عادت القافلة إلى مسارها وقطعت مسافة طيبة. أزال عرض فولكانوس، على ضراوته غير المتوقعة، طريقهم بسرعة قياسية. إن لم يقع طارئ، فسيلغون الحدود قبل حلول الظلام. كان زيك في تلك الأثناء داخل العرببة يعتني بالخيمروي فاقد الوعي. مضت ساعتان منذ القتال وصحت كلمات أكاشا بالفعل. تراجع الوهن الأول الناجم عن غليان الدم وبدأ فولكانوس يتعافى بوتيرة ملحوظة. التلت جروح يستغرق شفاء البشر العاديين أسابيع لالتئامها بسرعة تُرَى بالعين المجردة.
لم يملك زيك إلا أن يتنهد إعجاباً.
همس بينما أرخى الخيمروي فاقد الوعي حاجبيه المقطوبين ولم يعد يشعر بالألم بوضوح: "هذا مخيف ببساطة".
[تنبيه]
يملك المضيف قدرة على التعافي أسرع بكثير من هذا.
قال زيك: "الأمر ليس سيّان. تقارب الدم بين الأفضل في الشفاء الذاتي. لا أظن شيئاً يفوق الحياة في هذا الخصوص. لكن فولكانوس؟ يمتلك سحر نار فطرياً إلى جانب جسد قوي بجنون. ما كان له أن يشف بهذه السرعة فوق ذلك".
[تنبيه]
إنه نظام طاقة مختلف بنقاط قوة وضُعف مختلفة.
أدرك زيك ذلك بالطبع، لكنه بدأ يتيقن إثر هذا الاختبار الأخير من أن شيئاً ما لا يكتمل.
"أعطني الأرقام مجدداً".
[إجابة]
يُظهر الخاضع فولكانوس كثافة مانا قدرها سبعة وأربعون جزئاً ونصف الجزء للوحدة، بزيادة قدرها واحد وعشرون من عشرة، أو ستة وأربعون من مئة بالمئة.
هز زيك رأسه بعدم تصديق.
"زاد فولكانوس كثافة المانا الكلية في جسده بأكثر من أربعة ونصف بالمئة في قتال واحد فقط. ألا ترى ما يعنيه هذا؟ بمكانه مضاعفة قوته في ما يزيد قليلاً على عشرين قتالاً. ضِعف. قوته! يستغرق تحقيق التقدم نفسه سنوات بالنسبة لساحر بشري، بل عقوداً".
[إجابة]
المضيف محق، مع أنه من المبكر الجزم بأن هذا إنجاز قابل للتكرار. من الحصافة مراعاة احتمال تناقص الغلة. علاوة على ذلك، من المهم الإقرار بأن هذا النمو تحقق بخطر جسيم. احتمالية نجاة الخاضع في عشر معارك أو أكثر بحجم مماثل محل شك كبير.
لوح زيك معترضاً.
"حتى لو كانت تناقصات الغلة معتبرة فلن تبطل حجتي. لا نناقش هنا نمواً هامشياً، بل زيادة تفوق المئة ضعف. أما المخاطر؟ فيمكن تقليصها إلى حد بعيد بضمان حضور معالج بارز وتشكيل فرقة استطلاع متخصصة. أقنعني بعكس ذلك".
صمتت أكاشا طويلاً على غير عادتها قبل أن تجيب.
[إجابة]
المضيف محق. النمو الذي رصدناه في الخاضع فولكانوس غير طبيعي. مع ذلك، لا أفهم سبب انزعاج المضيف من هذا. ألا يُفترض بهذا الاكتشاف أن يكون أمراً جيداً؟
ابتسم زيك بمرارة. كان يدرك جيداً وجوب ابتهاجه بهذا. فهو في النهاية يقود أكبر قوة خيمروي في القارة ويحمل التقنية الوحيدة القادرة على هذا النمو السريع. غلبه شعور زاحف بالرهبة عوضاً عن الفرح، كأنه عثر على ما ما كان ليجده.
بدأ ببطء مانحاً صوتاً للثقل في معدته: "ألا ترى أنه لأمر غريب... ألا نحكم نحن من قِبَل الخيمروي إن كانوا قادرين على بلوغ مثل هذا النمو؟"
[إجابة]
تُصوَّر الخيمروي بحسب السجلات التاريخية بوصفهم شعباً ممزقاً يفتقر إلى الوحدة، وبالتالي يعجز عن تشكيل معارضة موحدة ضد البشر المستوطنين في القارة.
سخر زيك.
"ولا يبدو لك هذا غريباً؟ قل لي يا أكاشا... هل اتحد البشر ولو مرة واحدة خلال الألفية الأخيرة؟"
بقيت الروح صامتة مانحة زيك الإجابة التي توقعها.
"هناك شيء يفوتنا وأنا متأكد من ذلك. حتى إن لم يكن الكيمروي أفلا يجب أن يحكمنا أحد الأعراق القديمة على الأقل؟ التايتن؟ العناقاء؟ التنانين؟ طبقاً لكهاي زار لديهم تقنيات أفضل من هذه حتى".
هز زيك رأسه مطلقا تنهدة هزيمة.
"لقد افترضت دائما أن الأعراق الأخرى تمتلك معدل نمو أبطأ ولذا لا يمكنها مجاراة البشر في العدد. لكن هذا لا يبدو صحيحا بعد الآن. لا بد من سبب آخر لبقائنا بلا منازع طوال هذه المدة".
ظلت أكاشا صامتة إما لتصريحه أو لعجزها عن الإيجاد إجابة. لكن صوتا جديدا تدخل منضمّاً للمحادثة.
قالهاي زار بصوته الأجش: "أنت مخطئ يا هذا".
"البشر ليسوا عرق أعداد. أهوه. عرقكم عرق متطرفات بكل تأكيد".
سأل زيك لفضوله الحقيقي في سماع رأي التنانين في هذا الأمر: "ماذا تقصد؟".
تنهد الصوت في عقله.
قالهاي زار وممانعته واضحة مع كل كلمة: "إنه ليس أمرا أحب مناقشته كثيرا. لكنني أظنك لن تعرف أبدا ما لم أعلّمك".
انحنى زيك إلى الأمام في مقعده مترقباً كلمات التنين القادمة.
سأل التنين: "هل تعلمت عن الأسلاف؟ أجداد الكيمروي؟".
أومأ زيك. لقد سمع بوجودهم خلال إقامته في ترايدسباير. كان كل واحد منهم يعادل في القوة ساحرا برتبة إكسارك ظاهرياً. والد سنو الذي كانا في طريقهما للقاءه كان إحدى تلك الشخصيات.
شرح هاي زار والإجلال واضح في نبرته: "ما لا تعلمه هو أن الأعراق القديمة تمتلك أسلادا أيضا. المفترس المدرع من التنانين واللهب الأبدي من العناقاء وأبو الجميع من التايتن".
استمع زيك بانتباه تام بينما يتحدث هاي زار للمرة الأولى عن خبايا الأعراق القديمة.
تردد صدى صوت التنين بالحنين: "لو أنك رأيتهم... كان المفترس المدرع قادراً على حجب الشمس لأميال برفرفة بسيطة من جناحيه. وكان اللهب الأبدي قادراً على الإيقاع بآلاف المخلوقات بمجرد ابتسامة. أما أبو الجميع... فلم يكن ليحتاج سوى وثبة واحدة للوصول إلى ترايدسباير من هنا".
سقط فك زيك. وثبة واحدة تمتد من هنا إلى ترايدسباير؟ كان حجم أبو الجميع الهائل مذهلا. لقد سمع عن استمرار التايتن في النمو طوال حياتهم لكن هذا الكشف لا يزال يوسع حدود خياله. ومع ذلك لم يكن هذا هو الجزء الذي تعلق به عقله.
سأل بعدم تصديق: "رأيتهم؟ هل حدث لهم شيء؟".
تنهد التنين.
"نجل. لقد ماتوا جميعا".
تجعّد جبين زيك. من كان بمقدوره قتل مثل هذه المخلوقات الرهيبة؟ هل اتحد البشر على الرغم من تشتتهم في مواجهة هذه القوة الساحقة؟ قاطعت تأملاته ضحكة ساخرة.
"اتحاد؟ تلك الحفنة من الديدان؟ لا تكن سخيفا".
سأل زيك: "ماذا تقصد؟".
قال التنين بنبرة جادة: "دعني أكون واضحا. هجوم واحد من أي من الأسلاف كان ليمحو أيّاً من بلدانكم. أظننت حقاً أن اتحادهم كان سيصنع فارقاً؟".
"إذن ماذا؟".
تردد التنين لبرهة قبل كشف الحقيقة.
"أليس واضحا؟ لقد قُتلوا على يد كائن واحد قوي".
فراغ عقلي أصاب زيك للحظة لعجزه عن استيعاب تلك الكلمات. قُتل على يد كائن واحد؟ ثلاثة ضد واحد؟
تمتم متذكراً كلمات التنين السابقة: "...على يد بشر؟".
بقي هاي زار صامتا للحظة لكنه أجاب أخيرا: "لا أسميه بشرا بدقة. ليس بعد الآن".
سأل زيك: "أتعرفه إذن؟".
ضحك التنين رغم خلوّ الأمر من الفكاهة لزيك: "كل التنانين تعرفه. نحن نسميه الحارس. مع أنه حمل لقبا مختلفا ذات مرة".
توقف التنين برهة ثم نطق بالكلمة التي توقعها زيك مسبقاً.
"الملك".
تراقزت أفكار عديدة في عقل زيك محاولاً فهم ما تعلمه للتو. كان لقب الملك معروفا جيدا في القارة. وكانت تلك مرحلة التطور التالية بعد رتبة إكسارك. لكن بالنظر إلى القصة التي سمعها للتو لا بد من وجود المزيد خلف ذلك.
سأل زيك بحذر وهو يعلم تماما أن التنين غالبا لا يرغب في مناقشة هذا الموضوع: "كيف هزِم الحارس الأسلاف؟".
وكما هو متوقع نفخ التنين بامتعاض.
"لم تكن معركة حتى. لا يوجد كائن مهما بلغت قوته يستطيع الوقوف في وجه ملك".
ارتفع حاجبا زيك.
"ملك؟ كالكائن الذي تعبده الطوائف؟".
"انس الأمر يا هذا. لن تفهم".
أراد زيك بشدة حقا معرفة المزيد. ومع ذلك كان يعلم تماما أن التنين لن يتراجع بمجرد اتخاذه لقرار. مبيّلاً استراتيجياته اختار مسار تحقيق مختلف متجها نحو موضوع غير مرتبط بالموضوع.
"إذن... لقد تحدثت معه؟".
قال التنين: "مرات عديدة. بدا دائما مهتما بي بشكل خاص. أثناء نشأتي ظننت أنها علامة على أنني مقدر للعظمة بالنظر إلى... طبيعته. كم كنت أحمق...".
قال التنين ذلك ضاحكاً ضحكة أجوفاء. بدت حالته المزاجية وكأنها تسوء مما دفع زيك لزلات لسانه بأول سؤال خطر بباله.
"ما هي طبيعته؟".
تمتم التنين: "أهوه... أنسيت ذكر ذلك؟ إنه ملك الزمن... سيّد الحاضر والماضي والمستقبل".
كدس عقل زيك يقترب من حد التماس الكهربائي القصير بسبب تداعيات تلك الكلمات. رأى في ترايدسباير ساحرا برتبة إكسارك يعيد تدفق الزمن بضع ثوان للوراء. ومع ذلك نعت التنين ذلك الساحر بالدودة للتو. ماذا يعني هذا عن قدرات ملك الزمن القادر على هزيمة أسلاف الأعراق القديمة الثلاثة بمفرده؟
"أيعرف المستقبل إذن؟".
تمتم هاي زار: "بالتأكيد".
عقد زيك حاجبيه. إن وجود كائن كهذا يثير أسئلة مقلقة. إن كان كل شيء محدداً مسبقاً ألا يجعل ذلك أفعاله بلا معنى؟ كان ذلك... شعوراً مقلقاً للغاية. جعله يشعر وكأنه مجرد دمية في مسرحية شخص آخر وهو يمقت تلك الفكرة.
قاطعه التنين مخرجا إياه من أفكاره: "حسبك من هذا. النقطة التي كنت أحاول توضيحها لم تكن عن الحارس بل عن البشر كعرق".
أعاد زيك تركيزه على صوت التنين.
شرح التنين: "لست أدري إن كنت على علم بذلك لكن البشر هم النوع الوحيد القادر على تطوير نوى قوتهم أثناء الترقي. هذه الطفرة في القدرات يمكنها تفجير قوتك تصاعدياً بشكل أسيّ. تلك مزيّة لا يمتلكها أيّ من الأعراق الأخرى".
أومأ زيك. أيّ مقارنة بين الكيمروي والسحرة كانت مبنية حصرياً على نتائج القتال لا على حالة نوى قوتهم.
"رغم ذلك لا أرى كيف يبطل هذا نقطتي. سرعة تحسن الكيمروي ستتفوق على أيّ ساحر بمقدار أضعاف مضاعفة".
قال هاي زار بنبرة نفاد صبر: "ألم تستمع؟ الأعداد لا تعني شيئا! أيّ تننين بالغ يمكنه هزيمة العشرات من السحرة الأكابر بسهولة. ومع ذلك فإن العشرات من التنانين العادية ستخسر على الأرجح أمام إكسارك واحد".
أوقف زيك رده مختارا بدلا من ذلك التأمل في تداعيات كلمات التنين. بدأ إدراك غامض يلوح في أفق عقله ووجد نفسه كارهاً لاتجاه أفكاره.
"أتريد القول إنه سيكون من المستحيل على فولكانوس بلوغ مستوى يقف فيه الند للند أمام خصوم كهؤلاء؟".
تنهد التنين بعقبة ثقيلة.
"من الصعب الجزم. يبدو فولكانوس من سلالة مختلطة مما يكوم الأمور. لكن الكيمروي مقيدون بطبيعتهم بظروف ولادتهم التي تحدد إمكاناتهم المستقبلية".
عقد زيك حاجبيه. لم يبدو ذلك عادلاً— قاطعت أفكاره ضحكة ممتعة.
"الأمر سيّان بالنسبة للبشر أيتها الدودة الصغيرة. أم نسيت أن أبناء جنسك لا يولدون جميعهم بتقارب مثالي؟".
شعر زيك باحمرار الخجل يتسلل إلى وجنتيه خجلاً أشد من أن يستغل سحره لتحويل تدفق الدماء. ولم يبدُ أن هذا إلا مضاعفة لضحكات التنين التي رنّت بصوت أعلى في الهواء. لكن بعد برهة عاد هاي زار إلى مزاج أكثر رصانة.
تحولت نبرة التنين إلى الجدية: "لا أبتغي التقليل من إنجازك يا هذا. التقنية التي ابتكرتها تعد إنجازاً ضخماً بلا شك. وإن استُخدمت بفعالية فيمكنها حقاً رفع جيوش. ومع ذلك تذكر هذا: الجنود هم من يربحون الحروب لا الجنرالات".
غرق زيك في صمت مطبق. لقد عرف دائما أن السحرة رفيعي المستوى هم العمود الفقري للبلاد. ومع ذلك كانت هذه المرة الأولى التي يدرك فيها أنهم قد يكونون أهم من ذلك بكثير. إن كان هذا صحيحاً فما مدى قوة إمبراطور أركانهايم؟ وعلى الرغم من كونه الساحر الوحيد برتبة إكسارك المحارب من أجل بلاده فلم يجرؤ أيّ من أعدائه على تحديه. لا بد من وجود العديد من الإكساركات في التحالف ومع ذلك لم يجرؤوا على مواجهته -حتى مجتمعين؟
أكان أقوى بكثير من بقيتهم لدرجة كهذه؟ وملاحظة منه لصمت التنين حيال الأمر استنتج زيك أن هذا الإدراك كان تماما ما نواه التنين له كي يبلغه. ومع ذلك لم يكن يدري إن كان عليه الشعور بالامتنان أم لا. مع كل خطوة خطاها شعر وكأن هدفه يتراجع خطوتين للوراء.
ولحسن الحظ لم يُترك زيك ليتمرغ في أفكاره المكتئبة حيث ناداه أحدهم بصوت عالٍ: "سيدي! عليك رؤية هذا"
صوت جاء من الخارج.