيه.

"ربّما لا. لكنّ الصحراء خطر أعرفه. هذا المكان؟ لا أعرف ما أُواجِه."

هزّ زيك رأسه. رمق الأدغال بحذر أشدّ. غفل في غمرة ابتهاجه عن تفصيل حاسم: سيغدون بلا دليل ابتداءً من الغد. الإدراك مخيف. لم يكن مقاتلاً ماهراً. لكنّه برع في شقّ الطريق بأمان عبر المناطق الخطرة. وقعت عيناه على بقعة قرب حافة الأدغال. جُزّت بعض الأشجار. تخلّفت دائرة حجارة. دليل على مخيّم مهجور. ردّ الدليل على نظرته المتفرّسة بإيماءة رأس. أشار إلى أمان قضاء الليلة هناك. التقط آش الإشارة.

قاد مسارهم نحو المخيّم. بعد هنيهة، بلغوا أفق الغابة. تخلّف زيك خلف الكيميروي وهم يدخلون المخيّم. استوعب محيطه. تطاولت الأشجار علوّاً يفوق ما بدت عليه عن بُعد. ألقى الأشجار بظلامها على المحيط. كشفت نظرة خاطفة عن سواد فاحم في جوف الغابة. الغطاء النباتي كثيف. لا يخرقه ضوء النهار. ابتلع زيك ريقه بصعوبة. توقع أن تمثّل الأدغال تحدّياً. لم يتوقع أن تكون الرحلة في ظلام دامس. حتى في أوفى تقديراته، سيقضون أسبوعاً في اجتيازها.

مدّة معتبرة بلا ضوء شمس. تجلّى له سبب نظرة الدليل المفعمة بالخوف البادي نحو الأشجار. أعاد المنظر إلى ذهن، وبطريقة ما، توغّله الأوّل في الغابة. حيث كادت فرقة عصابات شاردة ترديه قتيلاً...

سأل صوت رقيق: "أبخير أنت؟"

رتّب زيك تعابير وجهه سريعاً. لاحظ التمّاس سنو تنظر إليه بوجه يعجّ بالقلق. أفلت زمام حذره لبرهة. لا يليق به إظهار أيّ خوف.

قال زيك بابتسامة متسعة: "ليس إلّا لا شيء. أفكّر فقط في احتمال فقدان سمرتي هنا."

لَفَتَتْ سنو عينيها إزاء مزحته البادية. لكنّ ملامحها ارخت حين استوعبت ملامحه المسترخية.

أمر زيك: "لنشرع في الأمر. سنتولّى أنا وسنو أمر النار بينما فولكانوس غائب. سيتولّى البقيّة مهامكم المعتادة. أنتم تعلمون ما تفعلون."

أومأ آش وغرافيتاس. شرعا في العمل. في الأثناء، كابد زيك لإشعال النار. بينما تسابقت سنو تلمّ الأغصان الجافة. أخفق مجدّداً. لعن افتقارهم لأداة سحرية أو حتّى قداحة. في غياب فولكانوس، أدرك زيك مدى اعتماده على كلّ فرد في فريقهم. بلا أيّ سند احتياطيّ. لم يحسب حساباً لاحتمال عجز أحددهم. أو الأسوأ، مقتله في رحلتهم. رغم أنّ البعض قد يجادل بعدم لومه لكونها مرّته الأولى، لم يجد زيك سلواناً في ذلك.

لا إعادات تمنح. قد تعتمد حياتهم بأسرها على خلوّه من الأخطاء. حطّم زيك الحجارة بعضها ببعض. استبدّ به الإحباط من إخفاقه. تفاجأ بشرارة صغيرة تسقط على وقود ليّن. انتعشت حالته حين التهم القش النار. نشرت حمراء مريحة. وضع اللهب الضعيف في موقد النار سريعاً. تحوّل قريباً إلى جمرة مضطرمة.

همس أحدهم جواره: "أحسنت."

التفت زيك متفاجأً بالصوت. وجد سنو ترمقه. راحت الفتاة تراقبه في لحظة ما. غرق زيك في أفكاره حدّ عدم إدراك حضورها. تساءل الآن كيف فاتته الفتاة. بدا شعرها الأبيض كالثلج وعيناها الحمراوان تلمعان في المحيط المظلم. يصعب أحياناً تصديق أنها مجرد فتاة عادية. بَدَت في أوقات كهذه ككائن خرافيّ شاذّ عن مكانه في هذا العالم. ابتسم لها. استغرق لحظة لمسح محيطه. نُصبت الخيام. تشاجر عابرو الرمال على آخر فتات اللحم.

لمح بعد هنيهة غرافيتاس وآش يقفان بالقرب. لا بدّ أنهما أتما مهامهما منذ أمد. ابتسم زيك معتذراً وهو يلوح لهما للاقتراب.

"عذراً على التأخير."

هزّ آش رأسه مبتسماً بينما هزّ غرافيتاس كتفيه.

"لم يكن بمقدورنا فعل أفضل يا سيّدي."

شكّ في ذلك نوعاً لكنّه لم يك ليُعترض. التقط كلّ منهما سفّوداً. شرعوا في شواء لحمهم. اختار زيك والكيميروي قطعة ضخمة. بينما التقط دليلهم جزءاً أصغر بمرارة. كره الطعم في كلّ قضمة. تخلل ثرثرتهم المتناغمة أثناء الاستمتاع بوجبتهم صرير خشب. بَرَز رأس فولكانوس عبر ستارة العربية مأزقاً إيّاهم بنظرة.

"ألم تفكّروا في إيقاظي للعشاء؟"

ابتسم زيك ممسكاً بقطعة لحم في يد وربّت المكان جواره باليد الأخرى. لانت ملامح فولكانوس فوراً وهرع العملاق. بدا جائعاً لأيام. قد لا يبعد ذلك عن الحقيقة نظراً لمعدّليه المجنون. كما توقّع، التهم فولكانوس سفّوداً تلو الآخر مستنزفاً احتياطهم سريعاً. لم يمانع زيك. وزّع الطعام بحرية. أكّد دليلهم عدم القلق بشأن الطرائد. تعجّ الأدغال بالحياة. لم يشعر الكيميروي بالرضا إلّا بعد اختفاء آخر حصة في جوف فولكانوس.

سأل آش بعد أن استقرّ بهم المقام: "كيف تشعر؟"

أمال فولكانوس رأسه ليرمق كفّيه. قبض أصابعه وبسطها. استدعى جمرة دقيقة بوهيض أبيض ناصع. حدّق فيها طويلاً. انبسطت ابتسامة عريضة على وجهه.

"أشعر بحال أفضل من أيّ وقت مضى، يا ذئب الرماد. أفضل من أيّ وقت مضى."

كرّر الجزء الأخير بنظرة ذات معنى نحو آش وغرافيتاس. التفت إلى زيك بعدها.

"متى يمكنني القتال مجدّداً؟"

أدرك زيك بالطبع مقصد فولكانوس: أراد الكيميروي استخدام غليان الدم مجدّداً. عَرَف زيك تقدّم فولكانوس. لكنّه لم يحسب حساب كمّ إدمان شعور القوة بالنسبة إليه. رؤية الأرقام شيء، واختبار تحسّنات سريعة ميدانياً أمر آخر تماماً. أمر يستوجب المراقبة. لا مبرر لكبح حماسته الآن مع ذلك. عوض ذلك، أومأ زيك نحو الغابة.

"سأتفاجأ إن لم نخض قتَالاً غداً."

تبع فولكانوس نظراته موسعاً عينيه. بدا أنّ الكيميروي لم يلحظ الأدغال من قبل. استحال تفاجؤه سريعاً إلى حماس وهو يمعن النظر في سواد العتمة. لم يدر زيك أَيُسرُّ بحماسة الرجل للغوص في المجهول أم يقلق. أفضل من الخوف، هكذا ظنّ. ما لبثت وجبتهم أن انتهت، فانسحب زيك إلى خيمته. سيتولّى فولكانوس حراسة معظم الليل. يتناوب آش وغرافيتاس لفترة مع طلوع الصباح. لم تقع أحداث طوال الليل لحسن الحظّ.

وجد زيك المخيّم هادئاً كالأمس. استيقظ الكيميروي، بما فيهم سنو. ناولته الفتاة الخجولة فاكهة مستطيلة قطفها غرافيتاس ليلاً. تقبّل زيك الفاكهة الغريبة باهتمام. زُيّنت قشرتها الزرقاء الحية ببقع داكنة. قشّر القشرة متردّداً غير دارٍ بما ينتظر. تيقّن مع ذلك من تحذير أكاشا لو كانت سامة. أخذ قضمة بتمنّع. غمرت حواسه دفقة حلوة وكريميّة. فاجأته بطعمها وقوامها الفاتنين. استمتع بكلّ لقمة.

تركه إحساس لب الفاكهة الناعم المجهول على لسانه مهتماً باستكشاف المزيد من هذه الفاكهة المستجدّة. غافلاً عن اسمها مغرماً بجاذبيتها اللذيذة. حان وقت وداع دليلهم بعد الإفطار الارتجاليّ. يعود الرجل إلى العاصمة وحده برفقة المطايا والعربية. ساد جوّ من التوتر لدى تصافحهما. شعور ليس بلا مبرر تماماً. إن أراد زيك إسكاته نهائياً، فهذه اللحظة. تلاقت نظراتهما بلحظة حدّة صامتة. وجد زيك نفسه يداعب الفكرة فعلاً.

يشكّل السماح للرجل بالعودة خطراً معيّناً. فهو الفرد الوحيد العارف بوجهتهم. انقضت اللحظة وتخلّى زيك عن يده.

قال زيك: "رحلة آمنة."

أومأ الرجل بارتياح قبل أن يفرّ من المكان فعلياً. بينما راقب ظهر الرجل المنسحب، وازن زيك خياره. لم يكن دليلهم سوى عون ولم يستحق الموت بأيّ حال. لم يشعر مع ذلك بذنب لمجرد التفكير في الفكرة. رغم خيبة أمل ماكسيميليان المحتملة، وجد زيك صعوبة في تبرير مخاطر تعرضه وشعبه للخطر. أدرك وجود خطّ ما لا ينبغي تجاوزه. لكنّه لم يبدُ جليّاً مكانه. حملت كلّ مخاطرة احتمال تكلفته حياته.

ما عقّد عملية صنعه للقرارات ورفع وعيه بالتوازن الدقيق بين الرأفة والحماقة. زفر بتعب والتفت على عقبيه. وقف الكيميروي بالقرب محملين بحقائب ظهر. لكن زيك لاحظ ومضة عابرة لنية القتل تومض في أعينهم قبل أن تتبدّد سريعاً. اتضح استعداد الثلث لتنفيذ إعدام الرجل إن أصدر زيك الأمر. أثار المشهد مزيجاً متناقضا من الفخر والقلق داخله. غمره فيض فخر بولائهم الثابت واستعدادهم لتنفيذ أمره.

لكنّه لم يستطع تجاهل إدراك ثقل استقرار عبء الخيار على كاهله وحده. عليه أن يلعب دور ضميرهم. تنفّس بعمق. شدّ زيك كتفيه. صلبت نظرته بعزم. حسم أمره منذ أمد بأن يكون سيّد مصيره. صياغة قدره. لا جدوى من إعادة تخمين كلّ قرار من قراراته. أكّد التزامه اليوم وفي هذه اللحظة بالقيادة باستقامة وصنع الخيارات الصائبة مهما كانت النتيجة.

قال وعادت الابتسامة ترتسم على شفتيه: "لنذهب."

ألقى زيك نظرة أخيرة إلى الوراء وهم يغامرون بدخول الغابة. تلاشت أشعة الشمس مسبقاً، مبتلعة من الغطاء الكثيف أعلاهم. ألقى غسقاً ساحراً حوّل الصباح البكر إلى شفق سرمديّ. سيعيشون في هذا العالم الهادئ والغامض للمستقبل المنظور.